السؤال.

59 11 6
                                        

كنا نجول على طول الشاطئ، والشمس تتكرم علينا بنورها. تكلمنا في عدة مواضيع صُوِّرت لي على أنها شيقة. حينئذٍ، أحسست أني قريبة منه، رغم أن ذلك كان لقاؤنا الأول. وفي لحظة، عمّ الصمت بيننا لثوانٍ معدودة، ثم كسره من خلال سؤاله ذاك:

"إذا سنحت لك الفرصة لمحو شعور إنساني واحد من الوجود، أيّ من هذه المشاعر ستختارين يا مديحة؟"

احترتُ من سؤاله، ولكن رغم هذا، لم يخلُ من إثارة الاهتمام. التزمتُ الصمت قليلًا، وشرعتُ في الغوص في تفكيري. شعرت حقًا أني منفصلة كليًا عن العالم وأنا أحاول إيجاد جوابٍ منطقي.

لم ألحظ آنذاك نظراته التي حملت في طياتها الكثير من الترقب، بدا وكأن بؤبؤ عينيه قد اتسع، وهو يتلهف بشراهة لسماع جوابي. وكل ثانيةٍ صمتٌ مني، لم تكن إلا لتزيد من شدة جوعه.

في تلك اللحظة، أجبت قائلة: "الكراهية." كنت على يقينٍ تامٍّ من جوابي، لكن نبرتي لم تدلّ على ذلك قط. ولم أعلم لماذا بدأت أتلعثم في نطق كلمة بهذا القِصَر. حدث هذا في غضون ثوانٍ. وما إن أردت النظر في عينيه الدافئتين، بعدما أفضيتُ بإجابتي، حتى تجمدت ساقاي عند رؤية ابتسامته.

لم أعلم لماذا نظر إليّ بذلك الوجه الغريب، الذي علتْه بسمة تخفي خلفها نوايا مبهمة. ولكن ما إن يراها المرء، حتى يعلم أنها نوايا شر. كل ما أدركته حينها أنني ارتكبت خطأً جسيمًا بثقتي به. لكن لم يدم إدراكي طويلًا، حتى أحسست فجأة بتعرّق، وتصفيرٍ في أذنيّ. شعرت وكأن الأرض تدور بي، ولم أعلم ما الذي حلّ بي، حتى فقدتُ الوعي، لأجد نفسي على طاولة طعام في مكانٍ مهترئٍ وغريب.

لا أعلم ما الذي أتى بي إلى هنا، ولا كيف أتيت. لكن دهشتي بلغت حدًّا لا يمكن للعقل تصوّره. بل كنت عاجزة عن التفكير في شيءٍ آخر. أحسست بأن عقلي مخدَّر حينها، لكنّ عينيّ لم تتوقفا عن الانفلات يمينًا وشمالًا، تبحثان عن شيءٍ يغذي فضولي. غير أن كل ما رأيته هو صالونٌ متواضع، لكنه كان نظيفًا جدًا. أما على الجدران، فلاحظتُ بضع لوحاتٍ للفنان فان جوخ. ومنذ أن رأيت لوحاته، خُيّل إليّ أن من المرجّح أن يكون أصحاب المكان أناسًا ذوي فكرٍ فلسفيٍّ راقٍ. بالنسبة للإضاءة، فكانت خافتة، وبالكاد تملأ الغرفة بالضوء الضئيل الذي كان يتسلّل من المصباح الوحيد.

وبينما كنتُ سارحةً في حيرتي، دخلت امرأة وهي تحمل بيديها صحنًا كبيرًا. لم أكن أعرف هذه السيدة التي بدا سنّها قريبًا من سنّ العجائز، لكنها لم تكن كذلك تمامًا، بل قد تكون في متوسط العمر على أقصى تقدير. مكثت أحدّق بها وهي تقترب، متجهة نحو مائدة الطعام، بينما تعلو وجهها نظرة آلية، ربما كانت تخفي من خلالها مشاعر كثيرة. وكلما اقتربت مني، بدأت ألاحظ بعض الثقوب في ملابسها، والتي كانت أكثر تواجدًا قرب إبطها. أما وشاحها، فكان يبلغ من الاتّساخ والاصفرار ما يجعل المرء يزدري حالها.

في الوقت الذي كنتُ على هذا الوضع التحليلي، وضعت المرأة ذلك الصحن الكبير الذي احتوى على بعض المعكرونة، ثم شرعت في النداء:

- دنيا، مراد، سمير، خدّوج... تعالوا، العشاء جاهز!

استيقظتُ مرةً أخرى على الواقع بعد سماعي لصراخها ذاك، وعادت كل الأسئلة لتضنيني من جديد. ويبدو أنها لن تفارقني حتى أعرف ما يحدث. هذا الاستنتاج زاد من اضطرابي، حتى بدأت قدماي بالارتجاف، وكنت أحاول جهد الإمكان ألّا يُصدر أي صوتٍ من الكرسي. خطر ببالي عندها أن أسأل السيدة التي جلست بقربي، فلعلّ أجوبتها تخفف من شدة الغموض. لكن... لم أقدر على ذلك البتة! فما إن أرغب في طرح تساؤلاتي عليها، حتى أشعر وكأن لساني انعقد في فمي. لم أعلم إن كان ذلك خوفًا أم دهشة. ولربما كانت دهشة، وأيّ دهشةٍ تلك التي قد تحظى بها فتاةٌ في منزلٍ لم تره قط من قبل، جالسة بجانب امرأة لا تعرف عنها شيئًا.

عالمي الجديدNhững tác phẩm khiến độc giả say mê. Hãy khám phá bây giờ