0|| أَلَمٌ وَأَمَل

1.4K 57 23
                                        

مقدمة:

انقضى شهر اخر من السنة، شهر اخر بائس لا يختلف عن بقية الاشهر سوى بإسمه.
هاهي اخر ايام شهر نوفمبر الذي كان طويلا جدا ومحفوفاً بالبؤس من جميع الجهات، لطالما ردد الناس بأنهم يحبون نوفمبر لسبب لا اعلمه، ولا اريد ان اعلمه ايضاً، كل ما اعلمه هو انني خارج نطاق كلمةِ -الناس- فأنا لا أُحِب نوفمبر.
سابقًا، بداية كل شهر كنت اصلي وادعوا الرب ان يجعل حياتي افضل، ان تتغير ولو بنسبة واحد بالمئة لكن جميع صلواتي ذهبت ادراج الرياح، هل الرب الذي يزعمونه يريد مني أن أعاني لآخر نفس لي؟ ام انه يختبر صبري؟ حتى انني قطعت السلسلة التي تحتوي علامَةَ الصليب وكسرتها ورميتها في القمامة قرب المعبد في العام الماضي، وبالطبع لا انسى ملامح الراهب الغاضبة الذي اخرجه من القمامة واخذ يردد اعتذاره مراراً، ياله له من مثير للشفقة يعتذِرُ للعَدَم.
الشيء الوحيد المختلف في هذا العام هو انني لم اعد ادعوا كي تتحسن حياتي، نعم انا يائِسٌ وفاقدٌ للأمل.
تألمت وتأملت كثيرا، تجرعت الحزن بِكُلِ الوانه وانواعه ونكهاته حتى بِتُّ مليئاً به فاقدًا لكل شعورٍ دونهُ، وددت لو انني اتذوق طَعمَ السعادةٍ قليلًا، لكن هيهات هيهات فليس كل ما نتمناه نتلقاه.
ها انا اقف بجوار النافذة اراقب الثلج الذي بدأ يتساقط مغطياً الارض واسقف السيارات وأسطُحَ المنازل، يركض الاطفال هنا وهناك وضحكاتهم تصبح اعلى شيئًا فشيئًا، اغلقت النافذة ورميت جسدي على الاريكة ثم وضعت سماعات اذني التي الجأ اليها كلما رغبت بالهروب من اصوات العالم حولي.
سمعت صوت معدتي التي تطالب بالطعام، انا لم اتناول الطعام منذ يومين لان شهيتي للأكل معدومة كحال رغبتي بالعيش، لكنني اشعرر بالملل لذا سأخرج قليلاً للمتجر الصغير في الحي.
كنتُ ارتدى قميصاً قصير الاكمام وبنطال جينز فقط في هذا الجو المُثلِج، وقفتُ انظر لمعطفي المُعَلّق، هل يجب ان ارتديه؟..
----
خرجت من المنزل امشي في الشارع المكتظ بالناس، في النهاية قررت ان لا ارتدي معطفي، برودةُ مشاعري تنافس برودة الجو حتى انني لا اهتم ان مرضت، ولا احد يهتم ايضاً
----
اصطدم بالناس في كل خطوةٍ اخطوها بسبب الازدحام واسمع شتائمهم التي لا تحصى لانني لا اعتذر لهم، لا طاقة لدي كي ارد عليهم او ابرحهم ضربًا وسأتجاهل كما اعتدت ان افعل طيلة حياتي.
دخلت المتجر أخيرا ولحسن الحظ لم يكن هناك الكثير من الناس فجميعهم يراقبون تساقط الثلج في الخارج
"اتمنى ان تسقط عليكم لعنة من السماء"
تمتمت بهذا قبل ان اسمع صوت ضحكة صدرت من جانبي
نقلت انظاري لأرى شابًا يبدو انه في مثل عمري من مظهره
"اعتذر لانني ضحكت"
نطق مبتسما فأومأت له بمعنى لا بأس
"لمَ انتَ غاضب؟"
سأل يقترب مني قليلا وكأنه يدقق في ملامح وجهي ليتأكد
"لا تنكر الامر فملامح وجهك تحكي كل شيء"
قال يشير لوجهي
"لا شأن لك"
قلت وتحركت لأشتري الاغراض الي اتيت من اجلها فأنا اريد العودة للمنزل بسرعة.
وكالعادة مصدر غذائي الوحيد هي علب النودلز سريعة التحضير فأنا لا اجيد الطبخ وان كنت اجيده فلن اطبخ ايضًا لانني لا احب هذه الامور.
ذهَبتُ اخيرا الى ذلك الرف، نظرت مطولا قبل ان اسحب تلك العلبة الصغيرة والتي كُتِبَ عليها ذلك التحذير يوضّح مدى خطورتها، ما فائدة التحذير ان كان الناس اغبياءً وسيشترونها بكل الاحوال؟
------
خرجت من المتجر واخيرا، لن اذهب للمنزل مباشرةً فقد غيرت رأيي، ابحث عن مكان بعيدًا عن الناس لأنفرد فيه بنفسي.
سرت للحديقة الصغيرة في نهاية الحي خلف المتجر، يبدو انها فارغة.
اتخذت مكاناً على الكرسي في نهاية الحديقة، المكان مظلم جدًا هنا وربما هذا هو السبب في كونها فارغة، لن يحب الاطفال اللعب في هذا المكان المهجور على ما يبدو.
نظرت للسماء مطولاً اغوص في افكاري، فتحت الكيس الذي بجانبي انظر لمحتواه بتمعن..
هل أفعلها؟ يقول الناس ان هذه طريقة لتخفيف الألم..
واخيرا أخرجت العلبة الصغيرة، نعم انا وصفت الذين يشترونها بأنهم اغبياء والآن اشتريتها لأنني غبي ايضا، لكن انا لدي اسبابي..
سحبت سيجارةً من العلبة ووضعتها بين شفتيّ ثم اشعلتها، سحبت نفسًا ثم اختنقت لأسعل قليلا قبل ان اعتاد على الامر، الاولى ثم الثانية ثم الثالثة ولم احسب عدد السجائر التي قمت بتدخينها بعد ذلك.
من قال انها تخفف الألم؟ لا اظن ان هنالك شيئًا يستطيع التخفيف من الالم الذي يثقلني، يسكنني ويقتلني ببطء
بدأت دموعي تنهمر رغمًا عني، بعد كل محاولاتي لكي اظهر بمظهرٍ صلب، ها انا انهار مجددا.
تباً لحياتي، ها انا احاول ان اكتم شهقاتي مجددا.
لطالما حاولت ان أُبقي ظهري مستقيما لكن ها انا انحني مجددا.
لطالما حاولت الّا اخفض رأسي لكن ها انا اخفضه مجددا.
اغطي وجهي بكفي، علَّ الدموع تتوقف ولكي لا يراني احدٌ هكذا، مع انهم لا يعرفونني لكنني لا اريد اي شخصٍ في العالم ان يرى ضعفي.
ولأنني لا اريد سيحصل العكس تماماً.
وهذا ما عرفته عندما شعرت بالكرسي يهتز دلالة على جلوس شخصٍ ما بجواري، هل ضاق به العالم ولم يجد مكانًا آخر؟
لم ارفع رأسي حتى.
"مرحبا، ها انا التقيك مجددًا"
استطعت تمييز صوته بسهولة فهو الشاب الذي التقيته في المتجر قبل قليل.
ساد الصمت لفترة وجيزة قبل ان يقطعه مجددًا قائلاً
"قبل قليل كُنْتَ غاضبًا والآن انتَ حزين، يبدو انك تمتلك العديد من المشاعر يا صاح"
ابتسمت بسخرية وسط دموعي ولم ارفع رأسي بعد
مشاعر؟ انتَ مخطئ، لدي الكثير من الحزن فقط.
"لن اسأل عن سبب حزنك، يمكنك البكاء كما تريد ربما سيخفف عنك قليلاً"
قال يتكتف
ما بال العالم يظنون ان هنالِك شيئا يستطيع تخفيف حزني؟
انا واللعنه مثقلٌ بالهموم.
واخيرا رفعت رأسي من بين كفي ليلفح الهواء البارد وجهي المبتل بدموعي، اخرجت سيجارة اخرى ويبدو انها الاخيرة في العلبة.
"اللعنه"
قلت قبل ان ارمي العلبة على العشب، وضعت السيجارة بين شفتي وكنت على وشك اشعالها قبل ان يسحبها ذلك الفتى بسرعة
"ماذا تظن نفسك فاعلاً؟"
نطقتُ انظرُ له بحدةٍ
"انا ما يجب عليَّ ان اطرح هذا السؤال، لازلتَ صغيرا، هل تظن ان التدخين حلٌ لمشاكلك؟ لا تكن غبيًا، ماذا عن عائلتك واصدقائك؟ ماذا عن الناس الذين يحبونك؟ فكر بهم قبل ان تتهور"
نطقَ منفعلاً مما اثار استغرابي
"عائلة؟ اصدقاء؟"
نطقت ابتسم بسخرية مجددا قبل ان اكمل
"لا اعرف ما معنى هذه التراهات حتى، ليس لدي عائلة لذا لا تقلق على مشاعرهم، وليس لدي اصدقاءٌ ايضا، لا احد سيقلق علي حتى لذا اعد لي سيجارتي"
توقفت لألتقط انفاسي فأنا متعب من البكاء ولا طاقة لي لكي اتحدث، لكنه لم يعدها لي مما جعلني اندفع قائلاً
"لقد حرمني العالم من هذه الاشياء، لقد حرمني من العائلة ومن الاصدقاء، حرمني من السعادة ولم يجعلني اشعر بها من قبلُ ولو لفترةٍ وجيزة، حرمني من الراحة ومن كلشيء.
انا لم اشعر سوى بالألم والألم والألم طوال حياتي.
لقد حرمت من كل تلك الاشياء، وها انتَ ذا تحرمني من آخر املٍ وجدته، نعم لقد ظننت انه سيخفف ألمي ولو قليلا، حتى لو انني اعلم بأنه لن يفعل، نعم انا اكذب على نفسي فهذه هي الطريقة الوحيدة التي وجدتها، الا يحق لي؟ انا متعب واريد التخلص من كل هذا.. لقد سئمت من حياتي ومن الكآبة الي تبتلعني كل يوم اكثر فأكثر، الا يمكنك ان تعيدها لي..ارجوك"
كنت اصرخ في كل جملة اقولها وكأنني اخرج ألمي المكبوت بهذه الطريقة، ودموعي بدأت تنهمر مجددا بشكل اقوى مع كل حرفٍ نطقت به، لكن صوتي انخفض في اخر جملة.. شعرت بالضعف اثناء حديثي
هل انا وحيدٌ وبائسٌ لهذه الدرجة..؟
شعرت بنظراته المصدومة من كلامي الذي نطقت به دفعةً واحدة، رمى السيجارة ارضًا ودهسها بقدمه مهشمًا اياها، مهشمًا املي الكاذب والوحيد في ان يخف ألمي.
ابتسمت ابتسامة منكسرة، ما باله لا يشفق على حالي؟ هل حكم علي ان اعيش تعيسًا هكذا؟
لكن هو فجأة اقترب مني
وضع كفه على مؤخرة رأسي وسحبني اليه بحيث اصبح رأسي على كتفه
"يمكنك البكاء على كتفي، اعتبرني صديقك لبعض الوقت فقط، اعتذر لانني تدخلت في شؤونك ايها الغريب، لقد قلتَ انه لا احد يهتم لأمرك، لكنني افعل..ان لم اكن اهتم فلن امنعك من فعل ما يضرك"
سكتَ قليلا قبل ان يردف
"اعلم انك تستنكر الامر لانني لا اعرفك، ولاننا التقينا منذ قليل فقط..لكن هذا لا يهم، انا فقط شعرت بحزنك واردت ان اقوم بمواساتك قليلا، اعتذر على تطفلي"
ابعدت رأسي عنه ومسحت دموعي، تصرفاته غريبة بحق
نظرت له قليلا ثم ادرت ظهري مغادراً دون ان انطق.
"اخبرني بإسمك على الاقل"
صرخ من خلفي لأتجاهله واكمل سيري، لكنني توقفت فجأة والتفتُّ له، كان لا يزال يقف هناك وابتسم لي
اقتربت حتى اصبحت امامه مجددا
"كيم تايهيونغ"
نطقت دون اي اضافة اخرى لألحظ ابتسامته التي اتسعت
انزل قبعة الهودي عن رأسه ليظهر وجهه بوضوح
"جونغكوك.. جيون جونغكوك"
قال يبتسم باتساع ويمد يده لكي يصافحني، نظرت ليده فقط دون ان اصافحه قبل ان يسحب يدي ويشبكها بخاصته
"سعدت بلقائك كيم تايهيونغ"
هل يعنيها حقًا؟
نظرت له، يبدو انه يترقب اي ردة فعلٍ مني
"شكرا لك"
اكتفيت بهذه الكلمة قبل ان اسحب يدي بهدوء مغادرا مجددا.
--
عاد للمنزل، رمى جسده على الاريكة
وكروتين يومي، هو بدأ يبكي الى أن جفت دموعه وتعبت روحه.
اغلق جفونه متمنيًا ان لا يستطيع فتحها مجددًا.
هل الموت هو سبيل النجاة الوحيد..؟

.
يتبع

السلام عليكم
اول عمل لي في الواتباد، تشجعت اخيرا ونشرته
طبعا هذي مقدمة فقط لذلك لا تحكمون عالرواية من بدايتها واعطوها فرصة.
تقدرون تنبهوني لو كان فيه اخطاء املائية
وطبعاً
اشوفكم مرة ثانية في البارت الاول~

تقدرون تنبهوني لو كان فيه اخطاء املائية وطبعاًاشوفكم مرة ثانية في البارت الاول~

Oops! This image does not follow our content guidelines. To continue publishing, please remove it or upload a different image.
gloominessWhere stories live. Discover now