الفصل الأول : عقد مع الشيطان

11.1K 937 2.3K
                                        

فصل معدّل


ضائعة ، جائعة ، مرهقة ، كانت تجرُّ قدميها بصعوبةٍ بالغةٍ، وتستندُ على عصا نحيلةٍ بالكادِ تسندُ جسدها الواهن ... وتبعها كلبها، رفيقها الوحيدُ، بفروهِ الأبيضِ الذي تخلّلتهُ بقعٌ سوداءُ متناثرةٌ، سارَ بجوارها في صمتٍ مخلصٍ ...

نظراتُ الفتاةِ الذابلةِ تنقّلتْ يمنةً ويسرةً عبرَ الأفقِ، لكنَّ عينيها لم تلمحا سوى جدارٍ أخضرَ لا نهايةَ لهُ منَ الأشجارِ الكثيفةِ التي تشكّلُ غابةً متراميةَ الأطرافِ تبتلعها في جوفها الغامضِ ...

استمرّتْ في المسيرِ البطيءِ، وكلُّ خطوةٍ أثقلتْ عليها وكأنّها عبءٌ لا يطاقُ ... وفجأةً، لمحتْ شيئاً ما أزرقَ على الأرضِ بينَ الأوراقِ المتساقطةِ ... والفتاةُ لم تتمالك نفسها لحظةَ رؤيتهِ، وألقتْ بجسدها المنهكِ عليهِ بشكلٍ لا إرادي ، مدفوعةً بأملٍ واهنٍ ...

لكنْ ما إنِ اقتربتْ، حتى انقلبَ ذاكَ الأملُ خيبةً، فقد كانَ مجرّدَ زهرةٍ بيضاءَ باهتةٍ، وما رأتهُ عيناها من لونٍ أزرقَ لم يكنْ سوى تخيّلاتٍ واهيةٍ رسمها عقلها الباطنيُّ، مرهقاً منَ التّعبِ الشديدِ .

ارتسمتْ على وجهها، أسفلَ شعرها الأسودِ القصيرِ الذي ينسدلُ على جبهتها، نظرةٌ حزينةٌ عميقةٌ وهيَ تحدّقُ في الزهرةِ البيضاء ... تدرّجتْ دموعُ خيبةِ الأملِ المرّةِ منْ عينيها، تتوهّجُ للحظةٍ قبلَ أنْ تتلاشى بينَ أوراقِ النباتاتِ على الأرض .

نهضتِ الفتاةُ بعدها، تجمعُ شتاتَ نفسها المتناثرةِ، وكأنّها تستجمعُ آخرَ ما تبقّى لديها من قوّةٍ ... استندتْ على عصاها مرّةً أخرى، وواصلتِ المسيرَ بصعوبةٍ بالغةٍ وبخطى أبطأَ من ذي قبلُ ...

استمرّتْ في السيرِ عبرَ الغابةِ، التي تتخلّلها الأشجارُ الضّخمةُ التي تبدو وكأنّها حرّاسٌ صامتونَ لهذا المكانِ، وكانتْ تلمحُ بعضَ الحطامِ وبقايا الإسمنتِ هنا وهناكَ، دليلاً على أنَّ هذه المنطقةَ قد كانتْ مسكونةً في وقتٍ منَ الأوقاتِ ... لكنَّ الفتاةَ، التي كانتْ غارقةً في بؤسها، لم تبالِ بذلكَ كثيراً، بل واصلت المضيَّ قدماً، مدفوعةً برغبةٍ ملحّةٍ في الوصولِ إلى غايتها المجهولةِ.

لكنْ بعدَ ساعاتٍ طويلةٍ منَ السّيرِ المتواصلِ دونَ أنْ تعثرَ على أيِّ شيءٍ، بدأَ الدّوارُ يلفُّ رأسها نتيجةَ الإرهاقِ الشديدِ ... وفجأةً، سقطتْ على الأرضِ بلا حراكٍ، وبدأَ كلبها بالنباحِ بجنونٍ، محاولاً إيقاظها ... بقيتِ الفتاةُ ملقاةً على الأرضِ لبعضِ الوقتِ، ثمَّ بدأتْ عيناها تنغلقانِ ببطءٍ شديدٍ، بينما كانتْ لا تزالُ تسمعُ نباحَ كلبها المتواصلِ، حتى انغلقتْ عيناها تماماً، وغرقت الفتاةُ في غيبوبةٍ عميقةٍ.

العملاق المهاجم : فجر إمبر Cerita yang bikin terobses. Temukan sekarang