أهلا اسمي أندرو "آندي" لورانس. عمري سبعة عشر عاماً، وفي هذا العمر يُفترض بالمرء أن يمتلك أحلاماً، أو على الأقل خطة للنجاة من الغد. أما أنا؟ أنا ببساطة أكره كل شيء. أكره الاستيقاظ، أكره الضوء الذي يتسلل عبر النافذة ليذكرني بأنني ما زلت على قيد الحياة، وأكره هذه الرواية التي تدور حولنا وتسمّى "المستقبل". الشغف الوحيد الذي أملكه - إن كان يصح تسميته شغفاً - هو الكسل. الاستلقاء على السطح الإسمنتي البارد لمنزلنا في أطراف مدينة ديترويت، حيث السماء ليست زرقاء تماماً بل بلون الرماد، وعدّ النجوم التي تكافح لتظهر من بين دخان المصانع. النوم هو ملجئي الوحيد، اللحظة التي يتوقف فيها عقلي عن شتمي.
أدرس في مدرسة "هاي لاند بارك" الثانوية (Highland Park High). للمفارقة، المدرسة تبدو من الخارج كتحفة معمارية قديمة بقرميدها الأحمر الكلاسيكي ونوافذها الطويلة، لكنها من الداخل عبارة عن غابة إسمنتية يسودها قانون الدم.
رفاقي؟ مجرد حثالة مخنثين وفشلة. يجلسون في الزاوية، تتطاير من أفواههم تفاهات لا تنتهي عن "الأنمي" وفتيات الشاشات، بينما أكتفي أنا بالجلوس معهم لسببين لا ثالث لهما: أولاً، لكي ألتهم شطائرهم دون أن أضطر لدفع سنت واحد، وثانياً، لأن أصواتهم الغبية تحجب قليلاً صوت الضجيج الذي يدور في رأسي. تباً لهم جميعاً.
قانون الكلب المسعور
رغم هدوئي الظاهري، إلا أنني لست لقمة سائغة. في "هاي لاند بارك"، هناك طبقة من الفتيان الأغنياء الذين يعتقدون أنهم يملكون الممرات لأن آباءهم يملكون المصانع التي تخنق المدينة. أنا لا أنحني لأحد، لا أتبع أي "زعيم"، ولا أشتري طاعة أحد بابتسامة نفاق. لهذا السبب تحديداً يتنمرون عليّ. بالنسبة لهم، أنا "الكلب المسعور" الذي يجب ترويضه.
كل يوم تقريباً، بعد جرس الانصراف، ينتظرني عشرة منهم في الأزقة الخلفية الضيقة للمدرسة. المشهد يتكرر كأنه شريط سينمائي تالف: لكمات، ركلات على أضلاعي، وغبار الشارع يختلط بلعابي. لكنني لا أبكي هناك. لا أستسلم. أرد الضرب بالضرب؛ أعضّ أصابعهم، أضرب برأسي، أركل أقدامهم كحيوان حوصر في زاوية. وعندما ينتهون من إفراغ حَقدهم على جسدي ويتركونني ملقىً على الأرض، أقف بصعوبة، أمسح الدم عن شفتي، وأصرخ خلفهم بجنون:
"سأوسعكم ضرباً في المرة القادمة! اسمعوني جيداً.. سأدفنكم!"
أفعل كل هذا التمثيل الرخيص لسبب واحد غبي وموجع: إيفيلين.
تلك الفتاة الشقراء العجيبة، التي تقف أحياناً عند زاوية الشارع بوشاحها الصوفي، تراقب الشجار بعينين باردتين كشتاء ميشيغان. أنا واقع في حبها من طرف واحد، غارق حتى أذنيّ في وهم أن عينيها قد تلمحان يوماً رجولتي وسط هذا الحطام.
لكن الحقيقة أكثر مرارة؛ أنا أترك نفسي لأُضرب لأنني لو استخدمت كل قوتي وجيناتي وضخامتي التي ورثتها، لتحولت هذه المشاجرات إلى قضايا جنائية. وأنا... لا أريد أن أزيد هماً واحداً فوق كاهل والديّ اللذين يتآكلان من أجل توفير لقمة العيش.
واجهة البيت والقدوة المثالية
عدت إلى المنزل هذا المساء كجثة تتحرك. جسدي مدمر حرفياً، وظهري يصرخ من الألم مع كل خطوة. فتحت الباب بهدوء، لتستقبلني والدتي بنظرتها الباردة المعتادة التي تخفي وراءها تلالاً من التعب واليأس. نظرت إلى وجهي المتورم وقالت ببرود مصطنع:
"تشاجرت مجدداً؟"
رسمت على وجهي ابتسامة بلهاء، وحاولت جعل صوتي مرحاً:
"كان عليكِ أن تري الشخص الآخر يا أمي، لقد تركتُه يتوسل."
في الصالة، كان يجلس أخي الأكبر، أوليفير.
أوليفير هو النسخة التي تمنيت لو كنتُها. مثالي، ذكي، تخرج من كلية الهندسة بأعلى الدرجات، ومستقبله مضمون في هذه البلاد التي لا ترحم الفاشلين. هو قدوتي، والشخص الوحيد الذي يرى خلف قناعي.
تابعني أوليفير بعينيه الحادتين حتى صعدت السلم، ثم لحق بي إلى غرفتي. أغلق الباب ووقف يراقبني وأنا أحاول خلع قميصي الممزق. قال بنبرة حزينة وغاضبة:
"أنت تملك جسداً مثالياً، وجينات قوية يا آندي. لماذا تترك تلك الحثالة يتنمرون عليك ويمزقونك هكذا كل يوم؟"
التفتُّ إليه، ونبست بكلمة واحدة، بنبرة الوغد الساخر الذي أتقمص دورة:
"الحب."
تنهد أوليفير، ولم يضحك. كان يعلم أن أحد هؤلاء المتنمرين هو ابن صاحب أكبر شركة مقاولات وبناء في المدينة-وهي نفس الشركة التي حصل فيها أوليفير على عمله الأول كمهندس مبتدئ منذ مدة قصيرة. العبث معهم يعني طرد أوليفير، ويعني انهيار المنزل كلياً.
جلس أوليفير على طرف السرير وقال بصوت منخفض:
"لقد سجلتُك في صالة الملاكمة المجاورة لحيّنا. تحدثت مع المدرب والشباب هناك ليحموك، ليعلموك كيف تدافع عن نفسك دون أن تسبب كارثة، ويجعلوا أولئك الفتيان في المدرسة يتوقفون عن ضربك بقوة أكبر."
لم أجب. أومأت برأسي فقط وغادر الغرفة.
ليلة الهبوط إلى القاع
بمجرد أن أُغلق الباب، سقط القناع.
تلاشى الكسل، تلاشت السخرية، وتلاشت تلك "الرجولة" المزيفة التي أواجه بها العالم. جلست على الأرض، وظهري يستند إلى السرير، وجسدي كله يرتجف من شدة الألم العضلي والنفسي. تعامل دائم مع هذا الهراء اليومي يجعل الروح تتآكل.
وقعت عيناي في زاوية الغرفة المظلمة على دمية قماشية قديمة لشخصية "سانس"، متهالكة ومحشوة بالقطن البالي. كانت هذه الدمية هدية من عمي الأكبر، توماس.
عمي توماس... الشخص الوحيد الذي كان يفهمني في طفولتي، صديقي المفضّل الذي كان يأخذني بيدي ويعلمني كيف أرى الجمال في أبسط الأشياء. قبل ثلاث سنوات، عُثر عليه جثة هامدة في أحد أزقة حي "بريكستن" الخطر في جنوب لندن، حيث كان يعمل؛ طلقة نارية طائشة من عصابة محليه أنهت حياته وحطمت قلبي إلى الأبد.
لم أستطع التحمل أكثر. انهمرت الدموع من عيني بصمت، دموع حارقة تغسل غبار الشارع والدم الجاف على وجنتيّ. وضعت رأسي بين ركبتي وبكيت كطفل صغير ضائع. حاولت التوقف، همست لنفسي بصوت مبحوح:
"تباً.. توقف.. أنت رجل.. أنت رجل يا آندي."
لكنني لم أكن رجلاً، كنت مجرد حطام. فكرت في صالة الملاكمة اللعينة تلك. غداً هو الويكند، غداً سأذهب إلى هناك. سأفسد بعض النقود التي تعب أخي في جمعها، أليس كذلك؟ لأنني ببساطة عديم الفائدة، لا أعرف شيئاً في هذه الحياة، ولا أملك أي شغف سوى النوم والهروب.
استلقيت على سريري، والدموع ما زالت تجد طريقها إلى وسادتي. لعنت حياتي، ولعنت ضعفي، ولعنت هذا العالم الظالم، وأغلقت عيني مستسلماً للنوم، بانتظار الغد الذي يبدو أنني سأتعرض فيه لجرعة جديدة من السخرية والإهانة وسط حلبات الملاكمة اللعينة.
YOU ARE READING
Canvas Nova
Poetryتدور القصة حول "أندرو لورانس"، مراهقٌ غارق في العدمية واليأس، يكره كل ما يمت للحياة بصلة، ولا يجد عزاءه سوى في النوم وعدّ النجوم الباهتة في سماء ديترويت الرمادية. خلف قناع الكسل واللامبالاة، يعيش أندرو جحيماً يومياً ولقبه "الكلب المسعور" يُسحل ويُها...
