لم يكد الفجر يشرق حتى تحولت المستشفى إلى بيت عزاءٍ صامت. أصوات الأقدام في الممرات خافتة، والعيون المرهقة تتجنب النظر إلى الغرفة 207 حيث رحلت آيلا.
جلس آدم في ركن الغرفة على الأرض، رأسه محني، عيناه متورمتان من البكاء، يده ما تزال ممسكة بغطاء السرير كأنه يتشبث بخيط أخير منها.
بعد دقائق، فُتح باب الغرفة بعنف، دخل والداها مسرعين يركضان خلف الممرضة التي كانت ترشدهم. توقفت الأم فجأة عند الباب، عيناها تتسعان وهي ترى جسد ابنتها ممدداً بلا حراك. ارتعشت قدماها، سقطت على ركبتيها وهي تصرخ بألم يقطع القلوب:
«آيلا! يا ابنتي... لا!»
اندفع الأب إلى الداخل، حاول التماسك لكن صرخته خرجت مكبوتة، دموعه انهمرت وهو يقترب من السرير، أمسك بيد ابنته الباردة وظل يردد:
«لا تتركينا يا صغيرتي... أفيقي، أرجوكِ... نحن هنا... لقد تأخرنا عليكِ... سامحينا.»
انفجرت الأم في بكاء هستيري، تحاول الوصول إلى ابنتها، لكن الأطباء يمسكون بها برفق، تمنعها يداهم بينما هي تضرب صدرها وتصرخ:
«خذوني مكانها! خذوا عمري... لا تأخذوها مني! لقد وعدتني أن تعود... لقد قالت لي أنها بخير...»
سقطت على الأرض بجوار السرير، تسحب الملاءة محاولة أن تلمس قدمي آيلا، دموعها تغمر وجهها وتصرخ بألم يفوق الوصف.
الأب جلس على الكرسي بجوارها، انحنى على جبينها وقبّلها طويلاً، صوته مبحوح وهو يهمس:
«كنتِ كل حياتنا... كيف سنعيش الآن من دونكِ؟ كيف سيبقى هذا البيت بلا ضحكتكِ؟»
أما آدم، فظل صامتًا للحظات، عيونه الحمراء تحدّق فيهم بذهول. كان كأن صرخاتهم أعادت فتح جرحه من جديد. ترك جسدها ببطء، تراجع للخلف حتى التصق بالحائط، جلس على الأرض، يضع رأسه بين يديه، يراقب انهيار والديها وكأن قلبه يتمزق آلاف المرات.
الأم انحنت على جسد آيلا أخيرًا، أمسكت شعرها وبدأت تبكي بحرقة وهي تردد:
«لماذا يا ابنتي؟ لماذا تركتينا؟ كنتِ نور حياتي... كنتِ كل شيء لي...»
احتضنها الأب وهو يبكي بصوت عالٍ، لكن دموعه لم تُخفِ حزنه العميق، كان وجهه شاحبًا كأنه فقد جزءًا من روحه.
الممرضة غطت جسد آيلا ببطانية بيضاء، والدموع تنهمر من عينيها بصمت، حتى الأطباء وقفوا صامتين لا يملكون سوى الانحناء برؤوسهم احترامًا لهذا الوداع المفجع.
أنت تقرأ
أكثر من صدفة.
Non-Fictionحين يلتقي قلبان مثقلان بالماضي، لا تكون الرحلة سهلة... بين خوف من الاقتراب ورغبة في النجاة، تبدأ حكاية عن صداقة وحب تتحدى العزلة، وأمل يولد وسط الرماد.
