CHAPTER 4.

98 16 5
                                        

مرّت ليلة طويلة على آدم، ظلّ خلالها يتقلب بين النوم واليقظة. كلما أغمض عينيه، عادت كلماتها تطنّ في أذنه:
"إنه مكاننا نحن الاثنين."

شعر بغرابة؛ لماذا كان لتلك الجملة أثر مختلف؟ لماذا بدت صادقة وبريئة إلى هذا الحد؟

في صباح اليوم التالي، غادر منزله متأخرًا كعادته، متوقعًا أن يجدها بانتظاره أمام الباب... لكنها لم تكن هناك. التقط أنفاسه ببطء، ثم زفر بملل وكأن شيئًا ثقيلاً خيّب أمله دون أن يعترف بذلك لنفسه.

أنهى بعض مهامه على عجل، وحين عاد في وقت العصر، وجدها أخيرًا واقفة بجانب السور، تضرب الأرض بقدمها الصغيرة، وعيناها تتابعان حركة الغيوم.

اقترب منها بخطوات هادئة حتى وقف خلفها. انحنى قليلًا وهمس:
«ماذا تفعلين هنا؟»

قفزت في مكانها واضعةً يدها على قلبها:
«لقد أفزعتني! هل تحترف الظهور فجأة؟»

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، لكنه سرعان ما أخفاها حين واجهته بمرحها المعتاد:
«أتعلم؟ كنت أفكر أن آخذك إلى مكان مختلف اليوم.»

رفع حاجبه بتردد:
«ولماذا أذهب أصلًا؟»
«لأنك فضولي، حتى لو أنكرت.» أجابته بثقة.

تأملها صامتًا للحظة، ثم تنحى جانبًا وكأنه يستسلم دون اعتراف:
«حسنًا... لكن هذه آخر مرة.»
«تقول هذا دائمًا.» ردّت بابتسامة واسعة

سارت أمامه بخطوات خفيفة، وهو يتبعها بتثاقل. لم تكن الرحلة طويلة هذه المرة؛ توقفت أمام متجر قديم متواضع، فوق بابه لافتة خشبية كُتب عليها "آلات موسيقية".

تردد وهو ينظر إلى الداخل، بينما عيناها تتلألأ بحماس:
«هذا مكاني الثاني المفضل. تعال.»

تقدمت بخفة إلى الداخل وألقت التحية على صاحب المتجر العجوز الذي ابتسم لها بحنوّ، ثم قادته إلى غرفة صغيرة في الخلف. لم يكن فيها سوى بيانو أسود متوسط الحجم، تتراقص أضواؤه تحت أشعة المساء.

جلست أمامه وأشارت له أن يقترب. وضع يديه في جيبيه متردّدًا، فأردفت بصوت هادئ هذه المرة:
«هنا، أستطيع أن أفرغ كل شيء أثقلني... غضبي، حزني، وحتى فرحي. جرب أنت أيضًا. أحيانًا، الموسيقى تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.»

ظلّ صامتًا يتأملها، كأنه يدرس ملامحها بعمق لم يجرؤ عليه من قبل. للحظة، شعر أن قلبه يريد أن يصدّقها.

تنفس ببطء، اقترب أخيرًا، وجلس بجانبها. وضع يده بتردد على المفاتيح، ولم يصدر صوتًا بعد. أغمض عينيه، وكأن فكرة "التجربة" وحدها كانت بداية هزيمته أمامها.

مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يضغط آدم على أول مفتاح. خرج صوت خافت، متردد، كما لو أنه يعكس اضطرابه الداخلي. حاول أن يتجاهل نظراتها المركّزة، وأخذ يحرّك أصابعه ببطء، حتى بدأ اللحن يتشكل.

لم يكن لحنًا متقنًا، بل خليطًا من أنغام متعثرة، لكن مع كل نغمة، كان صوته الداخلي يهدأ قليلًا. فجأة، انسابت أنامله بسلاسة، كأن شيئًا انكسر بداخله، وخرج الحزن متدفقًا عبر الأوتار.

ساد المكان صمتٌ عميق إلا من عزفه. عينيه مغمضتان، وكتفاه يرتجفان بخفة، حتى شعر بدفء الدموع يبلل وجنتيه.

حين توقّف أخيرًا، فتح عينيه ببطء، فوجد آيلا تراقبه بصمت، ودموعها تتلألأ على وجنتيها. ابتسمت بخفة رغم دموعها وقالت:
«كان مؤلمًا... لكنه جميل.»

أشاح بوجهه محاولًا مسح دموعه بسرعة:
«لم يكن شيئًا يستحق.»

اقتربت أكثر، صوتها هذه المرة ناعم كنسيم:
«بل يستحق. لقد شعرت بك، شعرت بكل ما تخفيه.»

ظلّ صامتًا، لكن أنفاسه المرتجفة خانته. وبعد لحظة، قال بصوت متردد:
«اليوم... حين خرجت من المنزل ولم أجدك... شعرت بالاستياء. لا أعلم لماذا. هذا سخيف، أليس كذلك؟»

أجابت بسرعة، بعفوية:
«ليس سخيفًا. هذا يعني أنني بدأت أكون مهمة بالنسبة لك.»

تجمد مكانه، كأنه لم يتوقع تلك الجملة. ظلّ يراقبها طويلًا قبل أن يهمس ببطء:
«أنا... لست معتادًا على هذا الشعور. قضيت عمري وحيدًا... بلا أصدقاء، بلا أحد. حتى فكرة أن يظل شخص بجانبي... كانت غريبة.»

امتلأت عيناها بالدموع مجددًا، لكنها ابتسمت برفق:
«إذن دعني أكون هذا الشخص. صديقتك. سأظل هنا... مهما كان.»

مدّت يدها ولمست أصابعه برفق، فانتفض قليلًا، لكنه لم يبتعد. بقيت الابتسامة المرتبكة على شفتيه، وصوته هامسًا بالكاد يُسمع:
«لا أعلم إن كنت أستحق ذلك... لكن، شكرًا لكِ.»

وفي لحظة عفوية، احتضنته آيلا بقوة، بينما تصلب جسده في مكانه، غير مصدق أن أحدًا يجرؤ على الاقتراب منه بهذا الدفء.

لأول مرة منذ زمن بعيد، لم يشعر بالبرودة التي تسكن صدره... بل بوميض صغير من الأمان.

«يُتبع...»

أكثر من صدفة.Stories to obsess over. Discover now