مرت أيام العزاء ثقيلة كأنها دهور. كان آدم يعيش كجسد بلا روح، يرفض الأكل والنوم، كل ما يفعله هو الجلوس أمام صورتها، يستعيد كلماتها الأخيرة كأنها تتردد في أذنه بلا توقف.
كان الليل ثقيلاً على صدر آدم، يمرّ ببطء قاتل، يقطعه صوت صمته الداخلي فقط. بعد أيام من دفن آيلا، ما زال يجلس في غرفته المظلمة، يحدّق في صورها المعلّقة على الحائط. لا ينام، لا يأكل، فقط ينتظر شيئاً مجهولاً، وكأنها ستعود فجأة وتطرق بابه.
وفي تلك الليلة، رنّ هاتفه بإشعار جديد. كان بريدًا إلكترونيًا، من عنوان لم يره من قبل. فتحه مترددًا، ليجد اسم المُرسِل: آيلا.
ارتجفت يداه، كاد الهاتف يسقط منه. ضغط بلهفة، ليجد رسالة قصيرة مكتوبة:
"آدم... إذا كنت تشاهد هذا الفيديو، فهذا يعني أن وقتي انتهى. لا تخف... أردت فقط أن أترك لك شيئًا منّي."
توقفت أنفاسه لثوانٍ، ثم فتح المرفق. ظهر الفيديو، ووجه آيلا يملأ الشاشة. كانت تجلس على سرير المستشفى، شعرها مسدل على كتفيها، وجهها شاحب لكن ابتسامتها تحمل الدفء الذي يعرفه.
ابتلعت ريقه، ودموعه انهمرت قبل أن تنطق بكلمة.
بدأت هي تتحدث بصوتها المرهق، لكن ثابت الإحساس:
«آدم... غرابي الشعر، حبيبي الوحيد... لا أريدك أن تتألم من أجلي. كنتُ أعلم أن قلبي لن يستمر طويلاً، وكنتُ أرى خوفك في عينيك كلما نظرتَ إلي. أردتُ أن أقول لك هذا وجهًا لوجه، لكني لم أستطع... لذا سجلت لك هذه اللحظة.»
اقترب آدم من الشاشة كأنه يريد أن يلمسها، قلبه يخفق بعنف، عيناه معلقتان بكل تفصيلة من ملامحها.
«هل تعلم؟ كنتَ أول شخص جعلني أشعر أنني أعيش بحق. ضحكتُ معك أكثر مما ضحكتُ في حياتي كلها... وكنتُ أخاف أن أتركك وحيدًا. لكنني أعلم أنك قوي، حتى لو أنكرت هذا.
أريدك أن تعدني... أن تبتسم كل صباح، أن تخرج لترى الدنيا من جديد، أن تحيا حياتك. لا تجعل موتي سجنًا لك... بل اجعل ذكراي جناحين يرفعانك.»
اختنق صوته وهو يهمس:
«كيف أبتسم وأنتِ لستِ هنا...؟»
تابعت آيلا في الفيديو، عيناها تلمعان بدموع لم تسقط:
«لقد تركت لك شيئًا صغيرًا... ستجده مع والديّ. هو وصيتي الأخيرة لك، حلمٌ كنت أتمنى أن نعيشه معًا، لكنك ستكمله بدلاً مني.
تذكر دائمًا... أنا لم أرحل حقًا. أنا في قلبك، في كل نبضة، في كل خطوة تخطوها.
أحبك... وسأظل أحبك، حتى آخر لحظة في وجودك.»
توقف الفيديو عند ابتسامتها الأخيرة، تلك الابتسامة التي حملت كل معاني السلام.
جلس آدم مشدوهًا، يحدق في الشاشة المظلمة بعدما انتهى الفيديو، ودموعه تنساب بلا توقف. شعر أن قلبه يشتعل بالألم، لكن في داخله بذرة صغيرة من قوة لم يعرفها من قبل.
تذكّر كلماتها: "ستجد شيئًا مع والديّ...".
نهض لأول مرة منذ أيام، مسح دموعه بيده المرتجفة، واتجه نحو الباب. كان عليه أن يواجه والديها، أن يعرف ما تركته آيلا له... الوصية التي قد تغير مجرى حياته كلها.
---
في صباح باكر، ذهب آدم إلى بيت والدي آيلا. كان قلبه مثقلاً بالرهبة، خطواته مترددة، وكأن كل حجر في الطريق يذكره بوجهها. عندما وصل، استقبله والدها بوجه متجهم لكن يكسوه الحزن، بينما الأم ما زالت ترتدي الأسود، عيناها متورمتان من البكاء.
جلس آدم في غرفة المعيشة التي كانت تمتلئ بصور آيلا في مراحل عمرها المختلفة. كل صورة كانت خنجرًا جديدًا في صدره، لكنه أجبر نفسه على الصمود.
قال بصوت مبحوح:
«آيلا... أخبرتني أن هناك شيئًا تركته لديكما... قالت إنه وصيتها الأخيرة.»
تبادل والداها النظرات، ثم نهضت الأم ببطء، عادت بعد لحظات تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مطليًا بلون بني داكن، عليه نقش بسيط على الغطاء: "إلى آدم."
مدّت الصندوق نحوه، ويدها ترتجف:
«لقد أعطتنا إياه قبل أيام من رحيلها... طلبت أن نسلمه لك إذا لم تعد إلينا.»
أمسكه آدم كأنه يحمل قلبها بين يديه، فتح الغطاء ببطء، ليجد داخله:
- دفتر جلدي صغير.
-مفتاح معدني قديم مربوط بقلادة.
- ظرف مغلق بخط يدها.
-سلسلة فضية يتدلى منها قلب
ارتجف قلبه، أخرج الظرف أولاً، فتحه بحذر، وبدأ يقرأ:
«إلى آدم...
إذا وصلتك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد قادرة على قول ما في قلبي لك. في هذا الدفتر ستجد قصتي، كل ما لم أجرؤ أن أبوح به. ربما تقرأ عن ألمي، وربما عن لحظاتي التي عشتها معك وكانت أجمل من عمري كله. لكن الأهم... ستجد الحلم الذي أريدك أن تكمله عني.
المفتاح الذي تركته لك... سيفتح مكانًا خاصًا بي. مكان كنت أذهب إليه عندما أريد الهروب من العالم. هناك ستعرف ما قصدت.
آدم... أحبك، وهذه وصيتي الأخيرة: لا تترك قلبي يرحل هباءً، اجعل حياتك شهادة على أنني عشتُ من خلالك.»
ثم لاحظ أن هناك كلام آخر مكتوب على ظهر الورقة فتابع قرأته:
«آدم...
أعلم أنك الآن تبكي، وأعلم أنك تظن أن حياتك انتهت برحيلي... لكني أريد أن أقول لك: لا، حياتك لم تنتهِ، بل بدأت الآن.
في هذا الدفتر، ستجد أحلامي أيضًا التي لم أستطع تحقيقها. أما السلسلة، فهي هديتي لك... كلما وضعتها، تذكر أن جزءًا مني ما زال يعيش معك.
أريدك
أن تحقق ما كتبته في هذا الدفتر، واحدًا تلو الآخر. عِش بدلاً مني، وابتسم باسمي.
لا تترك قلبي يتوقف داخلك كما توقف في صدري.
أحبك... وسأحبك حتى في العالم الآخر.»
انتهت الرسالة، فسقطت من يده على ركبتيه. نظر إلى الدفتر كأنه يحمل وزنًا أكبر من العالم كله. فتح صفحاته الأولى، فوجد تاريخًا قديمًا بخطها الطفولي، كلمات عن أحلام صغيرة، ورسومات قلب بجوار اسمها. قلب الصفحات أكثر، فوجد اعترافات، أسرار، لحظات حب مكتوبة له وحده.
ثم توقف عند صفحة محددة، مكتوب في أعلاها:
"الحلم"
كتبَت فيها:
«كنت أريد أن أبني دارًا صغيرة للأطفال المرضى، مكانًا يجدون فيه الراحة والدفء واللعب، بدلًا من غرف المستشفيات الباردة. أردت أن أزرع البهجة في قلوبهم، حتى لو لم أتمكن من إنقاذ حياتهم... كنت أحلم أن تشاركني ذلك. فإذا لم أستطع... أريدك أنت أن تكمل الحلم عني.»
ووجد في الصفحة الأخرى قائمة امنياتها التي أخبرته عنها
«قائمة أحلامي الصغيرة:
أن أزور البحر معك، ونمشي حفاة على الرمال.
أن أزرع شجرة حب باسمنا.
أن نكتب كتابًا معًا... يحكي قصتنا.»
أغلق آدم الدفتر بسرعة، ضغطه إلى صدره، وكأنها بين ذراعيه مجددًا. ثم رفع رأسه، نظر إلى والديها بعيون دامعة لكن تحمل شرارة مختلفة، شرارة عزم.
قال بصوت متقطع لكنه حاسم: «سأحقق كل ما كتبتْ... واحدًا واحدًا. أقسم لكم بذلك.»
دموعه تسيل لكن في عينيه بريق جديد، مزيج من الألم والإصرار. همس لنفسه:
«سأكمل حلمك يا آيلا... سأجعلكِ حاضرة في كل طفل يبتسم...»
ثم أغلق الصندوق، ووضع المفتاح والقلادة حول عنقه، كأنه يضع قلبها بجانبه إلى الأبد.
«يُتبع...»