في مدينة إيلورا لم يكن الليل مجرد وقت لظهور النجوم بل كان غطاءً ثقيلاً يُسدل على جدران غير مرئية، جدران لم يبنِها بشر بل صاغتها دماء الحروب القديمة و قوانين السحر الصارمة، المدينة كانت مقسمة بدقة رياضية مرعبة؛ الغرب حيث الأشجار العتيقة و الظلال القاتمة التي تنتمي للمستذئبين وومصاصي الدماء و الشرق حيث الضوء المنبعث من بلورات السحر و الحدائق المعلقة التي تسكنها الجنيات و المشعوذون و القاعدة الأولى والأخيرة في إيلورا و التي نُقشت على بوابات أحيائها بالذهب الأسود كانت واضحة
**كل فصيل يلتزم بحدوده و الاختلاط عقابه الموت أو النفي**
و في أعمق نقطة من الحي الغربي حيث تفوح رائحة الأرض الرطبة و الحديد كانت ليسا تجلس على حافة نافذة شقتها المتهالكة تدفع بلسانها خلف أنيابها التي بدأت تطول ببطء
كانت ليلة قاسية، السماء بدأت تأخذ مسحة وردية خفيفة علامة على اقتراب "مهرجان القمر" و مع كل ساعة تمر كانت تشعر بالوحش داخلها يستيقظ، يتمدد في عروقها و يطالبها بالركض و العواء، ليسا لم تكن مستذئبة عادية؛ كانت تنتمي لـ "ذئاب القمر الأحمر"، السلالة التي اعتقد الجميع أنها بادت، السلالة التي لا تملك في قاموسها معنى للهدوء
أغمضت عينيها الحادتين و ضغطت على يدها بقوة حتى غرزت أظافرها في كفها
ليسا : -متمتمة بغضب- اهدأ... تباً لك اهدأ فقط لليلة واحدة
تنقّل نظرها نحو الشارع الضيق بالأسفل، كان صاخباً و مليئاً بأبناء جلدتها من المستذئبين الذين كانوا يتبادلون الضحكات الخشنة، يستعرضون عضلاتهم و يستعدون للمهرجان بافتراس اللحوم النيئة، كانت تكره هذا الصخب و تكره كيف أن طبيعتهم تفرض عليهم العنف و الضوضاء، بالنسبة لليسا كانت الحياة عبارة عن معركة يومية لحبس هذا الكيان المرعب خلف قناع من السخرية و العزيمة
قاطع حبل أفكارها صوت حفيف خفيف تلاه ذوبان الظل في زاوية الغرفة المظلمة، دون أن تلتفت ليسا
ليسا : -بنبرة ساخرة- تعلمين أن لدينا باباً في هذه الشقة صحيح ؟! أم أن مصاصي الدماء يفقدون القدرة على استخدام المقابض بعد قرن من الزمن ؟!
من بين الظلال خطت "جيسو" بخطوات هادئة لا تُسمع، كانت بشرتها شاحبة كالثلج و شعرها الأسود المنسدل يحيط بوجهها ذي الملامح الأرستقراطية الباردة، كانت تحمل في يدها علبة كرتونية صغيرة لعصير طماطم و تفرغ محتواها ببطء من خلال قشة بلاستيكية
نظرت جيسو إلى ليسا ثم جلست على الأريكة الوحيدة في الغرفة بكسل شديد
