نقيقُ الضِّفْدِع

108 2 4

لم تكُن الشمس ترتفعُ دائماً بهذا العلوّ في هذا الوقتِ من العام، لكنها ارتفعت عالياً جداً اليوم، أو هذا ما تهيَّأ لفرح، ربّما لقناعته بأنَّ يومه هذا كان محفوفاً بحظّ عاثر. ومن الصعب القولُ ما إذا كان السَّببُ هو الحظّ العاثر فعلاً، لكنَّ من الواضح أنَّه كان يمرّ بيومٍ غير جيّد على الإطلاق: فقد كان عليه تحمّل مقدارٍ لا يستهانُ به من الجوع والعطش منذ الصباح الباكر، وكان يشعرُ بالحرّ الشديد، الذي لم ينخفض كثيراً بعد تبلّل ملابسه بالعرق، وأما المشيُ لمسافة ثلاثة أميال على ساقيه القصيرتين فلم يكُن مفيداً أبداً. إلا أنَّ شتّى هذه الأمور لم تكُن تستحقّ الذكر لو كان يعرفُ طريق العودة للمنزل فحسب.

"فرح، لن أسمحَ لك بالخروج لوحدك مرة أخرى"، كانَ شبحُ هذه الكلمات، والتي تصوَّرها وهي تخرجُ من بين شفتي والدته ذات الشعر البني وهي تقفُ أمام باب المنزل، الصورة الوحيدة التي تردَّدت في ذهنِ فرح وهو يتابعُ خطاه. لا شكَّ بأنها الآن في غرفةٍ ما، ربَّما في غرفة المعيشة، أو لعلَّها في المطبخ، تذرعُ المكان جيئة وذهاباً وتنفثُ الهواء متوتّرة وتصرخُ في وجه أيّ شخصٍ تراهُ أمامها (والذي سيكونُ على الأرجح أخاهُ الأصغر، أو ربَّما والده، لو كان قد عاد من عمله)، وهي تقول: "كم مرَّة أخبرتكم أن لا تتركوه يخرجُ وحيداً؟"، أو: "ماذا لو حدثَ له خطبٌ ما؟".

والواقع أن هذا سيكونُ أهون مجرى ممكنٍ للأحداث. فمنَ الممكن أيضاً أنَّ والدته لم يعُد عندها من الطاقة ما يُعينها على الوقوف ومتابعة حركاتها العصبية المعتادة، ولعلَّها الآن منهارةٌ على إحدى الأرائك دون حراك، مكتفيةً بالتفكير بصمتٍ بأسوأ وأكثر الأمور شراً التي قد تكونُ لحقت به.

إلا أنَّ هذا كلّه لا يُهِم. فهو سيحدث على أيّ حال. وأما ما كان أسوأ بكثيرٍ منه فهو أن يتبيَّن من كلّ ما يحدثُ أن فرح كان مخطئاً، وأن والدته كانت على حقّ في منعه من الخروج وحيداً. فلو تمكَّن من أن يجد طريق الرجعة الآن، فسيثبتُ أنّه كان محقاً في كلّ مرة أصرَّ فيها على الخروجِ إلى الغابة. سيجدُ والدته غاضبةً عندما يعود، ولكنه سيكونُ محقاً على الأقلّ. وأما ما هو فيه بهذه اللحظة فهو مأزقٌ خطر، ولا بُدّ له أن يخرجَ من هذا المأزق بأيّ ثمن.

ولكن التعب قد تمكَّن من فرح إلى حدّ التغلُّب على كبريائه الشخصيّ، فوجدَ نفسه مضطراً للجلوس. لم تكُن الصخرة التي تربَّع عليها مريحة تماماً، ولم يكُن سعيداً بعددِ النتوءات التي انغرست في مؤخّرته وخدشت جلده الناعم، إلا أنه كان بحاجةٍ لفرصةٍ للتأمّل والتفكير. لطالما اعتزَّ فرح بقدرته على التفكير، فهو لم يخسر قطّ لعبة بالشطرنج، أو لم يخسرها ضدَّ والده على الأقلّ (فهو لم يُجرّب بعدُ خصماً آخر)، ولكن والده كان يُثني عليه في كلّ مرة بالقول أنه "مُخطّط بارع"، وهذا يعني أنَّه بارعٌ فعلاً. لا بُدّ أنه يستطيعُ التفكير بخطّة ما.

نقيقُ الضّفدعRead this story for FREE!