المرآة

304 12 4
                                        

حسنا، فلتهدأ، انت بخير، نحن بخير.
كل شئ بخير.
ماعداي انا.
نظرت الى نفسي، امعنت فيها النظر، تجولت في كل طرف.ما رايته كان انا، لكن ليس انا التي اريد ان ارى.
توقفت لثانية، ثانية من وقتي الثمين، كانت اكثر من كافية لاعرف.
انني لست بخير.
رفعت يدي، اسقطتها ثم رفعتها مرة اخرى، لم تكن تلك رغبتي، و لكني رفعتها على اي حال...لمسته باطراف اصابعي، برودة مخيفة لامست الحواف المسودة لاسوا كوابيسي.
الجرح الصغير على عيني.
قد يتسائل البعض- بما فيهم انا ، كيف لجرح لا تتجاوز مساحته انشا او بعض انش، ان يخلق هذه الحالة من الهلع و الخوف ؟ ان يدفعني الى متاهة ليغلق خلفي الباب، فقط لادور في حلقة فارغة و مغلقة، لا تسمع فيها غير بعضٍ من الضحكات الحلوة، التي اعود الى سماعها كلما التصقت الحلقة اكثر و لم اجد لنفسي فيها وبين جدرانها مخرجا. كلما تقدمت، تزداد الضحكات قوة، لتتحوّل الى صوت بكاء خفيف بعد ذلك.احيانا، اشعر انني اعرف ذلك الصوت، صوت شخص ظن انه بخير، في الوقت الذي لم يكن فيه كذلك. ربما الجميع عرف من يكون هذا الشخص، ربما حتى انت عرفت. لكن انا، لازلت لا افرّق من الامر شيئا.
حوّلت اصابعي بخفّة، انتقلت الى الجزء - من الجرح-الموجود اسفل عيني، ليأتِيَ اذا سؤال ثان.
لماذا؟ .
هل يعود ذلك الى الفضول؟ هل حب الاطلاع لا يختلف خطورة على الاطلاع ذاته؟ لا اعرف، حقا.
لكني اعرف انهم قالو ذات مرة،ان الفضول يقتل القط.تنهدت بعمق ، لم اكن قطا على اي حال، ولذلك لا فائدة، مع انني الواحد و الوحيد الذي عاش تلك اللحظات، مع انني اعرف كيف حصل كل ذلك،مع انني ادرك ان ضاري قد كان الشخص الذي اصاب عيني ، لكنه لم يكن ذات الشخص الذي كتب قصة بائسة على حوافها المحمرة، لكني لا اهتم . لانه حتى و ان اهتممت،فانني سانتهي في نفس الحلقة المغلقة، في ذات الحرب اللانهائية، حيث تتصارع كل ذرة فيّ ، حيث تتقاذف النيران هنا و هنالك ، و تتراشق السيوف ببعضها البعض و تسمع الصرخات في كل حدب و زاوية، و انا بين ذلك اقف و اشاهد . اقف و لا ادري ايُّ الجانبين اختار، فلا الابيض فاز و لا الاسود خضع. و انا بين ذلك اقف في المنتصف، اميل هنا و هنالك، على خط مرسوم بقلم اطرافه حاصرت حياتي. لادرك انني، من هذا المنطلق او ذاك، لست بخير.
" اهلا".
الصوت كان خفيفا، كافيا لاخراجي من تلك المعركة، تذاكرت الصوت فقط لادرك انه صوتٌ اعرفه جيدا، صوت خالتي.
لم ادرك انني احدق لمدة تجاوزت الثلاث دقائق حتى رايتها تستقيم امامي، ذات الابتسامة التي تبلغ عينيها تعلو و جهها . تمنيت لو انها لا تفارقني للحظة ، تمنيت لو انها كانت معي في الوقت الذي حصل فيه كل شئ. لكن مجددا، الحياة امانٍ و ليست كل الاماني حقيقية.
" اوي، كفّ عن مشاهدة المرآة ، ما هكذا نردّ السلام يا صبيّ!" . صوتها كان بشوشا كالعادة، هذه المرأة لا تعرف للحزن سبيلا، او هو سبيلها الى الشقاء اوقفته الحياة، و حولته الى طريقه الخاص. تحركتُ، و لوهلة احسست انني كنت ملتصقا بالارض، اكتفي فقط بالتحديق في المرآة، لكنني رفضت الاعتراف، لذلك تحركت .
حضنها كان دافئا، ربما اتخيل ذلك، و لكنني على مايرام. الخيال افضل من الواقع، لان الواقع قد يعطيك ما تريد في بعض الاحيان، قد تحقق ما ترغب بالوصول اليه، قد تبني القصور التي تريد، تحصد الثروة التي تريد. لكن الثمن الذي تدفعه مقابل ذلك لا يقل قيمة عن تلك الثروة، فالواقع اذا اشبه بجملة مركبة من المعادلات او هو كذلك، تلك المعادلة الصعبة- من اصل اربعين- التي تبحث عن حلهاّ . تبحث حتى تحلها، فتغمرك السعادة و البهجة، وتنسى ان امامك امتحانا كاملا لحله في مدة قد لا تطاول الساعة او غير. هكذا هو الواقع، قاس و لكن لطيف، حلو ولكن تطغى عليه المرارة.
لذلك يفضّل الانسان الخيال، لذلك تفكّر حين تغمض عينيك، و ليس حين تفتحها، حين تضع راسك على الوسادة الطرية، على الاقل، الخيال هو مصدر الطمانينة الوحيد الذي يقدَّمُ مجانا على طبق من ذهب في عالم كل ما تحصده فيه باس و شقاء بنكهة الفراولة .
تاملت وجهها، اخيرا شعرت ببعض الراحة في كياني المهتز." لم ارك منذ وقت طويل! لما لا تزورينني؟". ابتسمت قليلا، لم تبد كالابتسامة، و لكنني حاولت. كنت اعرف انه سؤال غبي، لو كان باستطاعتها ان تزورني لزارتني . لكنني لم اكن عنوان كتابها، و الحدث الاهم الذي يستدعي الزيارة مرتين في الاسبوع. لابد و انها كانت مشغولة بعدة اعمال لازمة، في الوقت الذي احدق فيه بالمرآة .
ابتسمت ابتسامة خفيفة . ثم و قفت هنالك لا تتحرك، عجبا، لم يكن من عاداتها ان تطرق الباب حتى. لكن، من يهتم؟ . دعوتها و دخلنا الى المطبخ لنتناول شيئا، اخبرتها انني ساصنع العصير، التفتت الى الجهة المقابلة و اخذت ما يقارب الخمس برتقالات، طوال كل ذلك الوقت، كنت اشعر بنظراتها تثقب ظهري، و لكني تجاوزت ذلك .
جلسنا الى التلفاز، بحثت عن شئ يصلح للمشاهدة، لكن بلا فائدة. لكني لم اغلقها، تركتها فقط من اجل الصوت الذي كان يؤنس وحدتي، مع انني لم اكن و حيدا، الاّ انني شعرت كذلك. كان هنالك برنامج صور متحركة على ما اعتقد ، انعكست تلك الصور على المرآة التي تتوسط الحائط المقابل، لاجد انني مجددا، احدق بالمرآة.
عدت الى الواقع، خالتي تجانبني المجلس. رفعت عيني لاقابل وجهها .
" ما رايك لو نتحدث، ماهر؟"
قابلت عينيها."عن ماذا؟." مجددا، سؤال اغبى من ذلك الذي سبقه. ابعدت عيني الى الارض عندما تكلمت خالتي." حياتك، كيف حالك ؟ ماذا تفعل؟" . قررت انني ساعترف، لقد كانت الشخص الوحيد الذي يفهمني في هذا الوجود، لذا، لم لا.
" انا بخير." . كان ذلك افضل ما استطعت قوله٠من المؤكد انها لم تصدقني، لانه انا نفسي لم اصدق ما اقول.
" في الواقع.." . صمتت قليلا، اذا لم يسمع احد صمتي، فقد وجب عليَّ الكلام." انا لا اعرف، لكنني اعرف انني في حالة فوضى..لم اعد افرق بين اي شئ، لم اعد افرق بين ذاتي و انعكاسها، لا اعرف بعد من اكون...لقد كنت مجبرا على القيام بكل تلك الاشياء . لم ارد ان اكون العين الحمراء، لم ارد ان اصيح . لم..." . توقفت قليلا ، شعرت بالدمع يتكون بعيني، ثم و اصلت." ليلة الاربعاء، و عدتني امي بانها ستعد لي حلوى الشوكولاتة، لانها كانت حلواي المفضلة. لم استطع ان اصبر للغد، كنت طفلا، و الطفل مخدره الحلوى، كنت طفلا و كل ما اردته ان اتناول الشوكولاتة انا ووالداي امام التلفاز. لذلك طلبت منها ان تعدها تلك الليلة،. كنت نائما في حين كانت تعدُّ الحلوى بالمطبخ، كنت نائما، صحيح، و لكنني كنت استمتع بالاصوات و الروائح التي تصدر عن المطبخ، ثم كانت هنالك نقرة صغيرة، و توقف كل شئ. و لذلك استيقظت، هرعت الى المطبخ ، كانت هنالك رائحة شوكولاتة، ولكنها لم تكن الوحيدة، كانت تعلوها رائحة حديد مخيفة، اقتربت، رايت السكين الذي كانت تقطِّع به قطع الشوكولاتة، لكن شئ ما كان خاطئا، الشوكولاتة لم تكن ابدا ح-حمراء". لم استطع تمالك نفسي، انهرت باكيا، احتضنتني بقوة. علت الغرفة اصوات شهيقي المستمر و دموعي التي لم تتوقف." ل-لم يتم العثور على الجاني". تكلمت من بين دموعي و عينيّ المنتفختين." لكنه كان خطاي، ل-لو انني انتظرت قليلا لكانت نائمة معي بسلام، انه خطاي ، لم تكرهني الحياة ؟ لما؟ . لقد حاولت ان افعل كل شى ممكن ، درست جيدا، و لم اعص كلمة واحدة لوالداي، حاولت ان اكون طيبا مع الجميع. و في المقابل ، مالذي حصلت عليه؟ فقدت امي، فقدت ابي. لماذا؟ مالذي فعلته؟ لم اعد اعرف من اكون، انا ، اعتقد انني قد اصاب بالجنون." قلت كل ذلك و انا ابكي، لم استطع التوقف عن البكاء، نظرت الي باسف للحظة." توقف عن لوم نفسك، لست مخطئا باي شئ د، بنيّ. الحياة لا تستشيرك او تطرق بابك قبل ان تفعل ما تريد. اليس كذلك؟ . انها الاقدار، و الاقدار مشيئتها لا تتغير .انا اعلم انها قاسية، و لكن الحياة دروس، قد اختارت الحياة ان تلقنك هذه الدروس باصعب الطرق. لذلك، فلتعشها كما هي، الحياة لحظة و الموت لحظة و العيش تدبير، و لاشئ يستحق كل هذا العناء. اعرف انه مؤلم، انت فقدت امك و انا اذا فقدت اختي. لكن على الاقل، لننظر الى الجانب المشرق، ما دمت حيا، فانك ستخلد ذكراها معك كل يوم، لذلك فلتعش يا بنيّ."
كلماتها كانت ترن باذني، كنت قد توقفت عن البكاء و كانت تلعب بخصلات من شعري.
" اذهب و اغسل و جهك، اغسل كل هذه الهموم، ثم تعال لنبحث عن شئ نشاهده في التلفاز."
اومات براسي ووقفت، مشيت، ربما كانت على حق، جعلت الماء البارد يلامس و جهي، احساس بالانتعاش.
حين خرجت، كل شئ بدا صامتا و موحشا الى درجة ما.
" خالتي ؟"
لم يكن هنالك جواب.
" اين انت؟"
فقط الصمت يعمّ المكان، سارعت خطواتي و في الوقت ذاته دقات قلبي تزايدت، حتى و صلت الى المطبخ، مسرحية قديمة تلاعبت امام عيناي، توقفت عن الحراك.
سائل احمر وصل الى قدمي تقريبا، جثة هامدة و ساكنة تقبع فوق كل ذلك الدم.بحثت عن الهاتف بجيبي، مددته لوهلة. ساتصل بالشرطة، لكني اسقتطه قي اللحظة الموالية، لم تكن هنالك فائدة من الاتصال، حين كل شئ قد انتهى بالفعل،لم تكن هنالك فائدة من الاتصال، حين كان كل شئ ملطخا احمرا قانٍ.لم تكن هنالك فائدة من الاتصال، حين كانت صاحبة الابتسامة البشوشة جسدا بال روح.
لحظة، ذات المسرحية القديمة تلاعبت امام ناظريّْ، انا اعرفها، انا اعرف ذلك السكين ، سكين كان من المفترض ان يقسِّم قطع شوكولاتة لتصنع حلوى ارادها طفل صغير.في تلك الآونة فقط، تذكرت القطعة المنقوصة من المسرحية، حين رايت ذلك السكين ملطخا بدم والدتي، كانت تحمله يد قذرة.
تلك اليد كانت يدها.
يد خالتي.
هي قتلت امي ، و ماتت متاثرة بمرض قبل ان تحاكم حتى.....اذا...
من الذي انظر اليه الآن؟ مالذي يحصل؟ اغمضت عيني للحظة و فتحتها مجددا.
لم اجد خالتي.
لم اجد امي.
بل وجدت انعكاسي.
طوال ذلك الوقت، كنت احدق بالمرآة.

just shortsWhere stories live. Discover now