التقينا فأشرق الفؤاد بقلم / إ...

By SamaSafia

88.7K 2.3K 90

رواية تدور أحداثها في الصعيد وما يحتويه من عادات وتقاليد تربط بين العائلات من خلال يوسف الذى تجره الأحداث للع... More

الفصل الأول
الفصل الثانى
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
الفصل الحادى عشر
الفصل الثانى عشر
الفصل الثالث عشر
الفصل الرابع عشر
الفصل الخامس عشر
الفصل السادس عشر
الفصل السابع عشر
الفصل الثامن عشر
الفصل التاسع عشر
الفصل العشرون
الفصل الحادى والعشرون
الفصل الثانى والعشرون
الفصل الثالث والعشرين
الفصل الرابع والعشرين
الفصل الخامس والعشرين
الفصل السادس والعشرين
الفصل السابع والعشرين
الفصل الثامن والعشرين
الفصل التاسع والعشرين
الفصل الثلاثون
الفصل الواحد والثلاثون
الفصل الثانى والثلاثون
الفصل الثالث والثلاثون
الفصل الخامس والثلاثون
الفصل السادس والثلاثون
الفصل السابع والثلاثون
الفصل الثامن والثلاثون
الفصل التاسع والثلاثون
الفصل الأربعون
الفصل الواحد والأربعون
الفصل الثانى والأربعون
الفصل الثالث والأربعون
الفصل الرابع والأربعون
الفصل الخامس والأربعون
الفصل السادس والأربعون
الفصل السابع والأربعون
الفصل الثامن والأربعون
الفصل التاسع والأربعون
الفصل الخمسون
الفصل الواحد والخمسون
الفصل الثانى والخمسون
الفصل الثالث والخمسون
الفصل الرابع والخمسون
الفصــل الأخيــر
الخـاتمــــة

الفصل الرابع والثلاثون

1.3K 41 2
By SamaSafia

خرج من حمام جناحه الخاص بمنشفة تلتف حول خصره وأخرى أصغر حجماً تحاوط عنقه بعد أن جفف بها شعره الذى مازال رطباً بعد الحمام الصباحى

وقف على عتبة باب الحمام ومد يده بقطعة صابون وردية اللون فى الهواء وعينيه تركزت على الجالسة مسترخية فوق الفراش وسألها بتعجب

:- أقدر أسأل أسنان منين اللى معلمه فى الصابونة ديه؟

استقام جذعها ونظرت نحوه بمكر زامة شفتيها بشقاوة كاتمة ضحكتها وحركت حدقتيها يميناً ويساراً تتهرب من الإجابة ولكن وقوفه أمامها كالتماثيل الرومانية عارية الصدر فى انتظار ردها دفعها لتعتدل، ووقفت على ركبتيها فوق الفراش مبررة بحرج

:- كانت ريحتها حلوة أوى أوى يا چو مقدرتش أقاومها ... لقيت نفسى بقطم حته منها من غير ما أحس

اتسعت عينيه صدمة ذاهلاً مما يسمع وقال باستغراب

:- أنت ناوية تزحلقى ابنى ولا هتعوميه فى الرغاوى

قهقهت بشقاوة ورفعت كفيها تخفى فمها ثم قالت معللة

:- ما تخفش ... ما أنا معجبنيش طعمها فرميتها على طول من بوقى

:- لا يا شيخة وكنتِ متوقعة طعمها هيكون إيه ... أنتِ بقيتى خطر على الأمن العام ... بكرة تأكلى بوز اللحاف وتقولى أصله مقرمش أوى يا چو

قهقهت من جديد بمرح ثم مالبثت أن تصنعت الغضب ومدت ذراعيها فى الهواء تدعوه للاقتراب منها بغنج

استجاب لها من فوره بعد أن سحب المنشفة الصغيرة حول عنقه ورماها على الأريكة الجانبية وترك الصابونة على طاولة جانبية، أقترب منها يضم خصرها بين كفيه بينما حاوطت عنقه بذراعيها ودست أنفها فى تجويف عنقه تتشمم رائحته بتلذذ هامسة باستمتاع ودلال

:- ما تخافش على اللحاف ... أنا بحب ريحتك أنت والصابون وبس

تنهد بنفاد صبر رغم البسمة المستمتعة التى أخفاها سريعاً عن شفتيه وقال يتصنع التذمر

:- أدينى حققتلك كل خيالاتك وأحلامك ورواياتك ... أدى المنشفة حول خصرى وربنا يستر وما تقعش ... وبستحمى كل يوم تلت أربع مرات عشان جنابك تشمى ريحتى المخلوطة بعطر الـآآآآ الـ ..إيه!!

رفعت أنفها عن عنقه وتراجعت برأسها للخلف قليلاً تصحح كلامه ومقلتيها ترتوى من ملامحه بعشق :- الممزوجة بعطرك الرجولى المميز

:- أيوه هو ده ... ممكن أعرف بقى أيام الوحم هتخلص أمتى ... أنا تعبت معاكى على الأخر وكل ده عشان خاطر ابنى

ضغطت على كتفيه ليجلس على طرف الفراش بجوارها، وضعت رأسها على كتفه بهيام مرددة

:- أنا مبسوطة كده ومش عاوزاها تخلص

شدد من ذراعه حول خصرها بدفء يقربها إلى صدره وقال محذراً بلين :- كفاية دلع بقى ... استرجلى شوية

ضحكت بمرح وهزت رأسها رافضة معللة بوله وكفها يحتضن وجنته ويقرب وجهه ليواجهها

:- أنا عارفة أنك بتحبنى وهتفضل تدلعنى على طول ... ربنا يخليك ليا يا حبيبى

مسد على ظهرها بحنان ولثم شفتيها بخفة ثم قال بنبرة هادئة جادة

:- نتكلم بجد يا شموس أنا لازم أنزل مصر أشوف شغلى ... يومين وأرجع على طول ... أنا وعدت عماد وصفوان

مطت شفتيها بطفولية رافضة وهتفت تلح عليه بعناد

:- وفيها إيه لما أجى معاك يا چو ... أنت كنت وعدتنى نسافر مع بعض قبل كده

سحب نفس طويل ثم أطلقه ببطء وقال موضحاً

:- أيوه وعدتك ... بس دلوقتِ الوضع أتغير والسفر مش كويس عليكِ مع الحمل

جلست بجواره تطالعه برفض وحاولت إيجاد حلول

:- ناخد القطر هيكون أمان أكتر على الحمل .. أنا مش هقدر أبعد عنك يا چو

تخلل خصلاتها الكستنائية بأنامله بنعومة موضحاً برصانة

:- يا حبيبتى حتى لو أخدتك هتقعدى لوحدك فى الشقة لأنى هكون مشغول وعاوز أخلص شغلى بسرعة ... وخصوصاً لازم أكون موجود فى كتب كتاب جلال اللى قرر يكتبه قبل الفرح بأسبوع ... كمان فرح ياسمين قرب ومحتاجاكى معها ... هما يومين هروح أخلص شغلى وأرجع على طول وأنتِ قضى اليومين دول مع أختك أكيد هتحتاجك هى كمان ... ما هو ما شاء الله أفرحنا كترت

وكعادتها رضخت لرأيه دون مجهود يذكر، مبتسمة برقة فى وجهه ومررت ذراعيها حول عنقه بنعومة تحتوى سر سعادتها وأمانها

*****************

داخل مكتبة الجامعة الهادئة من الأصوات المرتفعة جلست ندى تتفحص بعض الكتب بتركيز كبير، تجمع معلومات من هنا وهناك من أجل بحث نهاية العام لإحدى المواد التى تدرسها

لمحها من بعيد فى جلستها الهادئة فأقترب بخطى واثقة من مكانها ودون استئذان سحب المقعد المجاور لها وجلس بسرعة أجفلتها فالتفتت برأسها بمقلتين مصدومتين تتطلع إلى ذلك الذى أحتل الفراغ بجوارها

تأملته لبرهة بدهشة ثم هدأت ملامحها واحتلت البسمة ثغرها حين تبينت شخصه، أستند بمرفقه على طرف الطاولة الخشبية الطويلة التى تنتصف قاعة المكتبة وقال بخفوت ومقلتيه ترتكزان على حدقتيها

:- آسف إنى خضيتك ... واضح أنك كنتِ مركزة أوى

مسحت على خصلاتها تعيدها إلى خلف إذنها بحركة توضح توترها وارتباكها لظهوره المفاجئ وقالت بخجل وهى تتهرب بمقلتيها بعيداً عن خضار عينيه الجريئتين وقالت بخفوت وخجل

:- فعلاً كنت مركزة فى البحث وما أخدتش بالى من حضرتك وأنت بتقرب

رفع طرف شفتيه بابتسامة متكلفة وقال بصيغة العالم بالأمور

:- بحث الدكتور عبد القادر طبعاً

مال قليلاً برأسه نحوها وأردف هامساً بنعومة :- على فكرة أنا ممكن أساعدك فيه

عاد برأسه للخلف من جديد مردفاً بنبرة متباهية ومقلتيه تجرى على تقاسيم وجهها بحرية أخجلتها

:- أنا كنت أحسن طالب يعمل أبحاث فى الكلية ... عشان كده أختارونى معيد بمجرد تخرجى

أومأت بابتسامة عذبة وصوت خفيض ممتنة

:- متشكرة أوى لحضرتك ... أنا مشيت فى جزء كبير من البحث وكمان فى دكتور صديق لأخويا بيساعدنى كتير أوى

قطب جبينه وشد أكتافه بخيلاء يتساءل بنبرة استهجان

:- دكتور مين؟ .. وتخصصه إيه؟

أسرعت لنفى ما قد يتبادر إلى ذهنه بشكل خاطئ عن ارتباطها بأحدهم، خاصة حين لاحظت تبدل ملامحه الواضح وقالت مبررة بنفس الخفوت لاحترامها لقوانين المكتبة

:- دكتور طه العشرى صديق أخويا من زمان

:- طه العشرى!!

قالها بصوت مرتفع نسبياً بتلهف ومتخطياً قواعد الصمت فى حرم المكتبة

"الصوت" صاح بها أمين المكتبة بطبقة متوسطة ليسود الهدوء من جديد بينما رفع كريم كفه فى الهواء معتذراً ثم عاد يردد الاسم بجذل وكأنه وجد كنز ثمين

:- طه العشرى ... ده واسع الصيت فى المحافظة كلها وبيشرف على أكتر من مزرعة مواشى وإسطبلات خيول كمان

أومأت بابتسامتها العذبة وأكدت على حديثه

:- دكتور طه مجتهد وطموح جداً والحقيقية بيساعدنى كتير أوى

تنحنح بخفة ثم قال وعينيه تبرق ببريق عجيب متسائلاً بفضول

:- وأنتوا عندكم مزرعة مواشى برضو يا ندى ... مش كده؟

هزت رأسها بخفة وعينيها ترمقة بحياء، ودون أى مقدمات سألها من جديد بنبرة مازحة تخفى ورائها غرضه الحقيقى

:- ومش محتاجين دكتور يشرف على المزرعة أو يشتغل فيها؟

فاجأها السؤال وحركت كتفها بحيرة قائلة وعينيها تمتد بعيداً باحثة عن إجابة مناسبة

:- المزرعة تحت إشراف دكتور طه وهو شريك فيها وأنا بساعده فى الإجازات

خبا حماسه ومسح على طرف ذقنه مبرراً سؤاله بهمس

:- أنا كنت بسأل بس لإنها كانت هتبقى فرصة أشوفك واشتغل معاكِ فى الإجازة ... و نعرف بعض أكتر

توردت وجنتاها بحمرة الخجل ومقلتيها تسترق النظر نحوه عاجزة عن الرد حياء وخجلاً مما فهمته من تلميحه لها برغبته فى القرب منها

انتشلها من خجلها هاتفها المحمول حين أضاءت شاشته باسم صديقتها وهو موضوع فوق الطاولة أمامها على وضع الصامت، تناولت الهاتف وأجابت بهمس ثم أنهت المكالمة والتفتت نحو كريم الذى يتفحص تفاصيلها بجرأة شديدة دون أن تلاحظ

استأذنت منه على مضض غير راغبة فى إنهاء هذه المحادثة بينهما وفى نفسها تلوم صديقتها على مجيئها فى هذا الوقت لتفسد جلستها معه ثم قالت معتذرة بنبرة هادئة

:- أنا آسفة صاحبتى وصلت قدام المكتبة عشان نروح مع بعض

هز رأسه متفهماً بابتسامة جذابة وهو جالس بمكانه، بدأت فى جمع أوراقها والكتب المفتوحة أمامها حتى تعيدها إلى مكانها، امتدت يده نحو ميدالية خشبية محفور عليها اسم قطر الندى والتى أهداها لها جاد قبل رحيله، تأملها بين أنامله دون تعبير ثم سألها باستغراب

:- قطر الندى ... أشمعنى يعنى!!

رمشت جفونها خجلاً وحرج ثم قالت بارتباك :- يعنى أنا ندى واسمى قريب من قطر الندى فا آآآ ... أنت عارف قصتها و آآآ

عجزت عن توضيح وجه الشبه كما وضحه جاد من قبل حين شبهها بجمال ومكانة قطر الندى فمنحها السعادة والثقة بالنفس من خلال تشبيهه وغزله العفيف بأبسط الكلمات

سلطت نظرها على وجه كريم لعله يفهم من نفسه أو يجد وجه شبه بينهما ولكن جاءت كلماته محبطة لأمالها حين قال بجلافة

:- هممم ... تشابه أسماء يعنى

بسمة مهتزة حاولت أن تظهر على شفتيها لكنها اختفت من فورها فحولت اهتمامها إلى جمع الكتب لتعيدها إلى مكانها، امتدت يده مرة أخرى والتقط أحد الكتب من أمامها قائلاً ببساطة

:- أنا كنت جاى المكتبة عشان أستعير المرجع ده

حملقت فى وجهه بارتباك ومشاعر مذبذبة ثم تركت له المرجع وأعادت باقى الكتب إلى رفوفها ثم حملت حقيبتها على كتفها ووقفت أمامه تودعه وهى تضم أوراقها إلى صدرها

نهض من مكانه يستعرض فارق الطول بينهما فارداً أكتافه قدر المستطاع ثم ودعها بنظرات مسبلة، مغوية قائلاً بخفوت

:- أرجو تبلغى سلامى للدكتور طه ... أنا يسعدنى إنى أتعرف عليه

أومأت بخجل وارتباك ثم غادرت المكتبة بخطى متمهلة وداخلها إحساس غامض، مشوش بين عينيه المتغزلة وكلماته الجافة

********************

التقت بفرح أمام مبنى الكلية بعد دقائق قليلة، رمقتها بغيظ وهى تقف تتناول قطعة من الشيكولاتة بتلذذ واستمتاع كما فعلت طيلة اليوم منذ أن رأتها صباحاً، اقتربت منها هاتفه بتحذير مشاغب

:- هتبقى قد الفيل من أكل الشيكولاتة ديه

حولت فرح نظرها إليها ودست أخر قطعة فى فمها واجابتها بتذمر

:- لأ ... شيكولاته دودح مش بتخن

قهقهت ندى بمرح ووقفت أمامها تحتضن أوراقها وقالت بسعادة أخت لأختها وليس مجرد صديقه

:- أنا فرحانة أوى عشانك يا فرحوه

تصنعت الغضب وهى ترمقها مردفة بتأفف :- بس أنت بتظهرى فى أوقات سخيفة

ابتلعت فرح ما فى فمها من شيكولاته وتسائلت باهتمام

:- ليه إيه اللى حصل ... احكيلى

تراقصت بسمة خجلة على ثغر ندى وقالت بهيام

:- كريم ... كريم كان فى المكتبة وقعد يتكلم معايا لغاية ما سيادتك اتصلتى واضطريت أسيبه قبل ما نكمل كلامنا

تابعت فرح كلام ندى باهتمام بالغ وحثتها على المضى فى السرد وتوضيح كافة التفاصيل، تحدثت ندى بحيرة قائلة

:- كان بيتكلم معايا وبيقترح أنه يشتغل فى المزرعة عشان نبقى مع بعض فى الإجازة ونقرب من بعض

تنهد ندى بحيرة وهزت كتفها مردفة بضياع

:- بس بصراحة فى حاجة مش فاهمها ... شوية يظهر مشاعره وشوية يبقى عملى جداً

لاحظت فرح بطرف عينها كريم يظهر خلف ندى مغادراً مبنى الكلية توقف لبرهة يحدق نحوهما بفضول ثم تحرك مرفوع الرأس بخيلاء يوزع نظراته على الطلبة بابتسامة متكلفة

تجاهلت فرح وجوده حتى إنها حاولت إلهاء ندى حتى لا تلتفت نحوه ومنحتها قطعة شيكولاتة من حقيبتها ثم تأبطت ذراعها وسحبتها برفق ليبتعدا عن هذا المكان قائلة بجدية

:- طيب يلا بينا زمان عم شفيق مستنينا ... وبعدين نتكلم عن سى كريم بتاعك ده

توقفت ندى والتفتت نحوها تتسائل بتعجب

:- أنا مش فاهمة أنتِ قافلة منه ليه؟ ... ده ما كنش رأيك فى الأول لما كنت بحكيلك عنه

أطبقت فرح شفتيها وتنهدت بضيق ثم حاولت التعبير عما تشعر به رغم عدم وجود أى دليل يؤكد شعورها

:- مش عارفة يا ندى ... لما كنتِ بتكلمى عنه كنت مبسوطة علشانك وأنك هتلاقى الحب ... لكن لما شفته مش عارفة ليه ما ارتحتش

هزت كتفيها بالتباس فى المشاعر مردفة

:- ما حستش إنه زى مدحت مثلاً أول ما أعجب بيا كانت نظراته مختلفة و..و حاول يتقرب من حسام وياخد خطوة جد ... مش عارفة أعبرك بالظبط بس هو مجرد إحساس

دافعت ندى على غير دليل موثق ورغم تشوش مشاعرها الشخصى تجاهه وقالت بتذمر

:- ما هو مش لازم كل الناس تبقى زى مدحت عشان يعجبوكى ... كل واحد ليه شخصيته

أومأت فرح موافقة باستسلام ثم ما لبثت أن قالت باهتمام ونصح لصديقتها

:- عندك حق أنتِ أدرى به لأنك أكتر واحدة بتتعاملى معاه .. كل اللى أطلبه منك أنك تاخدى حذرك وما تنسيش اللى أتربينا عليه وهو لو بيحبك صحيح هيتقدم على طول زى ما عمل مدحت

حركت ندى رأسها بتململ هاتفه فى صديقتها بامتعاض مصطنع

:- يا دى مدحت اللى ناطط فى كل كلامنا ... أومال لما تتخطبوا رسمى هتعملى إيه!!

تنهدت فرح بحرقة مرددة بهيام :- وقتها هتكلم معاه ليل ونهار ونهار وليل .... ومش هعبرك خالص

رفعت ندى حاجبها بغيظ لمشاكسة صديقتها لها، وأعادت إليها قطعة الشيكولاتة تتصنع الغضب هاتفه فى وجهها لتستفيق من أحلامها

:- طب خدى بقى مش عاوزه أشوف الشيكولاته ديه تانى ... وأنصحك تفوقى يا حبيبتى ... هو حسام هيسمحلك تعملى كده

تأبطت ذراعها وكأنها لا تستطيع على خصامها ثم بدأ يسيران نحو بوابة الجامعة إلى السيارة مردفه :- أنا مش فاهمة لغاية دلوقتِ حسام وافق بسرعة كده إزاى؟

شهقت فرح متذكرة والتفتت نحو صديقتها تقص عليها أثناء تحركهم

:- أنا نسيت أقولك أن حسام عمل تحريات واسعة المدى عن مدحت هنا وفى القاهرة لما كان مسافر وجاب تاريخ حياته هو وعيلته من أول ما أتولد ... عشان كده وافق عليه فى الأخر لما لقاه راجل وجدع وشهم وآآآ

قاطعتها ندى وسحبتها من ذراعها تحثها على الإسراع فى السير هاتفه بتأفف

:- خلاص ... كفاية كلام عن مدحت كرهتينى فى اسم مدحت

******************

تتهادى السيارة على الطريق بين القرى فى وقت الغروب متجهة إلى المحافظة، قائدها خلف المقود يقود بضجر واضح، يده فوق المقود تشد عليه بعصبية واضحة، مقطب الجبين وعينيه على الطريق بجمود

لم يستطع أن يرفض طلبها بعد أن تعشمت به ورأى حماسها الكبير لخوض تجربة جديدة، يلقى اللوم فى داخله على عودة شقيقها التى أخرجتها من عزلتها إلى رحب الحياة، رغم إيمانه بحقها الكامل فى الحياة إلا أن غيرته تتأجج فى صدره وتغشى عينيه

حول مقلتيه إلى الجالسة بجواره ومرر نظره على ملامحها المنشرحة بحماس إلى تجربة ما هو جديد عليها تستنشق عبق الحياة بصحبة زوجها وأولادها

دقق فى ملابسها للمرة الألف حتى يتأكد من ملائمة ملابسها لمقابلة الناس خوفاً أن تظهر فتنتها وجمالها الذى يخصه وحده للآخرين

مرر حدقتيه على عباءتها السوداء الفضفاضة وحجابها الداكن الذى غطى شعرها وجزء كبير من جذعها وفوق حجاب رأسها تدلى وشاح أسود شفاف أخر أصر عليها أن ترتديه فوق الحجاب فتتدلى فوق جبينها وجانبى وجهها ليخفى جزء كبير من وجهها ذو الملامح الجميلة الطيبة مكملاً طريقه فوق صدرها

نزل ببصره إلى الأسفل قليلاً حيث وضعت حقيبتها الجلدية فوق ساقيها وفوقها أراحت كفيها المتشابكين وهى تتأمل الشمس الغاربة بحماس وفضول

رفع فاروق مقلتيه نحو مرآة السيارة الأمامية يتفحص الكنبة الخلفية حيث يجلس أبناءه كلا منهما يدقق النظر فى هاتفه الخاص يقومان بحركات متشنجة من رأسيهما وأكتافهم أثناء ممارسة أحد الألعاب الألكترونية على شاشة المحمول

زفر بضجر وواصل متابعة الطريق بجمود فانتبهت أمل نحوه وتساءلت مهتمة بكل تفاصيل زوجها :- فيك إيه يا فاروج ... لو مشغول ولا مضايج يا أخوى هملنى مع بنات عمى ومرات أخوى وأنا أعاود أمعاهم

جحظت مقلتيه بعصبية وهتف بانفعال وهو يرمقها برفض

:- كمان رايدة أهملك لحالك إكده ... تعيشى على كيفك مين يحميكى لو حد بس نضرك وأنتوا حريمات لحالكم

مدت كفها الرقيق تضعه فوق كفه العريض القابض على المقود بعصبية ومسدت بنعومة فوقه قائلة بمهادنة ونعومة

:- لو مش راغب أروح وياهم جول يا فاروج ... أنا يهمنى رضاك يا ابن خالى والله ما يهمنى غير رضاك عندى بالدنيا وما فيها

تنهد بعمق وأرخى جفنيه باستسلام أمام قلب يمامته الطيب، كيف يحرمها الحياة بسبب غيرته المتملكة عليها وهى من عاشت فى قفص طوال حياتها ... لقد عاهد نفسه ألا يقسو عليها مرة أخرى أو يحرمها من شئ

هدأت أعصابه من لمستها الرقيقة الناعمة ولانت ملامحه وهو يرمقها بنظرات تبدلت من الانفعال للعشق الذى يسكن فؤاده نحوها وقال مبرراً لحالته المتذمرة

:- أنا خايف عليكِ ... وأنتِ خابرة كيف بغير عليك كمان

اتسعت ابتسامة خجولة فوق ثغرها وأخفضت نظرها متمتمة بحياء يميزها :- أنا فاهمة ومجدرة أنك بتتغير لاچل خاطرى يا فاروج ... ربنا ما يحرمنى منيك با أبو الرچال

قلب راحته فوق المقود يحتضن كفها داخله بدفء وتمسك كفه الأخر بالمقود وعينيه تغوصان فى حنان وحب مقلتيها

رفع فارس حدقتيه من فوق الشاشة نحو والديه في المقاعد الأمامية بفضول ثم لكز شقيقه فى خاصرته ينبهه لتشابك أنامل والديه ببعضهما البعض

ترك ياسين هاتفه المحمول وتأمل والديه هو أيضاً وهما يكتمان ضحكاتهما الخجلة بسعادة يشعران بها تخيم على والديهما بعد طول جفاء

*********************

أمام مركز تجارى كبير بوسط محافظة المنيا توقفت سيارة فاروق وقبل أن يترجل من السيارة التفت نحو زوجته وسألها باهتمام جاد :- الفلوس أمعاكِ؟؟

جاوبت ببساطة وهى تدس يدها داخل حقيبتها الجلدية تنوى أن تُخرج النقود وتعطيها له، وضع كفه فوق الحقيبة يمنعها عن إخراج النقود وقال بجدية وعينيه فى عينيها

:- الجرشنات لاچل ما تشترى كل اللى نفسك فيه ... ما تحرميش حالك من حاچة وخليكى واعية ... أوعاكِ تطلعى الجرشنات مرة واحدة

أومأت متفهمة بنظرة مرتبكة مختلطة بالحماس الذى يغمرها لخوض مغامرة جديدة، ترجلت من السيارة بعد أن سبقها أولادها ووقفت بجوارهم حتى أغلق فاروق السيارة زدار حولها ثم مد ذراعه لها

تأبطت ذراعه بسعادة فتاة مراهقة فى أولى جولاتها مع خطيبها، مال عليها هامساً بنبرة حازمة وهم يقتربون من أبواب المجمع التجارى :- غطى وشك مليح

جذبت الوشاح على جانب وجهها قليلاً وألقت بطرفه على كتفها من الجهة الأخرى فتقلص حجم وجهها كثيراً بعد أن اختفت ذقنها خلف الوشاح المتدلى على جبينها بالفعل، فلم يظهر من وجهها الكثير

دلفت إلى المجمع التجارى متأبطة ذراع زوجها وتشد على كف ياسين باليد الأخرى وكأنها تحتمى بهما لمواجهة العالم أما فارس فتقدمهم جميعاً بخطى واثقة تعرف طريقها

جالت ببصرها فى المكان بانبهار ومالت نحو زوجها تهمس له بحماس :- ديه كبير جوى كيف ما بيطلع فى التلفزيون يا فاروج

التفت نحوها يتأمل الجذل وبريق الفرحة فى مقلتيها بسعادة ورضا لأنه لم يرفض طلبها بل وشاركها هذه اللحظة المميزة لها

توقف أحد رجال الأمن أمامهم وقال موجه حديثه إلى فاروق باحترام :- من فضلك يا فندم المدام تحط الشنطة على الجهاز

أومأ فاروق بقبول بينما تمسكت أمل بذراعه بارتباك وهى تخفى وجهها عن الرجل حين أقترب منهم، همس فاروق لها لتترك الحقيبة من يدها ولكنها تجمدت مرتبكة وحائرة

تقدم فارس يساعد والدته وتناول الحقيبة منها ثم وضعها داخل الجهاز، تمسكت أمل بطرف وشاحها تراقب من خلفه ما يحدث وتتفحص الشاشات الموضوعة بجانب الجهاز بفضول لترى محتويات حقيبتها بالأشعة الكاشفة حتى خرجت الحقيبة من الجهة الأخرى، تناولها فارس مرة أخرى وأعادها إلى والدته التى تلقتها منه وعينيها مازالت على شاشات الأمن بفضول

تحركوا إلى الداخل قليلاً ثم أشار فاروق إلى حيث ينتظر يوسف بصحبة زوجته وبنات عمومه كما اتفقا من قبل

تهللت أسارير أمل وأسرعت الخطى نحوهم بلهفة وذراعها فى ذراع فاروق بتفاخر،وزعت التحية على الفتيات بحرارة بعد أن تركت ذراع زوجها ثم التفتت إلى يوسف الذى فتح ذراعيه لشقيقته مُرحباً، جاء صوت فاروق معترضا بتساؤل زاجر

:- هتعمل إيه وسط الخلج ديه كلاتها

حملق يوسف فى وجهه بنظره ماكرة مشاغبة ثم قال ببساطة :- هسلم على أختى حبيبتى

ضيق إتساع ذراعيه ببطء وأحتضن كفها بين راحتيه ثم رفعه ليلثمه بحب وتبادل معها حديث قصير خافت يطمئن منها على أحوالها تحت نظرات فاروق الغيورة

ظل يوسف متمسك بكف أمل وهو يتحدث إلى الفتيات بسلاسة

:- هاه ناويين تبدأوا منين رحلة الشوبينج؟

جذب فاروق زوجته من مرفقها وقربها إليه بتملك ورمى يوسف بنظره حادة متحدية حتى يترك كفها

اقتربت شمس من زوجها وقبضت على كفه تجذبه قليلاً ليبتعد عن شقيقته ويتوقف عن مشاكسة فاروق

جاوبت ياسمين علي تسائل يوسف بعملية وهى تنظر نحو ندى لتشاركها الرأى

:- بيتهيألى نبدأ من الدور الأخير وننزل دور دور

أيدت ندى فكرتها بحماس بينما جذبت شمس يوسف جانباً تهمس له بتعقل

:- خف على فاروق شوية ... مش ضامنين رده فعله ومش عاوزين ننكد على أمل ... أنت شايفها متحمسة إزاى

حدجها يوسف بنظره لعوب قائلاً بثقة

:- ما تقلقيش يا شموس .. أنا وفاروق فاهمين بعض كويس وبنلاعب بعض بالشكل ده ... لكن كل واحد فينا بيحترم التانى جداً

رفع كفها وأحتواه بين راحتيه قائلاً باهتمام بالغ

:- المهم شوفى كل طلباتك ... مش عاوزك تتحركى كتير أو تخرجى وأنا مسافر ... ولو حسيتى بأى تعب من المشى قولى ونقعد شوية لغاية ما ترتاحى

ابتسمت فى وجهه برقة ومقلتيها تبرق ببريق العشق والامتنان مرددة بخفوت ويدها تمسد بطنها دون أن تشعر

:- ما تخفش يا حبيبى ... أنا كويسة أوى الحمد لله

غمز نحوها بشقاوة وقال مازحاً :- بجد يعنى أكلتى كام صابونة النهارده؟

زفرت تدعى التأفف من مشاكساته التى تعشقها واستدارت عائدة إلى جانب الفتيات وهى تبرطم بكلمات غير مفهومة وضحكاته المرحة تتبعها

********************

وقف ياسين أمام والده رافعاً رأسه نحو وجه أبيه وطلب بتأدب :- ممكن ميه چنيه يا أبوى

ضيق فاروق عينيه وهو ينظر إلى كف ابنه المفرود أمامه وقال معترضاً

:- ميه چنيه ... الله يرحم أبوك كنت باخد خمسة چنيه من چدك بكسر بها الدنيا

برر ياسين طلبه بهدوء موضحاً أن طلباته بسيطة

:- يا أبوى لاچل ما أشحن كارت الألعاب وأجل شحن بميه چنيه وهروح ألعب أنا وفارس فى الكيدز إريا

شهقت أمل مستنكرة بعد أن تابعت الحديث باهتمام، ضمت رأس فارس إلى صدرها باحتواء رافضة ابتعادهم عنها :- لاه ... ما تغبيوش عن نضرى ... تتوهوا فى المول الكبير ديه

ناظرها فاروق بتعاطف وشئ من الندم على الحياة المغلقة التى عاشتها أمل وقال موضحاً بتهكم

:- ما تخافيش يا أمل المول ديه أنا وأنتِ ممكن نتوه فيه لكن ولادك لاه

أكد فارس على حديث والده وهو يحرك رأسه ليواجه والدته

:- صُح يا أمه أحنا چينا هنا كاتير مع أبوى جبل سابج

أخرج فاروق حافظته الجلدية والتقط مائة جنيه قدمها نحو ياسين باستسلام، لكز فارس ذراع شقيقه عدة مرات بتواتر

رفع فاروق طرف شفته ورمق فارس بمكر ثم حثه على الحديث بحرية ودون خوف

:- جول طوالى رايد إيه ... مش لازمن خوك الكبير هو اللى يطلب

أتخذ فارس خطوة إلى الأمام نحو والده ومد كفه أمامه مردداً ببساطة :- رايد ميه چنيه

اتسعت مقلتى فاروق وقال بتذمر :- تانى .. بتوع إيه دول كُمان؟

:- فشار وأيس كريم

:- ب ميه چنيه

هتف بها فاروق باستياء فهز فارس رأسه بالإيجاب وكذلك فعل ياسين الذى وضح بسلاسة

:- الأسعار هنا إكده يا أبوى وحضرتك خابر

لف فاروق رأسه نحو زوجته التى تراقبهم بفضول ممسكة بطرف وشاحها أمام شفتيها لتخفى ابتسامتها الرقيقة

زفر فاروق بعمق وأخرج باستسلام ورقة مالية جديدة بمائة جنيه وأعطاها إلى فارس ثم أمرهم بجدية محذراً

:- ما حدش فيكم يبعد عن أخوه ... ولا تتحدتوا مع حد ولو حسيت بأى مشكلة يا ياسين تكلمنى طوالى ... موبايلك معاك

رفع ياسين هاتفه المحمول أمام والده ثم دسه فى جيب بنطاله مرة أخرى وحرص على إخفاءه جيدا، صاح فارس يطمئن والده بثقة

:- ما تخافش يا أبو الرچال ... فارس البطل موچود

ابتسم فاروق بوجهه وقال محذراً :- أنت بالذات يا بطل ما تبعدش عن خوك ... أنت لك سوابج فى الخطف

ضحك فارس بمرح وأكد مع شقيقه على سلامتهم ثم تشابكت أيديهم الصغيرة ببعضها البعض واعتلوا الدرج الكهربائى نحو منطقة الألعاب

تابعتهم مقلتى والدتهم بنظرات متخوفة ويدها على صدرها ثم عادت ببصرها نحو زوجها الذى طمأنها بابتسامة جذابة على ثغره، صدح صوت أنثوى قريب منهم ينادى عليها برقة :- يلا يا أمل ... عشان نلحق نجيب حاجتنا

أومأت أمل نحو شمس بتوجس وتركت كف زوجها وهى ترمقه بغموض، حتى الأن لا تصدق التغير الشامل الذى طرأ على حياتها وكيف تقبل فاروق كل هذا بل يدعمها ويشاركها فيه أيضاً

هز رأسه بإيماءة خفيفة مشجعاً إياها لتتحرك ثم وقف يتابعها بحاجبين معقودين وقلبه متوجس خيفة عليها وهى تغوص فى خضم الحياة، حتى ولو فى مجرد عملية شراء بسيطة

حاوطت الفتيات أمل باحتواء، شمس عن يمينها وياسمين فى اليسار وتقدمتهم ندى ثم اعتلوا السلم الكهربى صعوداً لتبدأ رحلة الشراء

تقدم يوسف ووقف بجوار فاروق واقترح بهدوء

:- تعالى إحنا بقى نقعد على كافيه نشرب آى آآآآ

وقبل أن يكمل اقتراحه كان فاروق يلتفت نحوه معترضاً بانفعال

:- كيف يعنى نهمل الحريمات لحالهم ... أفرض حد ضايجهم ولا بصلهم بس بعينيه يتصرفوا كيف لحالهم

ترك يوسف دون انتظار وأعتلى الدرج خلف الفتيات، تبعه يوسف صاعداً خلفه وقال بجدية يحاول طمأنته

:- ما تخافش على بنات البدرى ولا بنت العزازى دول يقدروا يحافظوا على نفسهم كويس أوى

التفت رأس فاروق للخلف نحو يوسف أثناء تحرك السلم الكهربى وإجابة باندفاع وحمية

:- لكن أمل ما تجدرش ... أمل كيف الطفل الصغير لا عمرها راحت ولا چات ولا أتعاملت مع الخلج

كانوا وصلوا إلى الدور الأخير خلف النساء اللاتى بدأن الانتشار داخل إحدى المحال وتفحص محتوياته، توقف فاروق يتابع زوجته بعيون صقرية حامية من خلال الجدار الزجاجى للمحل ويوسف بجواره الذى علل بعتاب

:- صحيح أمل زى الطفل الصغير لكن جه الوقت اللى تندمج فيه بالحياة .. وهى مش لوحدها البنات حواليها فاهمين طبيعتها كويس هيساعدوها ويعلموها كل حاجة شوية بشوية

تابع فاروق حيرة وارتباك زوجته وهى تتفحص ما حولها بعينيها دون أن تمتد يدها على أى قطعة ملابس من المعروضة، ملتصقة بتوجس بشمس التى تعبث فى علاقات الملابس حتى أخرجت قطعة منهم فى يدها والتفتت نحو أمل تتبادل معها الحديث ودقائق واقتربت ندى بأوشحة ملونة عرضتهم على أمل ثم انضمت لهم ياسمين يتبادلون الآراء ويحثون أمل على الاندماج

أجاب فاروق بتملك ومشاعر فياضة دون أن تفارق حدقتيه ملامح زوجته التى تحاول الاندماج بتوجس وخجل

:- عندك حج ... لكن لحين ما تجدر تتصرف لحالها وجلبى يطمن عليها هتفضل تحت عينى وحمايتى

ابتهجت مشاعر يوسف بإحساس فاروق العميق نحو شقيقته وحمايته لها وقال يمدحه ويشاغبه فى نفس الوقت لعلمه التام أنه لن يتوقف عن حمايتها أو حبها يوماً

:- أمل هتفضل طول عمرها فى عينيك وتحت حمايتك يا فاروق

حول فاروق نظره نحو يوسف ذاهلاً من صدق نبرة صوته وانشرحت ملامحه وهو يحرك رأسه مؤكداً وكأنه يقطع عهد على نفسه بحمايتها طوال حياته، زفر يوسف بعمق وقال بجدية

:- كنت عاوز أكلمك فى موضوع تانى

:- أتفضل أتكلم

ضم يوسف كفيه وناظر فاروق بجدية

:- بخصوص العقود اللى اتفسخت معاك أكيد ده عملك مشكلة مع العملاء بتوعك

لوى فاروق شفتيه بامتعاض وعاد إلى متابعة زوجته التى خرجت برفقة صاحباتها إلى محل أخر وقال بلا مبالاة

:- كل البلد عرفت اللى حُصل ... ولا يهمك أنا جدها وهتصرف

حرك يوسف كفه فى الهواء مؤكداً وعرض بجدية وعملية

:- أنا واثق إنك قدها ... وأنا بعرض عليك تاخد جزء من المحاصيل اللى اتفقت أصدرها من خلال مكتبنا فى القاهرة ... خد الى يسد الفجوة اللى حصلت معاك ... على الأقل ما تدفعش الشرط الجزائى وتوفى بعقدك مع المستوردين

انتبه فاروق بكامل حواسه مع كلمات يوسف ثم سأله بعد برهة بدهشة واضحة

:- رايد تعطينى الصفجات الخاصة بمكتبك ... كيف!! وأنت هتعمل إيه مع شركاتك ... وإيه اللى يخليك تضحى إكده!!

رفع يوسف حاجبيه ببساطة وجاوب ببسمة خفيفة مفسراً

:- مفيش تضحية ولا حاجة ... تقدر تقول إنى بقيت مسئول عن كل الصفقات اللى بتيجى من الصعيد للمكتب والحقيقة جلال وحسام ساعدونى وعرفونى على ناس كتير هنا قدرت أجيب منهم شغل

وضع كفه مفرودة على صدره مردفاً برجولة

:- وأنا كصعيدى أصيل باعمل زيهم ... وزى ما وقفوا جنبى أنا كمان هقف جنب جوز أختى وهساعده وده مش عيب لا ليا ولا ليك

تابعه فاروق ذاهلاً غير مستوعب كيف تتبدل أدوار البشر فى الحياة فيصبح الأعداء أقرباء متصالحين بكل ود، استطرد يوسف حديثه وهو يشير بسبابته نحو فاروق

:- وعلى فكرة ... فى كام مزرعة أنا عملت معاهم اتفاق مبدئ يعنى لو أنت أتممت الاتفاق معاهم محدش فينا هيخسر حاجة

أستند فاروق بظهره وكفه على السور المعدنى القصير خلفه وكفه الأخر يمسح على ذقنه وهو يتأمل ملامح يوسف الصادقة، ظهرت بسمة صغيرة على شفتيه وقال بامتنان كبير

:- أنت صُح صعيدى چدع ... أنا بشكرك على عرضك ده لكن ما تجلجش عليّ أنا عارف كيف أخد حجى بنفسى

مد كفه يربت على كتف يوسف بقوة ورجولة مردفاً :- شايلك لوجت عوزه يا خال العيال

رفع يوسف حاجبيه مستسلماً لرغبة فاروق ومد كفه مصافحاً فالتقطها فاروق بكل اعتزاز وشد عليها بحماس وإخاء

****************

بعد إنقضاء ما يتعدى الأربع ساعات سحب فاروق نفس طويل وأخرجه ببطء وارهاق من طول الانتظار، مسح على وجهه بكفيه بقوة ورفع رأسه إلى السماء مردداً بحرقة :- منك لله يا يوسف

لم يتحرك يوسف الذى يقف بجواره يرفع قدمه اليمنى إلى الحائط ويستند بظهره على الحائط خلفه مكتف الذراعين وقال بصوت ملول معاتباً :- قلتلك سيبك منهم ونقعد نشرب قهوة ... أنت اللى صممت نحرسهم

التفت فاروق بكامل جسده نحو يوسف ومد ذراعيه أمامه يشير إلى كم الحقائب البلاستيكية والكرتونية التى تحيط بهما وقال بتأفف

:- ولا كننا (كأننا) الشيالين بتوعهم ... كان مالى أنا يا ربى مرتى عمرها لا راحت ولا چات ولا طلبت شى ... رچوعك فتح عينيها على الدنيا وأدى النتيچة ... منك لله يا أخى

قهقه يوسف ضاحكاً بقلة حيلة وقال يناغشه :- جرب بقى شوبنج الستات يا باشا ... أنت خلاص مش هينفع ترجع للى فات

ملء شدقيه بالهواء ثم نفخ بامتعاض ودس كفيه داخل بنطاله بتململ ثم حول نظره داخل أحد المحال حيث تجمعت الفتيات بداخله

ضيق عينيه يتابع تحرك زوجته بالداخل وفجأة انتفض من مكانه حين وجد أحد الرجال يقترب منها وهى تقف بمفردها تعبث فى أحد الأرفف

تحرك باحتدام إلى داخل المحل ووقف لوهلة يتابع المشهد بعد أن اتضحت الرؤية من هذه الزواية، زوجته كانت تقف تستعرض ما على الأرفف وبجوارها شمس وفى زاوية أخرى ياسمين وندى يتحدثان سوياً بجدية

عاد بنظره مرة أخرى إلى زوجته فوجد الرجل يقرب منها أحد زجاجات العطر، اتسعت عينيه باشتعال حتى بعد أن تبين من ملابسه أنه أحد العاملين بالمكان وفجأة صدح صوته من خلف الرجل الذى أرتعب وانكمش على نفسه من صرامة الصوت بينما أجفلت أمل وتوترت من صوته الخشن

:- بتعملى إيه إهنا؟ ... وأنت رايد منها إيه مفيش حريمات بتشتغل إهنا تتعامل مع الحريم

تراجع الرجل خطوتين للخلف بتوجس وقال بصوت خافت مهتز

:- عفواً يا فندم ... بس أنا مسئول عن قسم الرجال

حول نظره نحوها بغضب وتسائل بعقل مغلق من الغيرة

:- وأنتِ رايدة إيه من جسم الرچال؟

ازدرت ريقها بتوجس واقتربت منه تحدثه بخفوت بينما ابتعد العامل بعيداً هارباً بجلده من ثورة الزوج الغيور :- كنت بشترى هديك لك يا فاروج

:- أنا مش رايد شى ... وبكفاية يا أمل بجى مفيش محل غير ودخلتوه فى المول ... بكفاية ونروح دارنا يا بنت الحلال

نثرت بعض من محتويات الزجاجة بيدها على جانب قميصه وقربت أنفها تستنشقه ثم نثرت فى الجانب الأخر من القميص من محتويات زجاجة أخرى واستنشقتها أيضاً تقارن بين العطرين وهى تقول بهدوء أمام نظراته الذاهلة :- خليص يا فاروج هى چات على هديتى لك ... عمرى ما اشترتلك هدية يا ابن خالى

راقبها وهى تعيد استنشاق العطر على ملابسه ثم أردفت تطلب مشورته :- إيه رأيك ... أنهو عطر أحلى؟

شبك كفيه أمام جسده وقال مستسلماً لبريق عينيها :- أختارى أنتِ ... مش بتجولى هدية

اتسعت ابتسامتها وهى تعانق مقلتيه الثائرة بحنان بحورها العسلية فهدأت الأعاصير داخلهما وهى تهمس له برقة نبرتها :- كل حاچة زينة عليك يا أبو الرچال

تنهد بخفة خاضعاً لسلطان قلبه وصاحبها أثناء قيامها بدفع فاتورة الحساب بنفسها بعد أن وقع اختيارها على العطر المفضل لها ثم تأبطت ذراعه بثقة وافتخار وهى تغادر المحل معه حاملة حقيبة بلاستيكية جديدة تضاف إلى مثيلاتها، سألته باهتمام أثناء تقدمهم نحو شقيقها عن أولادها

جاوبها بنفاد صبر وهو يحدق فى وجهها المشرق

:- الولاد لساتهم بيلعبوا .... ولادك ما صدجوا كل ما يعاودوا ويلاقوكم لسه بتتفرچوا فى المحلات وتشتروا يسحبوا منى جرشنات ويعاودوا يلعبوا من تانى

أخفت وجهها وهى تضحك برقة وقالت هامسة وكفها يشد على ساعدة بامتنان :- ربنا ما يحرمنا منك يا حتة من جلبى

لانت ملامحه بابتهاج وتحرك معها حيث يقف يوسف الذى هتف مرحباً بها بمبالغة

:- أهلاً بملكة المول المتوجة ... خلصتوا ولا لسه فى حاجة تانية؟

التفت نحو باب المحل التى خرجت منه ووقعت مقلتيه على شمس التى غادرت المحل بدورها تتبعها ياسمين وندى متأبطتان ذراعيهما ببعض بعد أن ابتاعوا ما يرغبون فيه، أجابته أمل برقة

:- خليص .. بكفاية اليوم

مالت على أذن زوجها تردف له وحده بهمس :- الجرشنات كلاتها خُلصت

أومأ برضا ورد بخفوت راضى :- فداكِ يا أم الرچال

انضمت الفتيات لهم حين قال يوسف ساخراً وهو يشير نحو أحد المحال البعيدة :- بس لسه فى محل هناك أهو لسه مدخلتهوش

تحولت نظراتهم إليه بلوم، تأبطت شمس ذراعه مجيبه بشقاوة

:- ده محل رجالى ... ما يلزمناش

غمز نحوها مشاكساً وداعبها هامساً فى أذنها ببعض الكلمات، سعل فاروق بخشونة وقال زاجراً :- يلا نمشى وأبجى أتحدتت براحتك فى دارك يا يوسف

تنهد يوسف ورمق فاروق بنفاد صبر قائلاً

:- يا أخى أنت بقيت عامل زى ضميرى ... ما أنا بعيد عن مراتك أهوه

كتمت أمل ضحكتها وأحمر وجه شمس خجلاً بينما تقدم فاروق نحوه يجذبه من ذراعه بعيداً عن النساء وقال زاجراً

:- أتحشم أنا واجف جدامك .. هتهزر وتتمسخر فى مكان عام كُمان ... يلا شيل الشنط ديه خلينا نمشى جبل ما يفكروا يشتروا حاچة چديدة

رضخ يوسف إلى كلامه وانحنى يحمل بعض من الحقائب بعد أن قال بقبول :- لا مؤاخذة يا أبو نسب ... وعندك حق خلينا نهرب بجلدنا من هنا

:- الولاد يا فاروج فينهم؟

تساءلت أمل بلوعة باحثة عن الأطفال، هاتف فاروق ياسين وبعد دقائق قليلة كانوا يركضون فوق السلم الكهربى هابطين، يحملون ألعاب وبرية صغيرة فى أيديهم ربحوها أثناء لعبهم

وهللوا وسط الجميع بسعادة :- شفتوا كسبنا ألعاب جد (قد) إيه

وفى لفتة لطيفة منهما قاموا بتوزيعها على الفتيات، أعطوا شمس دمية لطفل رضيع يحبو، تهللت أساريرها لها وهتفت فى وجه يوسف مستبشرة خيراً وهى تعرض عليه الدمية :- ولد يا يوسف .. ولد

ثم توجهوا إلى ياسمين ومنحها ياسين دمية لعروس صغيرة بملابس الزفاف رسمت البسمة والخجل على محياها أما ندى فكان لها نصيب الأسد وحصلت على دميتين لأرنب وفرس وقال ياسين موضحاً :- واحدة للأرانب اللى بتربيها والتانى المُهر بتاعى لاچل ما تعالچيه لما تتخرچى

هتف فارس بجوار شقيقه بحماس :- ومُهرى أنا كُمان

واختتموا الأولاد توزيع الهدايا بوالدتهم التى منحوها دمية لفتاة صغيرة ذات جدائل طويلة وفستان وردى اللون، نظرت إلى الدمية الصغيرة بسعادة وضمتها إلى صدرها بفرحة

احتواهم فاروق بنظره فخراً وتقديراً بينما هتف يوسف باستحسان يمدح أبناء شقيقته

:- يا سلام على ذوقكم يا ولاد .. صحيح الواد لخاله

زاوى فاروق بين حاجبيه وقال معترضاً :- واد مين اللى لخاله ... الواد لأبوه من لحمه ودمه ... خال إيه اللى طلعلهم من تحت الأرض على أخر الزمن ديه

ابتسم يوسف بجذل يشاكس فاروق وهو يتقدم معه حاملين الحقائب العديدة :- المثل بيقول كده ... هتكدب كلام الأجداد كمان

رمقه فاروق بنفاد صبر وحرك رأسه بقلة حيلة يخفى ابتسامة مرحة مستمتعة بمشاكسة نسيبه

******************

طوال طريق عودتهم إلى البلدة البهجة لم تغادر ملامحها تتأمل الطريق بثقة واستمتاع ثم تنظر إلى الدمية الوبرية الصغيرة التى أهداها لها ولديها وتداعب ضفائرها الصغيرة وبعد دقائق تنظر إلى زوجها بامتنان على مشاركته لها بمغامرتها الأولى، ملست بنعومة وحنان على ساعده الممتد أمامه قابضاً على المقود أثناء قيادته

أما هو فرغم إرهاقه فى هذه الجولة إلا إنه يشعر بالانتعاش والسعادة لسعادتها خاصة حين راقبها وهى تدفع ثمن بعض الأغراض بنفسها بتركيز بعد أن كانت مرتبكة وخجلة فى أول اليوم

عند وصولهم إلى دار السمرى هبطت من السيارة وبدأ الأولاد فى حمل الحقائب البلاستيكية المتعددة الألوان ثم تقدموا والديهما إلى الداخل

انتبهت فهيمة إلى عودتهم أثناء جلوسها بالقاعة الجانبية تتابع أحد المسلسلات العربية بعدم اكتراث ثم نهضت من مكانها إلى البهو حيث يجلس عدلى فى هدوء قطعه دلوف أحفاده بصخب حاملين عدد كبير من الحقائب

اتسعت مقلتى فهيمة وهى تقف على باب القاعة تتفحص عدد الحقائب الكبير ثم لوت شفتيها بامتعاض وهى تتفحص أمل التى دلفت متأبطة ذراع زوجها برأس مرفوع وملامح مشرقة، مصمصت شفتيها مرددة لنفسها "كنتِ فى چرة وخرچتِ لبرا يا بنت جمر"

ألقوا السلام على عدلى الذى رد السلام ببشاشة وهو يرى السعادة التى تغمرهما، أسرع أحفاده لتقبيل ظاهر كفه بعد أن تركوا الحقائب جانباً وتقدم فاروق من والده وانحنى يقبل كتفه باعتزاز ثم جلس بجواره

جلست أمل بمقعد قريب من خالها الذى قال بصوته الرصين

:- حمدالله بالسلامة ... إن شالله تكونوا انبسطوا

:- جوى جوى يا خال ... البركة فى فاروق ربنا ما يحرمنا منيه واصل

قالتها أمل بحماس مختلط بالخجل وهى تسترق النظر نحو زوجها، صدع صوت فهيمة من خلفهم بتذمر فالطبع يغلب التطبع

:- أتأخرتوا كتير جوى ... وجلجنا عليكم

ناظرها فاروق معللاً بهدوء :- مرة من نفسنا يا أمه

دست أمل يدها داخل حقيبتها وأخرجت علبة مستطيلة من القطيفة السوداء وقدمتها نحو خالها ببسمة رقيقة

رفع عدلى حاجبيه متفاجأ من هديتها بينما تأملها فاروق بفضول، تناول عدلى العلبة وفتحها يتفحص محتواها ثم رفع يده يخرج محتوى العلبة، سبحة من الفضة الخالصة تأملها بدقة وهز رأسه باستحسان وشكرها بامتنان :- يسلم ذوجك يا مرات ولدى ... ذوجك عالى صُح

فرد فاروق كتفيه يتباهى بزوجتك التى توردت وجنتيها من مدح خالها ثم نظرت نحو فهيمة التى مازالت تقف على باب القاعة تمط عنقها بفضول لتتفحص ما بيد عدلى

نهضت أمل والتقطت أحد الحقائب البلاستيكية من على الأرض ثم اقتربت من فهيمة وهى تفض محتويات الحقيبة وأخرجت من داخلها عباءة كشميرية فاخرة سوداء اللون مطرزة بدقة على الصدر والأكمام وقدمتها نحو فهيمة التى تأملتها بحيرة وقالت بنبرة هادئة رقيقة

:- أتفضلى يا أمه فهيمة ... أنا خابرة إنك بتحبى العبايات المطرزة

فردت العباءة أمام ناظرى فهيمة تعرضها عليها مردفة :- شوفى حلوة كيف ... كيف العبايات اللى بتچيبهم سحر من بلاد بره ويمكن أحسن كُمان

رفعت فهيمة مقلتيها عن العباءة تتأمل وجه أمل بتقاسيمه الطيبة وقالت بخفوت غير مصدقة :- ديه ... عشانى أنى

أومأت أمل ببساطة وبسمة رقيقة على وجهها بينما تعالى صوت عدلى المتابع للموقف من مكانه قائلاً بتلميح على طيبة قلب أمل

:- افهمى بجى يا فهيمة ... ما هو باين إنها مجاسك أهيه ... مبارك عليكِ

حولت فهيمة حدقتيها بين زوجها وابنها فاغرة الفم ثم استقرت حدقتيها على وجه أمل المنتظرة بصبر أمامها، وعلى حين غرة جذبت أمل إلى صدرها محتضنة إياها بود مرددة بجوار إذنها

:- ربنا يبارك فيكِ يا مرات ولدى

تنهد فاروق بعمق وراحة، يستشعر هدوء الأجواء ومد أواصل التفاهم بين والدته وزوجته وكل هذا بسبب قلب يمامته الأخضر

صاح الولدين مطالبين بنصيبهم من هذه الهدايا التى أغدقت بها والدتهم على الجميع، فالتفتت نحوهم وأشارت إلى حقائب معينة فبدءوا فى فضها وتفحص محتوياتها

نهض فاروق من مكانها وأتجه نحو زوجته وجذبها من مرفقها جانباً برفق بعد أن ابتعدت والدته نحو زوجها وهمس فى إذنها :- أنتِ صرفتى الجرشنات على الهدايا ... ونسيتى حالك

نفت كلامه مؤكده لتطمأنه

:- لاه يا أخوى اطمن ... اشتريت حاچات كتير لحالى وچبتلك عطر وتيشرت أحمر

:- أحمر!!

قالها باستغراب رافض هذا اللون ثم عاد يتسائل بهمس من جديد :- والبيچامات والحاچات التانية

شبت على أطراف أصابعها تكاد تخترق أذنه همساً حتى لايصل صوتها لغيره

:- چبت بيچامات وشورت كُمان

أخفت ثغرها بكفها خجلاً بينما لمعت مقلتى فاروق وتنحنح بخشونة وهو يجذبها معه :- أحنا هنطلع ننام بجى ... أنا تعبت من اللف والدوران

سحب زوجته فى يده وأتجه نحو الدرج وهو يشير لأولاده آمراً

:- طلعوا الشنط ديه فوج ... روحوا على أوضتكم طوالى

تبعه صوت والدته التى وقفت بجوار من زوجها تعرض عليه عباءتها الجديدة وقالت بنعومة وطيبة جديدة عليها

:- هبعتلكم العشا على أوضتكم

:- كتر خيرك يا أمه

قالها فاروق ثم مال على أذن زوجته هامساً

:- رايدك تچربى كل الخلجات اللى اشترتيها دلوك وخصوصى الشورتات

عضت شفتها السفلى خجلاً وقالت بحياء خافت

:- أتحشم يا فاروج ... ولا كانك عريس فى شهر العسل

أسترق نظره نحو أولاده اللذين سبقوه صعوداً وواصل همسه لوالدتهم :- طب ما أنا عريس وهفضل غرجان فى العسل طول ما أنتِ چارى يا ساكنة الفؤاد

*******************

أما فى دار البدرى فكان جلال وطه فى انتظار عودة الجميع، تخطت السيارة البوابة الحديدية ثم توقفت وبدأ الجميع فى الترجل منها

ساعد الحارس يوسف فى حمل الحقائب إلى الداخل بعد أن ألقى السلام على ابن عمه وطه ثم عاد إليهم

أما ندى فانتحت بياسمين جانباً بعد أن أفضت إليها بما فى جعبتها عن المعيد كريم ورغبته فى التعرف على الدكتور طه أثناء تجوالهم فى المركز التجارى ولم تلقى جواباً شافياً من ياسمين وفرصتها الأن فى حضور طه

فقالت بجدية وتلهف :- ياسمين هتكلمى دكتور طه بخصوص دكتور كريم ... هتبقى فرصة حلوة لو عزمته على الفرح مش كده

ناظرتها ياسمين بتعقل ووضعت كفها حول ساعد ندى تخاطبها برفق ومهادنة

:- ندى يا حبيبتى ... چلال وطه مشغولين لشوشتهم اليامين دول فى الاستعداد للچواز ... تفتكرى هيبجوا فايجين يتعرفوا على حد وسط الفرح

انغلقت ملامح ندى وزمت شفتيها ممتعضة بينما واصلت ياسمين نصحها باهتمام وجدية :- وبعدين هنجول إيه لطه ولا لچلال ... معيد ندى بده يتعرف على طه ... فى ألف وسيلة يجدر يوصل بيها لطه ... أيش عچب عن طريجك أنتِ يعنى

طأطأت ندى رأسها بإحباط وقالت مدافعة :- أنا كان قصدى بس يتعرفوا على بعض وآآآآ

قاطعتها ياسمين وقد استشعرت إعجاب ندى به قائلة بنصح

:- أوعاكِ تتعچلى فى مشاعرك ... جلبك غالى وما يستاهله غير الغالى وأنتِ لسه جدامك سنين دراسة طوال ... اصبرى واللى يصبر ينول وأديك شفتى بنفسك

ألقت نظره رضا وحب نحو طه الذى يتطلع نحوها من بعيد فى انتظارها بتلهف، أصغت ندى لحديث ياسمين بجدية خاصة أن مشاعرها مذبذبة نحو كريم وكل غرضها من هذا التعارف أن تتبين مشاعرها أكثر وتتأكد من مشاعره نحوها

رفعت مقلتيها وأومأت لياسمين بتفهم ثم تركتها مع خطيبها ودلفت إلى المنزل

****************

يجلس فى مقعد مفتوح من جذوع النخيل وأرائك خشبية داخل أرضه يحيط به عدد من المنتفعين وأصحاب المصالح وهو يتوسطهم على مقعد خشبى وثير منفرد، كفه فوق رأس العصا الفضية التى كانت تخص والده فى السابق والأخرى يستند بها إلى مسند مقعده وهو يتكلم وسطهم بخيلاء

يعدد محاسنه وقوة شكيمته وتفانيه لإعلاء اسم العائلة وبجواره يجلس حمدى بتأنق يضع شال صعيدى مزركش على كتفه الأيمن نافخاً أوداجه بين الجلوس خاصة حين ذكر والده سطوة وغنى حماه الجديد، تاجر الغلال واسع الثراء وقرب زواجه الذى سيكون حديث البلدة بأكملها

انضم إليهم ولده البكرى ناصر مكفهر الوجه، عابس الملامح رمقه والده بقلق واضح وبعد عدة دقائق حاول صرف ضيوفه بالذوق فقال يشكر فى نفسه

:- المهم أن كل چمعه هعمل چلسة تجدروا تحضروها وتشاركوا فيها برأيكم ... واديكم حضرتم بنفسكم الچمعه اللى فاتت وشفتوا كيف سمحت لأحمد ابن أخوى أنه يشارك فى الچلسة برأيه ... أنا راچل ديموقراطى وأعرف فى السياسة مليح

هتف أحد الحاضرين المدلسين يداهنه

:- صُح يا سعيد بيه ... كلاتنا شفنا رحابة صدرك وحُسن تصرفك حجك ترشح حالك للانتخابات عن دايرتنا

لمعت الفكرة فى عقل سعيد مغتراً بنفسه ورفع حاجبه باستحسان رغم أنه أظهر العكس مردداً باقتضاب رافض

:- ديه شيلة تجيلة جوى ... وأنا ورايا مسئوليات كتير بس أوعدكم هفكر ما دام ديه رغبتكم

أكد حمدى مادحاً والده بمبالغة

:- وهى الدايرة هتلاجى أحسن منيك يخاف على مصالح الناس يا حاچ سعيد

لم يشترك ناصر فى الحديث وظل على تجهمه حتى انصرف الجمع ثم قال بتأفف بعد أن سأله والده عن سبب تجهمه

:- كنت بلف على أولاد عمومنا أحاول أجنعهم (أقنعهم) ينضموا لينا فى عجود تصدير المحاصيل ... لجيتهم خايفين من عمى عدلى وفاروج .... خصوصى بعد المحامى بتاعه ما بعت إنذرات للى فسخوا العجود وهددهم بدفع غرامات كبيرة جوى بسبب فسخ العجود بدون سابج إنذار ... وبصراحة يا أبوى أنا مش فاضى لخدمة الخلج ديه كلاتها بدون مجابل ... بكفاية مصالحنا اللى شايلها كلاتها لحالى من غير مساعدة حد

ألقى نظره غاضبه نحو شقيقه الذى لا يعرف سوى تقاضى ربح الأرض ولا يساهم فى العمل، ترك سعيد عصاته واستند بذراعيه على مسند مقعده ينظر فى نقطة بعيدة أمامه يفكر فى حل، بينما تدخل حمدى يقترح بحماس

:- أنا أحل لكم المشكلة ... أنا كنت أعرف مصدرين كتير فى الچمرك أيام ما كنت بشتغل مع فاروج

لوى ناصر فمه بضحكه ساخرة وقال يسفه من حديث شقيقه

:- وهيعملوا إيه المصدرين دول ... هياخدوا الشغل لحسابهم ونطلع إحنا من المولد بلا حمص ... ده لو لجوا شغل من أساسه بجولك فاروج وجف فى وش اللى فسخوا العجود ودلوك الكل ممكن يتراچع ويستمروا مع فاروج على الأجل الموسم ده

اعتصر سعيد مساند مقعده الخشبية بغل وقال من بين أسنانه

:- يعنى مفيش فايدة فيك يا عدلى .. ولادك واجفين فى طريجى كيف اللجمة فى الزور

عبس وجه حمدى بغضب وعقل فارغ عن إيجاد حلول بينما قال ناصر بجدية وتعقل

:- الحج يا أبوى .. مكنش لازمن نناطح فى عمى عدلى

التفت له سعيد ساخطاً وهتف فى وجهه موبخاً

:- أنت هتجول إيه يا واكل ناسك أنت

زفر ناصر بحنق وخبط قبضته على مسند مقعده وقال بتفكير تاجر ينظر للربح

:- يا أبوى التاچر الصُح ميجيش يعض فى تاچر كبير ويده طايلة وله اسم فى السوج لأنه هو اللى هيبجى خسران ... وفاروج صيته واسع فى البلد وبيراعى مصالح العيلة فى النجطة ديه بالذات من سنين ومن غير مجابل كُمان ... حتى أنا كنت بلچأ ليه فى بعض الأمور وبيجضيها لى

ضيق سعيد عينيه وهو يناظر بكرى أولاده بنفور وقال بحقد دفين

:- جصدك إيه يا واد ... رايدنى أرچع فى كلمتى جصاد رچالة العيلة ولا أخسر جصاد عدلى وأرچع أجوله أنت الكبير يا أخوى ... خد الزعامة يا أخوى ... لاه مش هيحُصل واصل

صرخ بكلماته الأخيرة بانفعال واضح فتدخل حمدى يحاول تهدأه والده ومساعدته على الانتصار أمام عمه وأولاد عمه الذى ينظر إليهم بحقد وغيره أعمت قلبه

:- يا أبوى كيف ما جلتلك ... نچيب ناس يشيلوا الشغل بدالنا وناخد منيهم عمولة وأحنا الكسبانين ... ولما بجيت العيلة يشوفوا كيف نچحنا وصدرنا محاصيل الأربعة اللى حطوا يدهم فى يدنا الكل هيچرى ورانا بعد إكده

تابع شقيقه الأكبر الحديث بامتعاض صامت رافض لاقتراح شقيقه الفاشل والذى لا يدرى عن أمور السوق شيئاً بينما بدأ والده يفكر ويخطط وقال بتركيز

:- المهم دلوك محدش منهم يرچع للاتفاج مع فاروج ... لازمن نشدهم يكملوا أمعانا

التفت نحو ناصر وقال آمراً :- اتصل بالمحامى بتاعنا ... يشوف مخرچ فى حكاية الغرامات ديه ... وأنا هعملهم چلسة أواسيهم على ظلم ونكران چميل فاروج أمعاهم اللى بده يچرچرهم فى المحاكم

اتسعت ابتسامته بشر وهو يحيك خيوط مؤامرته لتدمير سمعة واسم شقيقه وأبناءه حتى يثبت جدارته بالزعامة

*****************************

Continue Reading

You'll Also Like

58.2K 1.2K 12
ركعت أمام قدميه خانعة تهتف بصوتها الباكي في رجاء يكسوه الجزع: _ أبوس ايدك سامحني يا ريان، عارفة اني غلطت وكان المفروض أعرفك من الاول، أرجوك ماتعرفش ح...
10.3M 252K 55
من بعد تلك المرة الوحيدة التى جمعها القدر به اصبحت من بعدها غارقة بحبه حتى أذنيها..قامت بجمع صوره من المجلات و الجرائد محتفظة بها داخل صندوق كما لو ك...
536K 13.2K 39
المقدمه 💜 سأمت من ذلك السجن الكبير الذي اضع فيه نفسي سأمت من سجن حبك سأمت منك سأمت من كلماتك المكرره وتأوهاتك المزعجة ساخرج الى عالمي ولكن كيف...
44.9K 889 36
كانا من عالمين مختلفين مثل المغناطيس يتنافران و يتجاذبان اما عن التنافر ف كان عندما اجبرتهما الظروف ع الزواج من أحدهما بالاخر اما عن التجاذب فصار عند...