1.بين الرذاذ

6.8K 152 29
                                        


كادينجو (أو كادنيا): الاسم السومري القديم لمدينة بابل - 3300 ق.م

كان النهار ينسحب ببطء، تاركًا خلفه لوحة ذهبية تُرسم على صفحة مياه نهر الفرات. النسيم العليل يداعب القصب الممتد على الضفاف، بينما ينعكس ضوء المشاعل الصغيرة التي نصبها المحتفلون على صفحة الماء، فتصبح كأنها نجوم تتراقص في الأعماق.

اجتمع الناس في دائرة واسعة، أصوات الضحكات تتعالى، ورائحة الخبز الطازج تفوح في الأجواء بينما يجري الأطفال بين المجموعات، يحملون في أيديهم أكواب فخارية مليئة بعصائر التمر والرمان. الموسيقيون، الجالسون على سجادات مزخرفة، يعزفون ألحانًا قديمة بأوتار العود والطبل، فتنبعث الألحان في الهواء كأنها جزء من النهر نفسه.

وسط الحشد، وقف شيخ كبير ذو لحية بيضاء، يروي قصة عن أبطال قدامى عبروا هذا النهر منذ آلاف السنين، عن الملوك الذين بنوا المدن العظيمة، وعن السحر الكامن في مياه الفرات التي حملت السفن، وسقت الحقول، وألهمت الشعراء. كلما ارتفعت كلماته، تمايل الحاضرون برؤوسهم وكأنهم يبحرون في أمواج الزمن نفسه.

وفي اللحظة التي اختفى فيها قرص الشمس خلف الأفق، انطلقت أصوات التصفيق والهتافات، وأضيئت المشاعل بقوة أكبر، معلنة بداية ليلة من الفرح والرقص والغناء، حيث أصبح نهر الفرات شاهدًا على احتفال اخر يُضاف إلى عامهم الجديد المدعو أكيتي و هو بداية السنة الجديدة بالتقويم السومري

لكن ، فجأة غطى صوت انفجار عالي على اصواتهم وقف الكل مفزوعين ينضرون الى مصدر الصوت واذ بهم يرفعون رؤوسهم لأنه و فجاة تحول ظلام الليل الذي خيم الى نهار! شهد الكُل انفجار اعظم نجم في السماء عند دخوله الحيز المداري للارض واذ بذلك الحطام مخلفاً ورائه ضوء ساطع تلاه رذاذ فضي لامع يتساقط بحرية على نهر الفرات و الاراضي المحيطة به وكأن السماء قد نثرت كنوزها على الأرض..ولم يختلف ذلك عن المُحتفلون المندهشون من هذا العرض السماوي المبهر الذي حدث للتو حيث غُطى الجميع ببريق لامع

اما المياه تحول لونها الى الفضي و كأنه استُبدل بنهر من الزئبق اللامع ، ليكسر جو الدهشة هذه صوت احدهم وهو يهتف بينهم " ان السماء تُبارك لنا عامنا الجديد . انظروا رغم الانفجار الكبير الذي حدث الا انه لم يتأذ احد منا "

ايده اخر من الجهة الثانية ليقول بدوره " اجل انظروا كيف اصبح كُل شيئ يلمع و مبهرج هيا دعونا نحتفل انها اشارة جيدة"

عاد الجميع لاحتفالهم لاكن هذه المرة ببهجة اكبر و كأنهم اخذوا موافقة السماء فعلا هذه المرة لتدق الطبول و تعزف الالات و تقام الرقصات ومع انتهاء تلك الليلة الفريدة عاد نهر الفرات الى طبيعته واختفى البريق من اجسادهم لاكنه لم يختفي من قلوبهم فظلت هذه الحكاية يتداولها الاجداد لأحفادهم والكبار لصغارهم حتى مرت الاعوام و العقود ... بل و القرون ايضا

الـمَوت المُتـنقلHistorias para obsesionarse. Descúbrelo ahora