وجه ابيض ، رأس أصلع ، عيون حمراء ، ملامح يتغلبها الإرهاق ، جسد هزيل جدا ، مظهر لا يوحي لجنس الإنسان الذي يتميز بهذه الصفات ، تفتح عينيها بصعوبة لتحاول استرجاع أنفاسها عبر أنابيب التنفس التي تغلق منخاريها ، تستجمع كل طاقتها لتجلس بإعتدال و تشرع بأكل طعامها ، تنظر تارة عبر النافذة إن كان هناك زائر قادم لها ، و تارة تكمل أكلها .
بعد أن أنهت شغلها ، وقفت بصعوبة و أمسكت بحامل المصل و بدأت تجره معها نحو المجهول .
...
تتوقف عند إحدى حدائق المستشفى ،و تجلس ثم تريح اعصابها لتهدأ ملامحها و يظهر الصفاء على وجهها ،
تبتسم تلقائيا على مظهرها الذي تحارب لإسترجاعه لحاله السابقة ، حيث قد كانت من اجمل الشابات في سنها ، و من اكثرهن تخلقا و نقاء ، ثم تأخذ دموعها الإنهمار كشلال لا يرغب بالتوقف ، ثم تمسحها براحة يدها لتتفوه بكلمات لا معنى لها " لم أعيش؟! و انا اتعذب هكذا" ثم تبكي بهيستارية لتعود بها الذكريات الأيام التي كانت تنعم بأسعد العائلات .
لكنها الآن وحيدة بوحشية فالجميع قد أدار ظهره لها معتقدا أنها الطريقة الوحيدة لجعلها ترقد بسلام غير مدركين بالألم الحقيقي الذي يعيش في أعماقها ، الألم الذي يجعلها تعيش كلما تغذى منها ، هي لا تعتبر نفسها إنسانا بل مخلوقا يعيش ليتألم ، مخلوقا يفتقر للأمل المنير ، مخلوقا يرغب بالتمسك بأوهام تجعله سعيدا لفترة محددة وحسب ، لكن هذه المصطلحات قد محيت من قاموس حياتها . غير أنها لم تفقد أملها في أمر واحد ، و هو أنه سيأتي شخص يخرجها من الظلام و يهب بها إلى النور ، شخص يشفيها من مرضها ، حتى لو لم يكن هذا واقعا ، بل على الأقل يشفي قلبها النازف . شخص يفلح بإسعادها و ينجح برسم السعادة و السرور على وجهها ، قررت الإنتظار و الإنتظار و الإنتظار حتى يأتي ذلك اليوم للقاء ذلك الشخص.
لكن لا يمكننا الحكم على هذا التوقع بالحقيقة ، فدائما لا يوجد من يدري المستقبل الا خالق الكون الشامل .
في صباح مشرق ، تسللت اشعة الشمس الدافئة الى وجنتيها بتداعب ، فاستيقضت ثم ابتسمت بألم و نهضت من فراشها تجر الانابيب العلاجية معها ، توجهت نحو الحديقة فجلست على احدى المقاعد نظرت الى ساعة مرفقها و قالت :"الثامنة و دقيقة يدخل العجوز لزيارة ابنته الوحيدة المريضة"
••
ثم وجهت نظرها نحو بوابة المشفى اذا به يدخل مبتسما بضعف ، اعادت نظرها الساعة و قالت :"الثامنة و ثلاثة دقائق يدخل الثنائي المحبوب لزيارة صديقهما" ، فشاهدت ثنائيان يشابكان يديهما و يتبادلان أطراف حديث بضحكات و هما ينظران لنافذة صديقهما و هو يلوح لهما مرحبا ، شعرت الفتاة بالغيرة كثيرا فهي بمثل سنهم و لا صديق لها ،
كررت نظرها الساعة و قالت :"الثامنة و ستة دقائق ، تقبل الطفلة الصغيرة لزيارة والدتها ، حاملة أكياس تحوي مختلف انواع الفاكهة " فإذا بها تدخل مسرعة تحمل الاكياس ، أسندت الفتاة رأسها على الكرسي و قالت :" انا اعرف كل لحظة تجري في هذا المشفى ، و احفظ كل حدث يجري آملة حدوث ذاك الحدث الذي سيغير حياتي ، لكن بلا جدوى " أغمضت عينيها فهربت دمعة من نهر عينيها نحو وجنتها فمسحتها بسرعة ،
YOU ARE READING
تلاشي...
General Fictionيقال ان المرضى المقدر عليهم الموت ، يحرمون من تجربة الحب حتى عند ارادتهم ، لكن هذه النظرية صحيحة أم لا...
