1

30 4 1
                                        

  
 في بريطانيا العظيمة
 
السماء صَافية والأجواء عليلة والشمس تنشر ضوئها ودفئها علي تلك الحديقة الجميلة، تتخللها أنواع من الشجيرات والنباتات الصغيرة منها والكبيرة.
يجلس بطلنا في ذلك الكرسي الخشبي وسط الحديقة، وهو يتصفح كتابه والرياح تداعب شعره الكستنائي الناعم، لينهض ويحزم أمتعته ويشق طريقه نحو منزله الخلاب، المشيد من الحجر، مطلي باللون الأحمر الصارخ ،ومزين ببعض الاواني الفخارية علي حافة النوافذ.
 تبعته أثار الضوء حتى أغلق بابه الخشبي وانحشر داخل سريره القطني وغطى في نوم عميق.
فإنتهت بذلك إحدى حلقات برنامجي المفضل.
فتحت فمي، لأتثائب وأفرك عينيّ بنعاس.
 رمقت جدتي، الجالسة علي كرسيها بجانب النافذة، تشاهد المارين في الشارع يفرون من الأمطار اليومية التي تحل علي بريطانيا.
كان ذلك برنامجها هي المفضل، إلى جانب الملاكمة.
 فتستمع بمناظرهم المضحكة وهم يسقطون في برك الوحل ويصارعون الرياح القوية التي لا تشبه في شيء تلك الرياح الخفيفة في برنامجي الملئ بالأوهام.
كانت إبتسامة ترتسم علي محياها ما إن ينزلق أحدهم على الأرض.
 فترفع ساقها وتضربها بيدها بخفة، وتمطر من بعدها عينيها البنيتين المجعدة من شدة الضحك، وتضرب كفيها ببعضهم، وتُطلق صفيرة من بين فوهها.
أشحت بنظري نحو التلفاز فأغلقته وهممت إلي فراشي، لألخلد للنوم.
حاولت إغلاق عنيني، إلا أن جفوني آبأت الطاعة.
نهضت وإتجهت إلى المطبخ.
لعلّ وجبة خفيفة وكأسٌ من الحليب الدافئ يحلان المشكلة!
وبالفعل، أدوا الواجب.
حيث غفوت على طاولة المطبخ.
كان مفعوله كالمخدر في جسدي.
توالت ساعات الليل حتى بزغ الفجر.
ولو كان عندي ديكٌ يصيح، لنقطعت أحباله الصوتية في محاولةٍ لإيقاظي!. وكأن أذنيّ غُطت بطبقة عازلة!.
إنفتحت جفوني ببطئ تستقبل ضوء الصباح.
وشاء القدر ان تقع عينيّ بعدها علي ساعة الحائط، لأنتفض ويتحول البطئ إلى سرعة تسابق سرعة الضوء.
هرعت نحو غرفتي أستبدل ملابسي هذه بملابس الجامعة.
وأكملت مسريتي نحو الخارج مودعاً جدتي.
قفزت هنا وهناك  بين بركات الوحل والأمطار مازلت ترافقني.
سلكت طريقي المختصر المعتاد كي لا اتأخر وكي لا أكون جزءاً من برنامج جدتي.
فهي حتسعد حتماً بحركاتي البهلونية.
مررت بأحياء وحارات قديمة لا توحي ببلاد متطورة، وقد كانت الأجزاء الغير مستحدثة من البلاد.
كانت المحلات التجارية والجملة منتشرة في الأرجاء. وكان هناك رجالًا يصرخون بسعر البضاعة وآخرون يعرضون بضاعتهم في لوحات.
يستوقفونني أحياناً ليمدونني ببعض الطعام؛ كوني لا أملك الوقت الكافي لتناول الفطور والتحصل علي الطاقة المطلوبة ليومي.
كما رأيت نساءًا جالسات يتابدلن أطراف الحديث وأخريات ينشرن الغسيل علي الحبال ويمسحن الأرضية، وأطفالاً يلعبون مع بعضهم وأصوات ضحكاتهم تسود المكان.
كثيراً ما تذكرني هذه الطريق ببلدي، فتتدفق مشاعر الحنين والشوق لها.
وصلت بعد فترة من نقاشات عقلي الباطني إلى الجامعة.
 بينما كنت ألتقطُ آخر أنفاسي، ألتفتُ لمجموعه الشباب الذين يحملقون بي، وقد وضعوا أيديهم في جيوبهم.
فوضعت أنا الآخر كلتا يداي في جيوبي، ونظرت إليهم بتحدٍ.
دام تحدي التحديق بضع ثواني، لأنطق بعدها بأول الكلمات:
" كيف كنت؟"
أرتطمت الكفوف ببعضها يليها همسات و ضحكات وعبارات التهاني.
إقترب مني مارلن، شاب بشعر مجعد أشقر وطول فارع وجسد ممشوق ينحدر عرقه إلى غرب أوروبا، إيرلاندا تحديداً.
ألصقت كفي بكفه وضلعي بضلعه ونحن نتبادل التحيات والحضن الحميم.
يليه حضن باقي رفاقي والذي لم يقل درجة الحميمية عنه.
كنا جميعاً من أصول مختلفة.
يوجد بيننا من هم شديدي السمار ومن هم شديدي البياض، ولكننا لم نترك للعنصرية مكاناً بيننا.
هتف مارلن بسعادة:
"إحترامي لك، لقد تجاوزت الإعصار بنجاح"
رفعت رأسي بثقة، فضحك الآخر.
لم يكن من الصعب عليه ترجمة أفكاري ونظراتي، فهو بطبيعة الحال أعز رفاقي.
ليس كأنه أكثر شخص يهتم بأمري، ويقف معي وقت الشدائد!
فكان كثيراً ما يستقلني بسيارته إلي الجامعة، لعدم قدرتي على إقتناء واحدة.
ولعلمه بأنني أدخر المال الذي اتحصل عليه من الدولة، لكوني لاجئ، لجدتي المريضة، كي أوفر لها الأدوية الازمة.
تجاوز لطفه ولباقته عندما عرض على فكرة ان أمكث معه، لتتسنح لي الفرصه بالعيش كباقي أقراني.
ذلك لاني محروم من كل وسائل التسلية التي تروق الشباب ولم تكن لتهمني طالما جدتي بجواري.
ولكنني فهمت إلى ما كان يرمي إليه.
 حيث كانت جدتي في صراع شديد مع الوباء الذي أخذ ينتشر في جسمها.
بمعنى آخر كان الموت ينتظرها!.
هززت رأسي مستطرداً هذه الفكرة ووافقت على عرضه بقلة حيلة.
إنتهى الدوام وغادرت من فوري مبنى الجامعة عائداً للبيت.
                                ***
وضعت يداي على عيني،ّ لأحجب أشعة الشمس، التي تشع بقوة على غير عادتها.
بادرت بأعمالي المنزلية مباشرةً.
فلم أشأ أن أحمل جدتي عبئاً آخر، ولم يكن تواليها على الطبخ إلا من طيبتها و حبها لي.
فكنتُ سأكتفي بأكل المطاعم أو الوجبات الخفيفة.
سال لعابي فور شمي لرائحة الطعام ووجدت قدماي يحملونني لا إرادياً نحو المطبخ.
وليثهم لم يفعلوا.
وصلتنى أصوات ضحكات مدندنة من المطبخ.
إنتابني فضول لمعرفة مع من تتبادل جدتي الضحكات والأحاديث في حين غيابي؟
حدقت بالمطبخ لفترة، فإذا بي لا أجد أحداً سواها التي ما أن رأتني حتى أمطرتني بكومة من الأسئلة عن حالي ودراستي.
لم تكن أسئلتها نافعة لمحو ما إلتقطه عيناي وأذناي قبل قليل.
على الأرجح لم تنتهى لعبة الأحداث الغريبة.
فكانت الشمس مشرقة والأن جدتي تحادث نفسها!
نسيت ذِكر إنها وصلت إلى مرحلة عصيبة من المرض حتى ظهرت بعض من أعراضه النفسية التي تطرقت لها مع طبيبها النفسي من قبل.
سيقدر الجميع إنهياري عندما يتعلق الأمر بجدة حنونة تعاني من إضطرابات نفسية نتيجة المأساة التي حلت بنا.
أكاد أقع مغشياً لو أن حالتها تطورت، مما يعني أن موتها على الأبواب!.
ولنختم لعبتنا هذا ما حدث بالفعل.
فلم تكون إلا أيام قليلة عندما إستقبلني الطبيب في إحدى المستشفيات الكبيرة، حيث دارت فيها جدتي علاجها في الأونة الآخيرة، يطلعني على هذا النبأ.
تقشعر بدني وغزت الدماء وجهي إلا إنني لم أنفعل.
يبدو إن جسمي قد كوّن مناعة ضد الموت من كثر ما شاهدت أمامي.
جلست محاذاة سرير جدتي الموصولة بأجهزة النبض والتنفس.
مسحتُ على رأسها وقبلته وأعتليتُ وجهي إبتسامة، لإضيف بصيص أمل لقلبها، بالرغم إني كنت أحوج إليه منها.
شددت على يدها وبدأت بسرد نسمة من الذكريات بداخلي.
كانت جدتي إمراة نبيلة حسناء، تعدّ المؤن أيام الحرب وتعتني بالمرضى، ذلك لأن أباها كان ضابطاً في الجيش. وعلى عكس معظم النساء حينها، كانت هي كثيراً ما ترافقه في سفراته.
 وودعها بعدها أثناء معركته إلى الأبد.
والأن حان دورها لتودعني وتودع العالم وتتركني له وحدي إلى الأبد.
رأيتها تحتضر أمامي.
يديّها المرتجفة هدأت، ورأسها إستقر في وسط الوسادة، وجفونها إمتدت حتى لامست أطراف عينيّها.
رددتُ عليها الشهادتين حتى نطقت بها شفتيها بصوتٍ خافت، ثم حل الصمت.
لم يستوجب علي رؤية جهاز النبض، لأتأكد بأن روحها صاعدت السماء.
طأطأت برأسي نحو الأسفل بأسى وإحمرت عيناي معلنةً سيل دموع على وجنتاي.
وما ان انتهى ذلك حتى أغرقتني معدتي في شعور من تأنيب ضمير وجلد الذات.
كم لُمت نفسي على تركها وحدها طويلاً.
 وعدم إكسائها بالإهتمام والرعاية كما وجب!.
                                          *** 
بعد حقبة من الزمن إجتزت حالة الضعف تلك وأقدمت على الخطوة التالية وهي التنقل للعيش مع مارلن.
 وكرست باقي تركيزي بالجنازة وحرصت على تلبية كل وصايا جدتي.
حضرت عائلة مارلن كاملة، ولأنني لا أملك احداً من أقاربي هنا، ولن يكون من السهل الخروج من بلاد إفترسها الإرهاب والخطر، إحتلوا هم مكانهم و شاركوني مشاعر الحزن والكآبة.
لا يسعني القول كم كنت ممتناً لهم!.
في المساء نُقلت جثة جدتي إلى أرضنا كما كانت وصايتها.
عادت بعد إجتيازنا الهم والشقاء وصبرنا على نقمة العيش وتذوُّقِنا لمرارة الغُربة تسكن في ثُراء الوطن.
أصّر مارلن أن أرجع معه للبيت، خوفاً من أن أقع مغشياً فعلاً.
لم أستبعد ذلك، فأنا في حالة يُرثى لها.
لكنني رفضت بأدب معتذراً برغبتي بقضاء آخر ليلة في شقتي وجمع حاجياتي. 
طمأنته بقدرتي علي تدارك الوضع.
ثم غادر بعد تحقيق بسيط عن حالتي.
دخلت شقتي مسلوب القوة والإرادة.
شعرتُ بدمائي تتخثر، وقلبي توقف علي ضخها.
 حتى إني خشيتُ أن أُصاب بجلطة دموية.
هذا ما كان ينقصني.
وكأنه لا يكفي ما أنا عليه الأن!
ألا يستطيع القدر أن يرفأ بحالي؟ ألا يستطيع النحس فراقي؟
هل رأيتهم براكيني الخامدة؟
لقد أنفجرت لتوها ونالت مشاعري حريتها الكاملة للسيطرة.
صليتُ صلاتي، ووقفت بين يديّ الرحمن، كطفل رضيع في حضن أمه، أدعو المغفرة لجدتي والرحمة لنفسي.
 ومن بعدها غرقت في نوبة بكاءٍ هيستيريه لم تشهد عينيّ بسببها الراحة قط في هذه الليلة المشوؤمة.

first class to the unknown Where stories live. Discover now