- سيتم الإشارة إليك بالسجين رقم 2500.
و هكذا، أنا كنت قد تجردت من أدنى حقوقي، و تعريت من هويتي، و أدركت في الحال مكانتي، تَبُتَث تهمتي و عليها فقدت حريتي، ما حصل كان بملئ إرادتي، و دوافعي لم تبرر تخلييّ عن إنسانيتي. إنه لمرعب كيف تتحكم المشاعر بالبشر، و تستلم القيادة متحدية القدر، القلب يحكم و العقل يخضع، يسيطر بمكر الثعلب و ذكاء الضبع، تخلخلت دواخلي بفعل مكر العالم، و تصدع بنياني و أعلن عن انهيار التلاحم، و لم تكن مشاعري إلا سلاحي الدائم، ما دمت أحيا و دقات قلبي على النبض تتزاحم، أحاسيس كالغضب على قلبي استولت، الرغبة بالانتقام على حياتي قد سيطرت، خضعت أنا و بعقل غائب و قلب جريح، لم أعش حياتي كما يجب و لا بشكل مريح، و ها أنا أمضي و الحياة تراني و تشاهدني بل و تُعَرّف عن نفسها أخيرا و كأنها لم ترافقني لخمسة و تلاثين عاما:
الحاء حلاوة تَمَتُّعِ المرء في دنياه دون الالتفات لأخراه.
الياء ينبوع العطاء و الشقاء لكل الأحياء.
الألف انتصارات و خسارات نعيشها ترفع شأننا أو تحطم أفئدتنا.
التاء تضارب و اختلاف آراء، تجعل من البشرية تتطور بسرعة، متخذة لقرارات غير قابلة للإلغاء.
لم يعد بإمكاني الإنكار، فأنا قد تجرعت الألم و تجشأت الشقاء، أناضل بآخر ذرات مشاعري من أجل البقاء، لم أتلقى كلمات كسأبقى معك في السراء و الضراء، فأنا أفضل مرارة الحقيقة على ادعاء النقاء.
الممر طويل و الشعور بالوحدة رهيب، لفحة من البرد أصابتني و على إثرها ارتعش كامل جسدي، لم أعتدني بهذا الضعف فما بالي؟
الساحة التي أساق نحوها فارغة إلا من مجموعة من الحرس متوزعين هنا و هناك، يداي المكبلتان المليئتان بالخدوش كانتا تستريحان وراء ظهري، اعتنق جسدي بذلة برتقالية اللون، ذات جيوب بيضاء الأطراف، و فوق قلبي مباشرة خيطت الأرقام التي تعلن عن جديد هويتي، و كأنهم يتعمدون إخباري أن قلبي لم يعد ملكي في اللحظة التي أعلن فيها تمرده على عقلي و وعيي كإنسان.
البوابات كثيرة و الانعطافات تجلب الدوار لمن يتخذها طريقا، أتساءل كيف يحفظون كل هذه التفاصيل المتشابهة؟
الهمسات مسموعة من الزنزانات، أشخاص ببنيات مختلفة و أعمار متباينة، شباب قد ميزهم و شيب ملأ رؤوسهم، تهم متعددة ارتكبوها و عقوبات متباينة استحقوها. لطالما تميزت و ها أنا أتميز من جديد، فبذلتي برتقالية على عكس جميع المساجين ذوي البذلات الزرقاء الغامقة و الجيوب ذات الأطراف السوداء، صدقوني لن أتعجب إن تميزت في طريقة موتي كذلك.
ترى ماذا يوحي الموت إليكم؟ بالنسبة لي، الموت
الميم مثالي كحقيقة أمام خدع الحياة و مكرها.
YOU ARE READING
مسلوب
Short Storyأسوء شعور قد تعيشه هو أن تسلب منك نفسك، و تغدو ملكا لرغبة قوية تكمن في أعماق قلبك، تحديدا بالركن و الزاوية السوداء منه، فتعيش مسلوب الحرية و سجين مشاعرك و أفكارك السوداوية. لكن، ماذا لو جاءك خبر باقتراب نهايتك؟ ليس على طريقة واحدة بل اثنتين؟ فأيهما...
