1

3 1 0
                                        

كانت أضواء المصابيح الشارعية قد بدأت بالاشتعال تباعاً، متقطعة عبر الضباب الخفيف الذي أخذ يتشكل مع هبوط سكون المساء، مطبقاً على الرصيف العريض الممتد أمام البوابة الحديدية الضخمة للجامعة، كانت الحركة قد خفت تماماً، ولم يتبقَّ سوى صدى خطوات متباعدة لطلاب يسرعون بالابتعاد نحو مواقف الحافلات، وصوت شاحنة تنظيف تمر بين الحين والآخر في الشارع.

وعلى الرصيف البارد أسفل شجرةٍ يابسة الأغصان، كانت لجين تجلس وحدها وتسند وجهها بيدها.

​كانت تضع حقيبة يدها الجلدية ذات العلامة التجارية الشهيرة على ركبتيها، وتضغط عليها بيدها الأخرى بقوة أدت إلى ابيضاض أطراف أصابعها، كانت أظافرها المعتنى بها بعناية تشد على جلد الحقيبة حتى كادت تخرقها، رفعت وجهها قليلاً، وأمالت رأسها نحو الخلف لتمنع دمعة حارقة من الانزلاق على خدها، لم تكن تبكي بصوت، ولا حتى بانتحابٍ ظاهر، بل كان خنقاً مكتوماً في أسفل حلقها، ورجفة صغيرة في ذقنها تحاول السيطرة عليها بكل ما أوتيت من قوة كلما مرّ أحدٌ ما.

لم تكن لجين تجيد البكاء أمام الغرباء، بالنسبة لها كان الضعف خطيئة لا تُغتفر، وإظهار الحاجه لعينٍ متطفلة هو بمثابة تجريدها من الدرع الوحيد الذي أتقنت ارتداءه طوال حياتها.

قبل أربع ساعات فقط، كانت حياتها تسير وفق المنطق الذي تعرفه دائماً، عالمٌ يدور حول رغباتها، وأُناسٌ يُسخَّرون لتلبية تلك الرغبات، لكن المنطق انكسر دفعة واحدة هذا اليوم.

بدأ الأمر قبل يومين، خلال حوارٍ حاد وشديد القسوة في الصالة المليئة بالقطع الفنية واللوحات الجميلة في منزل زوج أمها، كان الرجل قد فاض به الكيل من ترفعها الدائم، ونبرتها الآمرة وازدرائها المعلن لكل ما يقدمه لها، وحين وجه إليها اتهاماً صريحاً بالتفاهة والاتكالية وقلة مسؤوليتها، لم تتراجع، بل ردت عليه بصفاقة واثقة، واضعة إياه في مقارنة متهكمة مع والدها المتوفى، لم يصرخ الرجل، بل مشى بخطوات هادئة نحو الباب، فتحه واسعاً، وقال لها بنبرةٍ خالية من أي انفعال "هذا البيت لمن يحترمه فقط، اريني كيف ستتدبرين أمركِ بكبرياءِ والدكِ"

كبرياء لجين كان أكبر منه، فحزمت امتعتها وخرجت وهي تبتسم ساخزة منه، لقد كانت متأكدة أن الأمر لا يعدو كونه مسرحية لتهديدها، وأن أمها ستتصل بها خلال ساعتين لترجوها للعودة، لكن الهاتف ظل صامتاً حتى هذا الوقت.

وعندما شعرت بوطأة الشارع للمرة الأولى، اتصلت بسارة، صديقتها الأكثر قرباً في السكن الجامعي، دخلت لجين إلى الغرفة الصغيرة في السكن لا كملجأ، بل كملكة تجبر الجميع على استضافتها، ألقت بحقيبتها على سرير سارة، وبدأت تتذمر بلهجةٍ حادة من جشع زوج أمها ومن قذارة التاكسي الذي أقلها وعلى فظاظة الحارس الأمني الذي يقف بالخارج لانه طلب بطاقتها الشخصية، لكن سارة التي كانت تمر بليالي شاقة تحت ضغط امتحانات الكلية وفي غرفة ضيقة لا تتسع لغضب شخصين، لم تحتمل استعلاء لجين الدائم، وحين صرخت لجين في وجه سارة في هذا الصباح لأنها لم توفر لها منشفة نظيفة فوراً، توقفت سارة عن كتابة ملاحظاتها، ونظرت إليها بنظرةٍ أُشبِعَت من التعالي، ثم قالت ببرودٍ كاسر "لجين، أنتِ لستِ في فندق، ولستُ خادمتكِ، خذي حقيبتكِ وغادري .. الآن."

45Stories to obsess over. Discover now