شق أذان الفجر سكون قرية بلاتش، فتسلل صداه إلى البيوت العتيقة ذات الطابع الإسلامي، وتوهجت النوافذ بضوء المصابيح، بينما انفتحت الأبواب الخشبية المزينة بنقوش عربية عتيقة، وخرج الرجال من منازلهم بخطوات هادئة، مرتدين قمصانا سوداء موحدة. كانت قرية بلاتش تستيقظ قبل بزوغ الشمس، وكأنها تخشى أن يسبقها النهار.
في بيت صغير خشبي يقع عند طرف القرية، اعتدل منير من فراشه، ثم مرر كفه على وجهه يطرد ما تبقى من النعاس، وألقى نظرة حانية على ولديه، مصطفى وعبد الرحمان، اللذين كانا يغطان في نوم عميق. وقد تشابكت يداهما ببعض كما اعتادا منذ طفولتهما، ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، قبل أن يقطعها صوت طرقات متتابعة على الباب.
-منير، هيا ستقام الصلاة.
عرف صاحب الصوت قبل أن يجيبه، آدم شريكه في العمل بالحقل، الذي لم ينس يوما أن يمر عليه قبل صلاة الفجر.
أغلق منير الباب خلفه بهدوء، ثم سار هو وآدم نحو الأزقة الضيقة، التي بدت وكأنها لم تتغير منذ عشرات السنين. كانت البيوت متقاربة، تتشابه أبوابها الخشبية المزخرفة بنمط موحد. وعلى جانبي الطريق اصطفت أشجار الزيتون والليمون، وتتسلل إلى أنوف المارين رائحة الخبز الساخن الذي تصنعه أمهات بلاتش، مع نسمات الهواء المنعشة التي ترطب نفوس المارين.
تبادل الرجال التحية بصوت خافت، وكل منهم يشرع في الدخول إلى المسجد، لم يكن أحد يرفع صوته أو يتغيب عن موعد الصلاة، حتى الصغار كانوا يسيرون مع آبائهم بهدوء اعتادوه منذ نعومة أظافرهم.
ما إن انتهت الصلاة، تفرق الرجال نحو أعمالهم، فمنهم من يعمل في الحقل، ومنهم من انصرف إلى رزقه الخاص. بدأت خيوط الشمس الذهبية تنعكس على قرية بلاتش لترسم بذلك لوحة فنية عتيقة، شرع العمال في أعمالهم، فكل واحد منهم يعرف مكانه ولا يحتاج إلى توجيه ومن بينهم منير وآدم.
في الحقل أخذ منير وآدم أدواتهما وباشرا في عملهما بصمت مهيب، انغرست المعاول في الأرض بإيقاع واحد، لم يرتفع صوت حديث ولم يتوقف أحد لمسح عرقه أو يرتاح من مشقة العمل. كان الرجال يزرعون ويحصدون المحاصيل فور نضوجها، أما النساء فكن يقطفن الزيتون وحبات الليمون ويضعنها في صناديق مخصصة ثم يحملها الرجال لمسافة طويلة نوعا ما نحو الشاحنة التي تحمل البضائع متجهة إلى السوق والقرى المجاورة لبيعها.
وعلى الجهة الأخرى من القرية سار الأطفال بوتيرة موحدة نحو مدارسهم يرتدون مآزر رمادية اللون فوق ملابسهم الباهتة. خلا الطريق من ضحكات الأطفال التي اعتادتها القرى الأخرى. حتى بدا الأطفال أكبر من أعمارهم، يسيرون بوجوه جادة. وكان من بين الأطفال طفل يغلق أزرار مئزره بصمت. وإذ به يتعثر بحجر صغير ويسقط على الأرض، انغرس الحصى في جلده، وبدأ خيط رفيع من الدم يسيل على ساقه، نهض مسرعا ونظر حوله بخوف من أن هناك شخصا ما رآه. التفت إلى أصدقائه فوجدهم ينظرون له بخوف ويهرعون نحو المعلم الذي ينتظرهم أمام البوابة دقق في وجوههم ثم أمرهم بالدخول إلى القسم. سار الطفل بخطوات مثقلة يعرج برجله اليسرى كأنه عجوز هرم لا يقوى على الحركة، قبض كفه بقوة من شدة الألم. رمقه المعلم بنظرة حادة ثم اقترب منه وحدق في وجهه طويلا، ثم قال بهدوء: بعد انتهاء الدوام... ستبقى.
YOU ARE READING
بلاتش
General Fictionفي بعض الأماكن... لا تُدفن الأسرار تحت التراب، بل داخل البشر. تبدو بلاتش قرية هادئة كما لو أن الزمن نسيها. وجوه مطمئنة، شوارع صامتة، وعيون تخفي أكثر مما تقول. لكن خلف هذا الهدوء، هناك شيء لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. ومع وصول غريب إلى القرية، تبدأ...
