We've updated our Content Guidelines.
Review the latest guidelines to keep sharing stories safely.

"تنكر المستحيل..

6 2 3
                                        

البارت السابع:

​وقف الجد حسن بكل هيبة وشموخ، وكأن سنين الدهر ما هزت له شعرة، وعيونه تطلق شرار بوجه ذولاك الثلاثة من عصابة المافيا الواقفين على العتبة. الرجال صاروا يطالعون فيه بغضب وحقد، وواحد منهم تقدم خطوة لقدام يبي يتطاول أو يمد يده، بس الجد ما اهتز أبداً، بل رفع صوته بحزم شديد ونبرة واثقة ترعب الصخر وتوقف الدم بالعروق:
​"اسمعوا يا أشكال السوء ويا ربع الخيبة! طرقة بابي هذي آخر مرة تكون بأدب، وإن ما ضلفتوا وعطيتوني عرض أكتافكم الحين.. والله لأسوي اتصال واحد بس.. وأخلي الأمن والشرطة يطوقون الغابة هذي ويجمعونكم طقازة وراء القضبان، ولا يبقى منكم إلا ريحتكم! قدامي.. انقلعوا من وجهي يا وجوه القرف!"
​تبادل الثلاثة نظرات الخوف والارتباك، وشكلهم تذكروا أن المنطقة ماهي فاضية أو أن الشايب وراه ظهر قوي وكلمته مسموعة، فالتفت أحدهم وهو يغلي من القهر، ويصارخ بصوت واطي وهو يسب ويلعن:
​"طيب يا شايب الغفلة.. هين! والله لنرجعلك ولانخلي البنت تنفعك، اصبر علينا بس!"
​وبصوت خطوات سريعة ومرتبكة، هربوا وركضوا راجعين لسياراتهم، ومشت بهم الظلال بعيداً عن البيت وكأنهم مجانين هاربين من مصيبة.
​أما داخل البيت، فكانت شذى قاعدة بزاويتها، ودموعها تذرف بحرقة شديدة وتشهق بقوة من شدة الخوف والهلع اللي ههد حيلها. فجأة، التفتت على الجد حسن وصارت تبكي أكثر وكأنها تبي تطلع كل قهر الدنيا بصوتها، وقربت منه وهي تمسك طرف ثوبه وتقول بصوت منكسر يقطع القلب:
​"يا جدو.. يا روحي أنت! شفيك؟! خفت عليك والله! حسيت نفس اللحظة المرعبة يوم هجموا على جدتي الله يرحمها.. ويمان اللي مدري وش صار بحاله! كل الناس اللي أحبهم ولا أعزهم يصير فيهم بلاء بسببي! أنا نحوسة.. والله إني مصيبة تمشي على الأرض، كل من تقرب مني تضر بسببي، المفروض أطلع وأفككم من شرّي وأريحكم مني ومن بلاويي!"
​ابتسم الجد حسن ابتسامة دافئة تملؤها الحكمة والسكينة، وقعد يهديها بحنان، يمسك يدها المرتجفة ويجلسها جنبه على الفرش. وعشان يخفف عنها هذا الثقل والنكد كله، صار يسولف لها ذكريات شبابه والمواقف المضحكة والهبل اللي صار معه بوقت مضى، وصار يقلد صوت بعض الشخصيات القديمة بطريقة طريفة ومضحكة لدرجة أنه قلب الحزن نكتة، فصارت شذى -رغم دموعها اللي على خدودها- تبتسم غصب عنها، وتضحك بصوت خفيف وهي تمسح خشمها بكمها وتقول من بين دموعها وضحكتها:
​"يا حليلك يا جدو، آآآخ بطني! حتى وأنا بنص مصيبتي وعصابة المافيا تطاردني قدرت تخليني أضحك! تصدق كأنك تسولف علي كني طفلة صغيرة تنسى همها بلعبة حلاوة؟ يا شيخ والله إنك تفهم النفسيات أكثر من أخصائيين التنمية البشرية!"
​ضحك الجد بصوته الهادئ المريح وقال وهو يربت على كتفها:
​"يا بنتي، الدنيا ما تستاهل دموعك هذي كلها، والهم مثل السحاب، يظل مظلم فترة لين ينجلي وتطلع الشمس من جديد. أنتِ مو نحوسة، أنتِ مظلومة ومكتوب عليكِ تختبرين هالشدة عشان تصيرين أقوى، وعشان تعرفين معدن الرجال الحقيقيين من عيال الحرام!"
​لكن شذى، بعد هدوء قصير واستراحة، رجعت لها الفكرة السوداوية وتغير وجهها بجدية تامة كأنها تذكرت مصيبة جديدة. هزت راسها بقوة وقالت بحزم وعينها تلمع بإصرار غريب يخوف:
​"لا يا جدو.. الكلام حلو وجميل، بس الواقع مرّ ويدمر! الحين مو بس ياسر الحيوان اللي يلحقني، صاروا عصابة المافيا الكبار يدورون علي! لو جلست هنا، راح أعرض حياتك وحياة الناس للخطر، ولو طلعت كبنت، بأول زاوية بيلقون طريقي ويخطفوني.. مالها إلا حل واحد لا غير!"
​استغرب الجد وقال باستنكار وعيونه معلقة عليها:
​"وشو هالحل يا بنتي؟ تكلمي، لا تخلي قلبي يوقف!"
​تنفسَت شذى بعمق، وقالت بكل جرأة وثقة:
​"بِتَنكّر! بصير ولد!"
​فتح الجد عيونه على وسعها من الشجاعة والجنون اللي في كلامها، وصاح برفض قاطع ومطول:
​"مجنونة أنتِ؟! وشو تتنكرين ولد؟! وين حنا بمسلسل كرتوني ولا فيلم هندي؟! وبعدين من وين لك ملابس رجال، وشلون بتغيرين شكلك وصوتك وطولك؟! مستحيل! أرفض هالشي رفض تام! أنتِ قاعدة تخرفين من كثر الخوف، شكلك الطين أثر על مخك!"
​أصرت شذى بعناد غريب، وقالت وهي تضرب كف بكف وتتحرك بالغرفة يمين ويسار:
​"يا جدو اسمعني زين! أنا تعبت من حياتي وأنا ضعيفة وخايفة! طول عمري وأنا بنت متخبية ورا أهلي ورا جدتي.. اليوم فهمت، لو ما ساندت نفسي بنفسي، ما راح يفيدني أحد بهالدنيا! تكفى.. حتى لو ما عندي ملابس الحين، ندبر أي شي، أقص شعري بالمقص، ألبس أي ثوب قديم عندك، المهم أقدر أطلع وأمشي بين الناس وأنا مأمنة نفسي، تعبت أكون الضعيفة اللي الكل يطاردها ويكفخها!"
​وقف الجد بوجهها بحزم وأبوة صادقة، وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش أبداً:
​"اقعدي بس! لا قص شعر ولا تنكر ولا خرابيط فاضية تفشلنا! أنتِ تبقين هنا بداري، ومثل ما طردت ذولاك بطرد غيرهم، وأنا بنفسي الحين بتصل بالشرطة الثقات وببلغ عنهم كلهم، وياسر وغيره بينرمون بالسجن لين يندمون على اليوم اللي فكروا فيه يمسونك بسوء. أنتِ بنتي وما راح أطلعك وأنتِ بهذه الحالة لو شنو صار!"
​ظلت شذى ساكتة، تناظر بعيون الجد المليانة حرص وحنان وخوف عليها، بس عقلها كان يدور بألف فكرة وفكرة، تحس إن الخطر أكبر من مجرد بلاغ بالشرطة، وإن الأيام مخبياة لها مفاجآت ما تنبئ بخير أبداً، وكانت بداخلها تفكر بأسوأ الاحتمالات.. كيف تنجو بنفسها بدون ما تعرض هالشايب الطيب لأي أذى؟

توقعاتكم ايه  وهل حقن روايتي مختلفه يله حبايبي اشوفكم على خير

You've reached the end of published parts.

⏰ Last updated: Jul 25 ⏰

Add this story to your Library to get notified about new parts!

​"وعدتُ نفسي ألا أحب.. فخانتني عيناي"Stories to obsess over. Discover now