كان المطر يجلد أرصفة مدينة برلين بقسوة، محولاً الشوارع الضيقة إلى متاهة من الانعكاسات الباهتة لأضواء النيون الصفراء. لم تكن الليلة عادية، بل كانت تحمل ذلك الثقل الخانق الذي يسبق الكوارث. في أحد الأزقة الخلفية المظلمة، البعيدة عن صخب السائحين، كان هناك صوت أنفاس متقطعة ومذعورة تمزق سكون المطر.
كان يركض.
جسده النحيل كان يرتجف، ليس فقط من برودة الطقس، بل من الأدرينالين الرعب الذي يسري في عروقه. يده اليمنى كانت تضغط بقوة على جرح ينزف بغزارة في جانبه الأيسر، محاولاً منع دمائه من السقوط على الأرض المبللة لتتبع أثره، بينما كانت يده اليسرى تعتصر قطعة معدنية صغيرة.. فلاشة مشفرة ذات لون ذهبي تلمع تحت الضوء الخافت.
تعثر وسقط على ركبتيه فوق حافة الرصيف، لتختلط دماؤه بمياه المطر الجارية. استند بظهره إلى الجدار الطوبي البارد ليلتقط أنفاسه، بينما كانت عيناه تدوران بجنون في زوايا الزقاق.
كان يعلم أن وقته ينفد، وأن الذي يلاحقه أسرع من الموت نفسه.
بأصابع ترتجف ومغطاة بالدماء، أخرج هاتفه المحمول من جيب سترته الواقية. الشاشة كانت غارقة بقطرات الماء، مما جعل التحكم بها أمراً شبه مستحيل. مسح الشاشة بكم سترتة بسرعة، وضغط على زر الاتصال السريع لرقم واحد.. رقم لم يكن يتوقع يوماً أنه سيضطر لاستخدامه في ظروف كهذه.
وضع الهاتف على أذنه، وقلبه ينبض بعنف يكاد يمزق صدره.
طنييين.. طنييين..
"أرجوك.. أجب.." همس بصوت مبحوح، والتفت لينظر إلى مدخل الزقاق. شعر بحركة غير طبيعية وسط الضباب والمطر.
انقطع صوت الرنين فجأة، وتحول إلى صوت خط مفتوح، صمت عميق من الطرف الآخر لم يقطعه سوى صوت أنفاس هادئة ومنتظمة.
"سـ.. سيدي.." نطق الرجل لاهثاً، والدموع تختلط بالمطر على وجنتيه. "لقد وجدتها.. الفلاشة الذهبية معي.. المعلومات حول 'بروتوكول الصفر' حقيقية.. إنهم يخططون لـ-"
قبل أن يكمل كلمته الأخيرة، وقبل أن ينطق بالسر الذي سافر عبر القارات من أجله، انطلق صوت طنين خفيف جداً.. صوت كاتم صوت احترافي اخترق سكون المطر الشديد.
تصلب جسد الرجل في مكانه. عيناه جحظتا بذهول وهو ينظر إلى صدره، حيث ظهرت فجوة صغيرة يتدفق منها اللون الأحمر القاني. تلاشت القوة من أطرافه دفعة واحدة، وسقط الهاتف من يده الارتعاشية ليرتطم بالأرض المبللة.
YOU ARE READING
Shadow Hymns: Protocol Zero
Poetryبين تفاصيل شفرة مستعصية، ونصال تشتعل بالانتقام، وثقة مهتزة تُوضع على المحك، يجد الثمانية أنفسهم مجبرين على خوض "رقصة رصاص" جديدة. لكن في هذه الحرب الدولية.. الخطأ الأول يعني السقوط الأبدي، و"بروتوكول الصفر" لا يرحم أحداً.
