خرج مايكي من شقته في ذلك الصباح دون أن يشعر بأي إشارة تنذر بما سيأتي. كانت السماء صافية كعادتها، والهواء يحمل رائحة القهوة المحمصة التي اعتاد أن يستنشقها كل يوم وهو يقترب من المقهى الذي يعمل فيه منذ سنتين. فتح الباب الزجاجي، وسمع الجرس الصغير يرن كما يرن كل صباح، وحيّا زملاءه بابتسامة معتادة لم يخالطها أي قلق.
مرّت الساعات الأولى بشكل طبيعي تمامًا. أعدّ الطلبات، تبادل النكات المعتادة مع الزبائن الدائمين، ولم يلاحظ شيئًا مختلفًا في نظرات من حوله. لكن عند الظهيرة، استدعاه المدير إلى المكتب الصغير الملحق بالمطبخ.
جلس المدير خلف طاولته، ولم يرفع عينيه عن الأوراق أمامه للحظات، ثم قال بصوت جاف لا يحتمل النقاش:
"مايكي، انت مرفوض."
توقّف قلب مايكي عن إيقاعه المعتاد للحظة.
"ل... لماذا؟؟"
رفع المدير عينيه أخيرًا، نظرته لا تحمل أي تردد.
"لأنك لا ترى عملك، وأيضاً جائني خبر بسوء معاملتك مع الزبائن"
شعر مايكي بالأرض تميل تحته قليلاً. "أنا؟؟"
"نعم. جاءني خبر من عدة موظفين شكاوي"
كرر مايكي الجملة في ذهنه، "عدة موظفين"، وكأن الكلمات نفسها تسخر منه. أطبق شفتيه، وابتسامة باهتة ومريرة رسمت نفسها على وجهه دون إذنه، بينما تردد في داخله اسم واحد لا غير:
"عدة موظفين... بالتأكيد تقصد كيساكي."
وهو يسير عائداً إلى منزله، مثقلاً بخيبته وبصورة كيساكي التي لا تفارق ذهنه، لاحظ مايكي ظلاً يقف عند زاوية الشارع الضيق الذي اعتاد أن يسلكه كل يوم. توقف للحظة، ثم تابع سيره ببطء أكبر، وقد شعر بشيء غريب يتسلل إلى صدره - ذلك الإحساس الذي ينذر بأن شيئًا ما على وشك أن يتغير.
اقترب الظل أكثر، وتبيّن أنه رجل يقف تحت ضوء عمود إنارة خافت، لكن وجهه ظلّ مغمورًا بالعتمة رغم قربه من الضوء، وكأن الظلام نفسه اختار أن يحميه من العيون. قال الرجل بصوت منخفض هادئ، لا يحمل أي انفعال:
"أتريد أن تعود إلى عملك؟"
جفل مايكي وتراجع خطوة إلى الوراء. "من أنت؟؟"
ابتسم الرجل الغامض - أو هكذا خُيّل لمايكي من نبرة صوته، إذ لم يستطع رؤية ملامحه.
"هل من المهم حقاً أن تعرف من أنا؟ ام من المهم أن تعرف ما افعل؟"
تردد مايكي، أحس بجفاف مفاجئ في حلقه. "إذًا ماذا تفعل؟"
صمت الرجل لحظة، كأنه يزن كلماته بعناية، ثم قال:
"إذا كنت مهتماً تعالى عند الضريح في الساعه العاشرة مساءً"
ثم استدار الرجل دون أن ينتظر ردًا، وابتلعه الظلام بين الأزقة، تاركًا مايكي واقفًا في مكانه، يحدّق في الفراغ الذي كان يشغله ذلك الغريب قبل لحظات، وفي ذهنه سؤال واحد يتردد بلا توقف: هل يذهب؟
دخل مايكي شقته الصغيرة، تلك الشقة التي اعتاد صمتها أكثر مما اعتاد الحديث فيها. لا صوت يستقبله، لا أحد ينتظره خلف الباب. أغلقه خلفه بهدوء، وترك حذاءه عند المدخل دون أن يهتم بترتيبه كعادته، فقد كان الإرهاق قد استنزف منه حتى أدق التفاصيل التي طالما حافظ عليها.
ألقى بجسده على سريره، ذلك السرير الذي كان الشيء الوحيد المريح في يومه بأكمله. حدّق في السقف، حيث تراقصت ظلال خفيفة أحدثها ضوء الشارع المتسلل من بين الستائر غير المُحكمة الإغلاق. كل شيء كان هادئًا في الخارج، لكن رأسه كان ساحة صاخبة من الأسئلة.
مَن ذلك الرجل؟ كيف عرف بأمر عمله؟ ولماذا الضريح تحديدًا، ذلك المكان المهجور الذي لا يقصده أحد بعد حلول الظلام؟
قلّب السؤال في ذهنه مرارًا: هل يذهب؟
جزء منه، الجزء العاقل والحذر، كان يهمس بأن كل هذا لا يعدو كونه فخًا أو مزحة سيئة، وأن الأجدر به أن ينسى الأمر برمّته ويحاول غدًا البحث عن عمل جديد. لكن جزءًا آخر فيه، أنهكه الرفض والشك في كيساكي والوحدة التي تملأ هذه الغرفة الصغيرة، كان يتوق لأي إجابة، لأي تفسير يخرجه من دوامة يومه العبثي.
نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط. كانت عقاربها تقترب ببطء من التاسعة.
تنهد مايكي بعمق، وأغمض عينيه للحظة، وكأنه يستجمع قوة لم تعد موجودة، قبل أن يهمس لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع:
"لا خسارة أكبر مما خسرتها اليوم.... "
YOU ARE READING
إستبداد
Mystery / Thrillerينتقل مايكي من شاب عادي يعمل في مقهى إلى رجل من رجال اكبر عصابه مع اكثر شخصيه كان يكرها و يحارب مع وضد الجريمه في نفس الوقت
