الفصل الاول: بداية

60 1 0
                                        


الظلام.
هذا كل ما أتذكره من السقوط.
ظلام كثيف، خانق، كأنه لا يحيط بي من الخارج بل يزحف من الداخل - يبتلع أفكاري فكرة فكرة، و يطفئ مشاعري واحدة تلو الأخرى. وبين الظلام وما جاء بعده... هدوء.
الهدوء المخيف. الهدوء الذي يشبه الموت.
ثم... لا شيء.
استيقظت على ألم حاد يعلو في جسدي كموجة.
فتحت عيني ببطء، بصعوبة. ضوء الشمس يتسلل بين أوراق الأشجار فوقي، يرسم بقعاً ذهبية على الأرض، كأن الغابة تلعب بالنور.
رائحة التراب الرطب. عشب طازج. أزهار برية لا أعرف اسمها.
حاولت النهوض. جسدي يؤلمني، لكن لا كسور.
'أين... أين أنا؟'
نظرت حولي.
غابة. غابة حقيقية - أشجار خضراء كثيفة، جذوعها بنية سميكة كأعمدة معبد قديم. نباتات متسلقة تلتف حول الأغصان كأيدٍ تتشبث. أزهار صفراء وحمراء تتناثر بين الشجيرات كأنها لم تسمع بشيء اسمه خوف.
زقزقة طيور في الأعلى. طنين حشرات. حفيف أوراق في نسيم خفيف.
حياة.
'كيف...؟ كنت في الصحراء. رميت في الصدع. كان يفترض أن أموت.'
نظرت إلى السماء بين فجوات الأشجار. سماء زرقاء صافية. سحب بيضاء تتحرك ببطء، غير مبالية.
'هذا... لا يمكن.'
سقطت في الصدع. في ظلام مطلق.
لكنني هنا. في غابة. تحت سماء مفتوحة. وجسدي - يؤلمني نعم، لكنه يتنفس و غير مصاب.
"أين أنا بحق الله؟"
حاولت الوقوف، استندت إلى جذع شجرة. ألم حاد انفجر في ضلوعي ثم خفت بسرعة غريبة.
'يجب أن أجد ماء. مأوى. خطة.'
أوقفتني خطواتٌ.
خطوات على يساري. ثقيلة. متأنية.
تجمدت.
توقفت الخطوات.
صمت.
فقط زقزقة الطيور. طنين الحشرات.
'مجرد... حيوان؟'
الخطوات مرة أخرى. أقرب.
قلبي بدأ يخفق بقوة.
"من هناك؟"
لا جواب.
ثم خرج.
من بين الأشجار. ببطء. كأنه يعرف أنه لا يحتاج للتسرع.
*غزال.* لا... شيء _كان_ غزالاً.
جسده أطول من الغزال العادي قليلا، جلده عبارة عن وَبَر رمادي. أقدامه طويلة نحيلة، تنتهي بحوافر سوداء صماء. قرونه مستقيمة، مدببة كرماح، لونها كالحبر الجاف.
وعيونه...
*عيونه غير موجودة.* كأنه لم يكن لها وجود قط. رفع وجهه نحوي. وأحسست - أحسست - أنه يراني.
*وهدر.*
صوت لم يصدر من حنجرة حيوان. صوت صدر من شيء أعمق - من جوف الأرض، من مكان لا اسم له.
الطيور صمتت فجأة. الحشرات توقفت.
الغابة كلها... سكتت.
"لا... لا لا-"
اندفع.
تدحرجت جانباً، بينما علقت قرونه في الشجرة خلفي.
"يا الله!"
نهضت وركضت. قدماي تتحركان أسرع مما عرفتهما قط - لكن ليس بما يكفي.
الوحش انتزع قرونه من الخشب. استدار ببطء. واثق.
'فكّر يا مسعود. فكّر وأنت لا تزال تتنفس.'
نظرت حولي. حجارة صغيرة. أغصان ساقطة. لا شيء يكفي لإيقاف هذا الشيء.
هدرة أخرى اهتزت في أذني.
ارتطم بي كالصاعقة، قرنه اخترق كتفي الأيمن، رفع رأسه بقوة، وشعرت باللحم يتمزق، وذراعي اليمنى تتدلى كشيء لا يعود ملكي.
سقطت وأنا أصرخ.
حاولت الزحف مبتعداً لكنه وقف فوقي، خفيف الوزن كالوهم، لكن حوافره غاصت في ظهري - ثم رفع رأسه للأعلى، وقوائمه الأمامية معه، يستعد لما بعد.
تلك الثانية كانت كل ما أملك.
دفعته بكل ما تبقى في جسدي - كسرت توازنه للحظة - وتدحرجت بعيداً بلا سيطرة ولا اتجاه، حتى سقطت من حافة منحدر منخفض لم أره، وارتطم جسدي بالأرض في الأسفل وسط ألم أخرس صوتي للحظة.
رفعت رأسي بصعوبة، نظرت إلى أعلى المنحدر حيث تركت الوحش.
لم يكن هناك.
'أين... إلى أين ذهب؟'
نظرت حولي، وتجمد قلبي.
جثث.
تبدو قديمة، لكنها تبدو كما لو أنها قتلت بشكل بشع. متناثرة بين الشجيرات كأن هذا المكان مقبرة لم يدفن أحد أصحابها.
'يجب أن أختبئ. أي شيء.'
وقفت بصعوبة، بحثت بعيني عن مكان أتوارى فيه، حتى وقعت عيناي على يد جثة مستندة إلى جذع شجرة قريبة - وفي قبضتها الجامدة سكين.
وقفت و سرت نحوها بصعوبة، أجر جسدي المتهالك، انتزعتها من أصابعها المتيبسة.
وما إن استقمت واقفاً حتى انفجرت هدرة مزقت الصمت.
التفتُّ.
إنه هو... لقد عاد.
حاولت رمي نفسي جانباً.
لم تكن سرعتي كافية.
أصابني في... ما ذاك العضو...؟ كبدي؟
أصابني قرن واحد - كان يكفي - دفعني إلى الخلف حتى ثبّتني على جذع شجرة، معلقاً بين الهواء والموت.
كاد أن يمزق خصري.
يدي السليمة لا تزال تمسك السكين.
لم أفكر - طعنته في ما وصلت إليه يدي. الجانب. الرقبة. أي شيء.
مرة. ومرة. ومرة أخرى.
بكل ما تبقى من قوة في ذراعي السليمة، بينما الدم - دمي، دمه - يغرق كل شيء.
هدر هدرة أخيرة، مجوفة، مرتجفة.
ثم توقف عن الحركة.
ارتخى، و قرنه لا يزال غارقا في جسدي، وألم لم أتخيل أن جسداً بشرياً يحتمله انفجر في داخلي حين حاولت الإفلات.
سحبت نفسي بصعوبة، أخرجت القرن بحركة واحدة صرخت خلالها بلا صوت يخرج، وسقطت أرضاً بجانب الوحش.
كلانا يلفظ أنفاسه الأخيرة.
استلقيت على ظهري. كل نفَس يخز كالإبر.
نظرت إلى جسدي.
دم في كل مكان. دمي. دم الوحش الأسود كالحبر يختلطان على الأرض.
'أنا... أنا ميت.'
هذا ليس جرحاً تنجو منه. ليس بدون مستشفى. بدون جراحة. بدون معجزة.
ضحكة ضعيفة، مخنوقة بالدم، خرجت من مكان ما بداخلي.
'شهران. كنت أحتاج شهرين فقط للتخرج...'
رؤيتي بدأت تتشوش.
'...ليس سيئاً. على الأقل مت بعد أن انتصرت في معركتي.'
بدأت أطرافي تبرد.
لكنني... سمعت صوتًا.
خطوات. على العشب.
فتحت عيني بصعوبة. كل شيء ضبابي كأنني أنظر من تحت الماء.
ظل طويل يقف فوقي، يحجب الشمس.
رجل.
يبدو... طبيعياً. ما لفت نظري لم يكن جسده بل ملابسه - رداء طويل بقصة لم أرها من قبل، تصميم يبدو وكأنه خرج من حقبة مضت، موضة ليست من هذا العصر ولا من أي عصر أعرفه.
حدّق في الوحش الميت. ثم إليّ.
لم يتكلم. فقط نظر. طويلاً. كأنه يقيس شيئاً لا أراه.
ثم انحنى.
أخذ السكين من يدي وبحركة واحدة قطع شريانا في عنق الوحش.
*دم أسود كالحبر* سال ببطء، أخرج زجاجة صغيرة و ملأ نصفها بالدم.
مدّها لي.
نظرت إليه. إلى الزجاجة. إلى ذلك السائل الأسود الذي يبدو وكأنه يبتلع الضوء.
صوته حين تكلم - *عربي.* فصيح. هادئ كمن يخبر بالطقس.
"إن لم تشربها فستموت. وإن شربتها فقد تموت."
رؤيتي تتلاشى.
فكّرت في أمي. أبي. فاطمة.
في تلك الأيام الثلاثة حين أخفيت العلامة وابتسمت في السر.
في ليلى الواقفة في الممر، تبكي وحدها.
'لا... لن أموت هنا.'
مددت يدي المرتجفة وأمسكت الزجاجة.
رفعتها إلى شفتي.
الرائحة - نحاس، حديد، شيء _فاسد_ لا اسم له - جعلتني أتردد ثانية.
لكنني شربتها.
كلها.
بسرعة.
*نار.*
ليست حرارة.
*بل حرقة تنفجر من داخلي كأن شمساً ولدت في صدري.*
كل خلية في جسدي تحترق.
صرخت. لا صوت خرج. حنجرتي صارت جمراً.
شيء يزحف في عروقي. أحسّ به يتحرك - كأفعى تمزق طريقها، تهدم وتعيد البناء في آنٍ واحد.
عظامي المكسورة - أسمعها تتطقطق بصوت يخترق الألم، تعود لمكانها بإصرار مخيف.
كتفي يلتحم. اللحم يتلوى ويتشابك كأيدٍ غير مرئية تنسجه ب على عجل.
الألم بلغ ذروة لا اسم لها.
ثم...
*توقف.*
أتنفس بصعوبة. عرق بارد يغطيني.
حركت ذراعي.
سليمة. لا كسر. حتى الجروح القديمة - اختفت كأنها لم تكن.
لمست كتفي.
_ندبة خفيفة._
'ما... ما الذي حدث؟'
شعرت أن كل التعب زال مع الجروح.
الرجل ربط حبلاً في ساق الوحش، بدأ يجره نحو الأشجار.
تمكنت من الجلوس مستندا على الأرض.
"انتظر!"
توقف. لم ينظر إليّ.
"من الجيد أنك تحملت."
"ماذا تقصد؟! ماذا حدث لي؟!"
"عليك بالراحة الآن. حين تستيقظ، تعال إلى المدينة و أخبرهم أنك في ذمتي."
"من أنت؟!"
"أنا-"
لم أسمعه. طنين مزعج انفجر في أذني فجأة و ابتلع صوته.
مشى. اختفى بين الأشجار، الوحش يُجرّ خلفه، يترك أثراً من الدم الأسود على العشب كخطٍّ يرسمه أحدهم بقلم لا يريد أن ينتهي.
الطيور بدأت تزقزق مرة أخرى.
الغابة عادت للحياة.
كأن شيئاً لم يحدث.
التعب عاد ثانية، عاد بقوة.
آخر شيء رأيته: الشمس تتسلل بين أوراق الأشجار، تذهّب البقع على الأرض.
آخر شيء شعرت به: جسدي ثقيل، ينبض بشيء جديد لا أعرف اسمه بعد.
آخر شيء فكرت فيه:
'ما الذي شربته؟'
ثم... نوم عميق.
- _ _
_[العودة إلى ثلاثة أيام مضت]_
_تذكّرت. اليوم الذي ظهرت فيه العلامة._
كنت أغسل الأطباق - كعادتي - حين شعرت بحرقة مفاجئة في معصمي الأيسر.
نظرت إليه.
دائرة سوداء كاملة، تومض كأنها تتنفس.
عرفتها مباشرة.
قلبي توقف.
ثم...
_ابتسمت._
ابتسامة مجنونة، مرتجفة، لم تكن تليق بالموقف.
_'أخيراً.'_
ليس "لا، ليس أنا."
ليس "يا إلهي، ماذا سأفعل؟"
*بل:* "أخيراً."
أخيراً سبب لمغادرة هذا السجن الذي يسمونه بيتاً.
ثم جاء الشعور بالذنب. الثقيل. الساحق.
'ما خطبي؟ من يفرح بحكم إعدام؟'
أخفيتها. ارتديت كنزة بأكمام طويلة رغم الحر. تجنّبت النظر إليها. تجاهلت الحرقة المستمرة.
في اليوم الثاني سألتني أمي: "مسعود، لماذا ترتدي هذا؟ أنت تتصبب عرقاً."
"بردان قليلاً."
نظرت إليّ بشك لكنها لم تُصرّ. كانت مشغولة بتجهيز نفسها وفاطمة لحفل زفاف إحدى القريبات.
أبي لم يلاحظ. لم يكن ينظر إليّ أصلاً إلا حين يحتاج شيئاً، ومشغول دائماً بلوم العالم على فشله في أن يصبح ما أراد.
أختي الصغرى ليلى همست لي تلك الليلة: "مسعود، أنت بخير؟"
"نعم. فقط متعب من الدراسة."
ردّت ببراءة: "الامتحانات قريبة، صحيح؟"
"نعم، شهران فقط و أتخرج."
ابتسمت لي: "ستكون محامياً رائعاً."
فقط هي. فقط هي من سألت لأنها تهتم. الباقون لم يُشغِلوا أنفسهم حتى.
_لكن الجيش... يجدك دائماً._
- _ _
جاؤوا في فجر اليوم الثالث. قبل شروق الشمس بقليل.
دقٌّ عنيف على الباب. ثم صوت خشب يتهشم.
*"الجيش! افسحوا المجال!"*
استيقظت على صراخ أمي.
قلبي كان يعرف قبل عقلي.
*وجدوني.*
نهضت من سريري. نظرت إلى معصمي. العلامة تنبض الآن، تتوهج بضوء أسود - كيف يمكن للأسود أن يتوهج؟! - كأنها تُبلّغ عن نفسها بنفسها.
باب غرفتي انفتح.
جنديان. دروع سوداء ثقيلة، خوذات بلا فتحات للوجه. فقط زجاج معتم يعكس صورتي المرتعبة.
"مسعود بن عبد الله؟"
صوت ميكانيكي. بارد كالحديد.
"ن-نعم."
"حامل للعلامة. أنت مطلوب للتنفيذ."
"لا!"
أمي اندفعت من ورائهم، تعلقت بذراعي.
"ليس ابني! ليس مسعود!"
أمسكها أحد الجنود بلطف لكن بحزم.
أبي وقف في الممر. صامتاً. وجهه بلا تعبير. عيناه تنظران إليّ لكنهما لا تريان شيئاً.
فاطمة خرجت من غرفتها، شعرها أشعث، عيناها واسعتان.
"مسعود؟ لا... من-"
توقفت. نظرت حولها. إلى الفوضى. إلى الأطباق التي تركتها البارحة في الحوض.
"من سينظف الآن؟ من سيطبخ؟ من-"
شيء انكسر فيّ تلك اللحظة.
شيء كنت أحاول طويلاً أن أقنع نفسي بأنه غير موجود.
نظرت إليها. إلى أمي التي توقفت عن المقاومة وبدأت تبكي - لكن في عينيها رأيت ذعراً ليس لفقدان ابن، بل لفقدان... شيء آخر.
إلى أبي الصامت الذي لم يتحرك ولم يقل كلمة.
إلى ليلى الواقفة في نهاية الممر، يدها على فمها، دموع حقيقية على خديها.
_'آه.'_ همست في نفسي. _'إذاً هذا كل ما أنا عليه بالنسبة لكم.'_
سحبني الجنود.
أمي صرخت: "مسعود! ابني!"
لكنني لم أنظر إليها.
ليلى ركضت، احتضنتني رغم محاولة الجنود إبعادها.
"مسعود... سامحنا. أنا... أنا آسفة..."
نظرت إليها طويلاً.
"اعتني بنفسك يا ليلى."
رموني في شاحنة سوداء.
في الداخل شخصان آخران.
جلست في الزاوية وأغلقت عيني.
"أنت بخير؟"
فتحت عيني.
فتاة في عمري تقريباً. محجبة بحجاب أزرق، عيناها حمراوان من البكاء لكن فيهما شيء لا يريد الاستسلام. وجهها يحمل آثار دموع قديمة وآثار إرادة جديدة.
"بخير قدر المستطاع قبل التنفيذ."
لم تبتسم. لكنها لم تبكِ أيضاً.
"أنا سلمى."
"مسعود."
صمت قصير.
"عائلتك... كانت هناك؟"
"نعم."
نظرت إلى يديها. كانت تضغط إحداهما بالأخرى.
"لا بد أنه صعب. تركهم."
نظرت إليها. إلى صدقها. إلى افتراضها البريء أن كل العائلات تستحق أن تُترك بحزن.
"أصعب مما تظنين." كذبت.
أو ربما لم أكذب. ربما كان صعباً فعلاً - لكن ليس لأنني تركتهم.
بل لأنني أدركت أخيراً أنهم لم يروني قط.
نظرت هي أيضاً من النافذة الصغيرة. مناطق تمر كظلال.
"أتعرف ما الأغرب؟"
"ماذا؟"
"أنني خفت على عائلتي منذ اللحظة الأولى. لم أفكر في نفسي إلا بعد وقت." صمتت لحظة. "أحياناً نكون أكثر قلقاً على من لا يستحق القلق."
لم أرد.
الشاحنة اهتزت على طريق وعر.
"مسعود... لو نجونا من هذا بطريقة ما... لنحاول البقاء معاً. أي شخص تعرفه في مكان كهذا خير من العزلة."
نظرت إليها. إلى عينيها اللتين لا تزالان تقاومان.
"نعم. لنحاول."
لم أكن متأكداً إن كنت أكذب أم لا.
الرحلة استغرقت ساعات.
حتى وصلنا إلى موقع التجميع الرئيسي - مخيم ضخم في قلب صحراء الربع الخالي.
مئة شخص من مختلف الجنسيات. مئة علامة سوداء. مئة حكم إعدام.
صفّونا على حافة الصدع.
رأيته لأول مرة على أرض الواقع.
*الصدع.*
لم يكن مجرد حفرة. لم يكن مجرد جرح في الأرض.
كان _غياباً_. غياب مادي، ملموس، كأن الواقع نفسه قرر أن يتوقف عند هذا الخط ويرفض الاستمرار.
اتسع لكيلومترات في كلا الاتجاهين، حوافه متآكلة ومتشققة كأن شيئاً ضخماً مزّق الأرض بأظافره ثم انسحب. وعلى امتداد هذه الحواف، تراب محترق لا نار له، حجارة سوداء تبدو كأنها ذابت ثم تجمدت في ذعر.
وبداخله...
ظلام.
لا. ليس غياب ضوء.
*شيء آخر تماماً.*
ظلام يتحرك، يتلوى، يصعد ويهبط كصدر ينفس. كأن الصدع كائن حيّ يتنفس ببطء شديد، وكل نفَس يبتلع جزءًا من الهواء المحيط. جلدي شعر ببرودة فجائية رغم حرارة الصحراء. ليست برودة طبيعية - بل البرودة التي تأتي من إدراك شيء لا تريد إدراكه.
نظرت إليه طويلاً.
وللمرة الأولى في حياتي، شعرت أن شيئاً ما يجيب بالنظر إليّ أيضاً.
"في غضون دقائق سيبدأ التنفيذ."صوت بارد من مكبر الصوت. _"بموجب المعاهدة الدولية، ستُعتبرون أبطالاً ضحّوا بحياتكم من أجل بقاء البشرية. استعدوا."
سلمى بجانبي بدأت تبكي بصوت مكتوم. شفتاها تتحركان.
ربما تدعو.
"ابدأوا."
دفعونا واحداً تلو الآخر.
مئة جسد تسقط في الظلام.
مئة صرخة تُبتلع.
دفعوني. وبينما أسقط، فكّرت:
'أياً يكن ما ينتظرني هناك... لن يكون أسوأ من حياتي.'
اتضح أنني كنت مخطئاً.
(يتبع)

الصدعHistorias para obsesionarse. Descúbrelo ahora