الجزء الثاني: أبواب النور
الفصل الرابع عشر
الطريق إلى الشمال ليس طريقاً.
إنه جرح يمتد في الأرض، تلتئمه الرمال كل صباح، ويعيد فتحه المسافرون كل مساء. ثلاثون يوماً مشوا فيها. ثلاثون يوماً من الشمس الحارقة والليل البارد والصمت المطبق. ثلاثون يوماً لم يروا فيها مدينة، ولم يسمعوا صوتاً بشرياً، ولم يجدوا ماء إلا في آبار نادرة، بعضها جفت وبعضها كان مالحاً لا يروي العطش بل يزيده.
عنتر كان يمشي في المقدمة، جسده الضخم كجبل يتحرك ببطء لكن بثبات. سالم كان خلفه مباشرة، خطواته خفيفة، عيناه تتقدان فضولاً رغم التعب. ليث كان في المؤخرة، يسير كمن لا يريد الوصول ولا يريد العودة.
لم يتكلموا كثيراً في الأيام الأولى. كان كل واحد منهم في عالمه الخاص. عنتر يفكر في المعارك التي خاضها، في الرجال الذين قتلهم، في الرجال الذين ماتوا بجانبه. سالم يفكر في الديار التي تركها، في أمه التي لا تعرف إن كان حياً أم ميتاً، في ليث الذي أصبح ظله. ليث لا يفكر. ليث يحاول ألا يفكر.
في الليلة العاشرة، أشعلوا ناراً صغيرة في وادٍ تحف به صخور عالية. كانت النار تخاف أن تكبر، كأنها تعرف أن هناك من يراقب.
"غداً سنصل إلى أول قرية في الشمال." قال عنتر وهو يقلب لحماً على الجمر. "بعدها ندخل مناطق الدين المقدس. هناك، يجب أن نكون حذرين. الكل هناك عين للسلطة. الكلمة الواحدة الخاطئة قد تقتلنا."
"كيف سنتصرف؟" سأل سالم.
"كمسافرين تجار. جئنا من الجنوب لنبيع بضائعنا. هذا ما قلناه وسنلتزم به."
"وإذا سألونا عن ديننا؟"
"نقول إننا نعبد النور. أي شيء يقولون، نقول إننا معهم. ليس وقت الشهادة."
ليث كان جالساً بعيداً عن النار، ينظر إلى الظلام. لم يشارك في الحديث.
"ليث." ناداه عنتر. "ماذا ستفعل عندما نصل؟"
التفت إليهم ببطء. وجهه في ضوء النار كان نصفه مضيئاً ونصفه غارقاً في الظلام.
"سأدخل. سأنظر. سأتعلم. ثم سأقرر."
"تقرر ماذا؟"
"كيف أحرقهم."
صمتوا. سالم نظر إلى عنتر. عنتر نظر إلى ليث.
"أتعلم ما سألني مهند قبل أن أقتله؟" قال ليث فجأة.
لم يتوقع أحد هذا السؤال.
"ماذا سألك؟" سأل عنتر.
"سألني: أنت الذي قتلتها، أليس كذلك؟"
سالم توقف عن الأكل. عنتر جمد مكانه.
"كنت أعتقد أن هذا السؤال سيبقى معي إلى الأبد. كنت أعتقد أنني عندما أسمعه، سأنكسر." نظر إلى النار. "لكنني لم أنكسر. لأنني اكتشفت شيئاً."
أنت تقرأ
الندبة
Mystery / Thrillerفي زمن الممالك والقصور، حيث كانت الصحراء تبتلع الدماء قبل أن تسقط على الرمال... امرأة مشنوقة تلد طفلها قبل أن تموت. ليث. هذا اسمه. يكبر يتيماً في دير وسط الصحراء، تحرسه راهبة عجوز تخاف عليه من عينيه اللتين لا تشبهان عيون الأطفال. ثم تبدأ رحلته: حروب...
