1_

6 1 0
                                        

                  * * * * * * * * *
من المؤلم أن يتلاشى كل شيء في لحظة أمام عينيك…

كانت إحدى ليالي الساعة الخامسة والنصف فجراً…
ليلة مختلفة تمامًا في حياة "نيران ".
في تلك الليلة…
فقدت قطعةً من قلبها.
فقدت من كانت تغمرها بالحنان، والدلال، والأمان…
وانطفأت شمعتها الأخيرة،
بعدما انتصر مرض السرطان…
وخسرت أمها.
نيران …
تلك الفتاة ذات العيون السوداء الفاتنة،
والبشرة الحنطية،
والملامح الحادة الممزوجة ببراءة ناعمة.
شعرها طويل، أسود كخيوط الليل،
وروحها نقية… تحمل قلبًا أبيض صافياً كصفاء السماء،
مفعمًا بالإيمان،
تحب الخير للجميع… حتى لمن يؤذيها.
لكن…
لم يكن قلبها مهيأً لمثل هذا الفقد.
كان موت والدتها صدمةً لم تستوعبها،
وكأن الواقع صفعها دون رحمة.
بقيت مع والدها وأخيها الأكبر "نيار"،
لكنّها شعرت…
وكأنها سقطت من شجرة،
وتركها الجميع تواجه الريح وحدها.
حاولت أن تتقبّل هذا القدر،
حاولت أن تقاوم…
لكن حزنها لم يرحل،
بل استقرّ في أعماقها بصمت.
أصبحت بمثابة أمٍّ للمنزل،
تتحمّل المسؤولية،
وتخفي ضعفها خلف ابتسامة باهتة.
والدها…
رجل هادئ، منطوٍ،
لا يجيد التعبير عن مشاعره،
وكأن بينه وبين أبنائه حواجز غير مرئية.
ومع ذلك…
كانت نيران تراه بشكل مختلف.
كانت ترى حبه في صمته،
واهتمامه في تعبه،
وحنينه في استمراره بالحياة من أجلهم.
كانت تفهمه…
دون أن يتكلم.
أما "نيار"…
فكان قصةً أخرى.
منطويًا…
لكنه متمرد.
مزاجي إلى حدٍّ مؤلم،
لا يُحسن التعامل مع عائلته،
وكأنه لا يعرف كيف يكون ابنًا… أو أخًا.
أحيانًا يبدو غريبًا بينهم،
باردًا… عدوانيًا.
وأحيانًا أخرى،
يظهر تعاطفًا غريبًا،
كأن إزعاجه لهم…
هو طريقته الوحيدة في التعبير.
لكن بعد رحيل الأم…
لم يعد شيء كما كان.
وكأن كل واحدٍ منهم…
أصبح يعيش في عالمه الخاص.
كان بروده يؤلم نيران،
ويزيد شعورها بالوحدة.
كانت تتمنى فقط…
أن يكون لها أخٌّ،
لا مجرد شخص يشاركها نفس المنزل.
مرت الأيام…
واقتربت المدرسة.
المرحلة المصيرية.
المرحلة التي تحمل فيها أحلامها…
وأحلام والدتها.
لكنها لم تعش عامها الأول كما يجب،
فقد كانت تائهة بين ألمها… ومرض أمها.
اضطرت أن تترك دراستها،
لتبقى بجانب والدتها في أيامها الأخيرة…
دون أن تعلم،
أن تلك الأيام…
كانت الوداع الأخير.
والآن…
عادت.
ليس لأنها أصبحت بخير،
بل لأنها وعدت.
وعدت أن تكون قوية،
أن تنجح،
أن تحقق حلمها…
وحلم أمها.
كانت تريد فقط…
أن ترى ابتسامةً في وجه والدها.
تلك الابتسامة التي،
رغم بساطتها…
كانت تعيد لها الحياة.
أشياء صغيرة…
لكنها كانت تعني لها كل شيء.

في شهر التاسع،
يوم 10،
الساعة السابعة والنصف صباحًا…
الأب: نيران… أما زلتِ نائمة؟!
فتحت عينيها بسرعة،
وكأن صوته انتشلها من غرقٍ عميق.
"يا إلهي…!"
همست وهي تنهض بفزع،
وقد تسارعت أنفاسها.
"كالعادة… وضعت المنبه، لكنه لم يرن! كيف أخطأت هذه المرة؟!"
ارتدت ملابسها بسرعة،
يداها ترتجفان قليلًا دون أن تشعر.
أخذت حقيبتها،
وودّعت والدها على عجل،
قبل أن تخرج مسرعة.
كانت مدرستها بعيدة جدًا،
ولا توجد حافلات…
وفي كل مرة،
كانت والدتها هي من توصلها…
وتعود لأخذها.
أما اليوم…
فهي المرة الأولى التي تسلك فيها الطريق وحدها.
شعرت بشيء غريب…
ليس خوفًا تمامًا،
بل إحساسًا خفيفًا…
وكأن أحدًا يسير معها.
لكنها تجاهلت ذلك.
وصلت متأخرة.
كان الجرس قد رنّ،
وبدأت الحصص.
وما إن دخلت…
حتى أوقفتها المديرة بنظرة حادة.

نيران Stories to obsess over. Discover now