تصادم المطر على سطح البحر، ممزوجًا بصوت الأمواج، خلق فوضى تجعل الأحاسيس تتشابك وكأنها تريد الخروج للتعبير عن نفسها. تهطل قطرات المطر بلا خوف، وصوتها ينساب مثل الأمواج، هادئًا بلا صراخ.
على حافة ، في أعلى نقطة من الصخور المبللة، جلس رجل بهدوء. عينيه فارغتان، يرتعش قليلاً من البرد، لكنه لا يتحرك. كل قطرة مطر تتساقط على كتفيه وكأن قلبه ينبض معها، والأمواج التي تتحطم عند قدميه تنسخ صمت داخله، فتتشابك الفوضى حوله مع هدوئه بطريقة غريبة... كأن كل شيء ينتظر أن يُسمع.
يرى ذكريات متقطعة، غير واضحة ، تحاول أن تثبث نفسها أن تسرجع مكانها في عقله، مكانها الذي تم دفعه و دفنه لتنسى و تصبح ذكرى ضبابية . أشكال تظهر أمامه مد يده للأمام، يحاول تحقق من أنها شيء ملموس، شيء يربطه بالواقع، لكنه لمس الهواء فقط.
إختل توازنه، ليجد الفراغ يلتهمه، وينساب عبر جسده كما لو كان يسقط بلا وزن. الريح تصفر حوله، والضباب يلتف مثل عباءة ثقيلة، ثم فجأة، يجد نفسه يهوى، إلى الأسفل.
المحيط يفتح أحضانه، يعانقه بسكون، لكنه في الوقت ذاته فوضوي، كما لو أنه يريد أن يمتص كل مشاعره، كل ذكرياته الضبابية. كل شيء يتلاشى التل، الصخور، حتى جسده يبدو كأنه يتحول إلى ماء، جزء من البحر نفسه.
هناك، بين المطر والصمت، بين السقوط والحرية، يشعر أن العالم كله يتوقف للحظة. لحظة واحدة، والأمواج، المطر، الريح، وضباب الذكريات، كلها تتشابك داخله، فتولد شعورًا غريبًا شعور بأنه لم يعد هناك شيء يمكن التمسك به، سوى هذا الفناء المدهش، هذا التلاشي الكامل.
توقف به الزمن لحظة السقوط، وجد نفسه يحدق في البحر الذي امتد أمامه بلا نهاية وهو يبتلعه. المطر لا يزال يهطل، لكنه أصبح أقل شدة، كأن الطبيعة نفسها تراقبه بصمت.
بدأت الذكريات تتسلل إليه مجدد، متكسرة ومبعثرة، مثل قطع زجاج تطفو على الماء. يرى وجوهًا غامضة، أصواتًا بعيدة، لم يعد يعرف إن كانت حقيقية أم مجرد صدى لماضيه الضائع. يحاول الإمساك بها، لكن كل مرة تمتد بين أصابعه لتتلاشى في الهواء البارد.
أحس برغبة عميقة في الصراخ، لكنه لم يتحرك. صوته بدا خافتًا جدًا بالنسبة لعظمة البحر، وكأن الفوضى حوله أكثر وضوحًا من أي شيء داخله. كل قطرة مطر تضرب سطح الماء من فوقه وكأنها تذكره بأنه لا يزال حيًا، لكنه ليس حاضرًا تمامًا، وكأن جزءًا منه اختفى بالفعل.
مد يده مرة أخرى، هذه المرة إلى الأمام، نحو تلك الذكريات التي تتلاشى، نحو شيء ملموس يمكن الإمساك به. لكنه لمس الفراغ مملوء بالماء مرة أخرى، فارغًا، باردًا. فاستسلم للشعور بالتلاشي، وترك نفسه ينغمس في البحر الداخلي للفوضى والهدوء، حيث تختلط الأحاسيس بلا تفسير.
ثم شعر بشيء غريب جزء منه يراقب كل شيء بهدوء، بينما الجزء الآخر يغرق في الفوضى. جزء يود أن يهرب من كل شيء، والآخر يود أن يبقى، أن يختبر هذا السقوط إلى ما لا نهاية. هنا، بين المطر والمحيط، وبين الصمت والفوضى، بدأ يفهم شيئًا واحدًا أن التلاشي ليس نهاية، بل بداية لا يعرف كيف ستأخذ شكله بعد.
ESTÁS LEYENDO
تلاشي
Misterio / Suspensoأستريان... شاب يَحمل في عينيه زُرقة البحر وثِقل الغرق. ملامحه مزيج بين قوة مكسورة وهدوء عاصف، كأنه يسير دومًا على حافة الموج، لا يعرف إن كان سينجو أم يختفي مع التيار. ذاكرته ليست نعمة، بل لعنة تلتصق به، تُذكّره بما فقد أكثر مما تُعزيه بما يملك. يعيش...
