We've updated our Content Guidelines.
Review the latest guidelines to keep sharing stories safely.

"ذاكرة من دمٍ ودفء"

42 3 1
                                        


"تمطر السماء بغضب، كأنها تبكي عني..."

هكذا بدأت قصتها.
وقفت على درجات المؤسسة التي طُردت منها منذ لحظات، والريح تصفع وجهها، كأن الطبيعة تواطأت ضدها في هذا اليوم.
"أنت مطرودة لتسببك بالكثير من المشاكل، عرقلتِ العمل وتجاوزتِ القوانين… لا مكان لكِ بيننا!"
قالها المدير بجمود، دون ذرة رحمة.

لم تجبه.
بل نظرت إليه بهدوء… ثم نزعت ربطة العنق الرمادية، تلك التي شعرت دائمًا بأنها حبل مشنقة على عنقها، ورمتها على وجهه.

"لن يقيدني وغد مثلك"، تمتمت وهي تمضي بخطى واثقة نحو الخارج.
أوراقها تتطاير، والمطر يسقط بغزارة، يختلط بالمكياج الخفيف على وجهها، لكنها لم تمسحه… فاليوم، دموع السماء أغرقتها بما يكفي.

"يالَه من يوم بشع… أُفف!"
تمتمت وهي تمشي، والريح تعوي حولها، تجرّ معها أوراق الخريف وتصفع معطفها الطويل.

كان الطريق شبه خالٍ، والمدينة مبللة، متعبة، تشبه قلبها.
لكنها وقفت فجأة.

صوت.

شيء غريب في الزقاق الجانبي.
صوت أجساد ترتطم، أنفاس مختنقة… همسات قذرة تتخللها شتائم.
اقتربت بخوف…
ما رأته جعل قلبها يتجمد.

أربعة رجال… لا، أشباح بشرية. ملامحهم مشوهة بالعنف، كأنهم خلقوا ليؤذوا فقط.
وهم يدوسون على جسد فتى ملقى على الأرض، غارق في دمه.

"ماذا… ماذا أفعل؟!"
ارتجفت، ارتبك عقلها، ثم التقطت هاتفها بيدين مرتعشتين.
"النجدة، هناك فتى يُقتل! أرجوكم بسرعة!!"

لكن الوقت يمضي…
والدماء لا تنتظر.

استدارت… خطت خطوتين مبتعدة… لكنها توقفت.
شيء ما في صدرها، تلك الشعلة الصغيرة، لم تطاوعها على الرحيل.

"أيها الأوغاد!"
صرخت بكل ما فيها،
"الشرطة قادمة، يا كلاب!!"

لحظة رعب.
هروب مباغت.
ظلالهم اختفت في عمق الزقاق المظلم، بينما هي ركضت إليه.

اقتربت من الفتى، ركعت قربه.
دمه يلطّخ كفيها، أنفاسه ضعيفة… عظامه تصرخ من الألم.

"هل مات…؟ لا، لا… لا تمُت، أرجوك… ساعدونييي!"
لكن أحدًا لم يلتفت.

في مدينة ماتت فيها الإنسانية، بقيت هي الوحيدة التي ما زالت تقاوم.

"لن أموت معك هنا… لا، سأحملك!"
وبقوة خارقة من هول اللحظة، حملته على ظهرها.
جسد ثقيل، ودماء ساخنة تتسلل لعنقها، والمطر لا يتوقف.

ركضت…
تعثرت…
بكت…
لكنها لم تتوقف.

وحين ابتعدت عن الخطر، اتصلت بالإسعاف، وبدأت تضغط على الجروح بكفيها العاريتين.
الساعة تُعلن عن منتصف الليل… والسماء تغني لحن النهاية.

Don't Leave Me, My Little OneStories to obsess over. Discover now