•••
في بيتٍ تعانقه ظلال الصمت، وبين جدرانٍ تكاد تشهد على الصلوات المنسية، وُلدت سيارا نور الدين، طفلةٌ لم تذق من دفء الأب سوى بردٍ خفيّ، لم يلمس قلب والدها حبّها، ولم تكن سوى اسمٍ يضاف إلى قائمة الواجبات التي لا تُناقش. لم تُهدى ابتسامة، ولم تُقبل على الخدود دفءٌ يعانق الروح، بل كانت تعيش في قفص من الصمت، تطاردها نظراتٌ لا تحمل أكثر من برودةٍ قاتلة، تُخفي خلفها قصص ألمٍ لا يُروى.
كانت سيارا، منذ نعومة أظفارها، تمشي في الحياة كظلٍ خافتٍ، هادئةً إلى حدّ الاندثار، تخشى أن تزعج صمت البيت. عينان سوداوان تحملان بين أهدابهما قصةَ بكاءٍ خفي، وحزنٍ عميقٍ يُثقل كاهلها. تسير بين أروقة ذلك المنزل، تُصلي بصمتها، تبكي في سريرها بلا صوت، تهمس للحائط وكأنّه صديقها الوحيد.
ووالدها، نور الدين أحمد، رجلٌ تكاد ملامحه تُحيط بها هيبة التدين، متقشف الملامح، عميق الإيمان، إلا أنه في عيني ابنته، كان وحشًا هادئًا لا يعرف معنى الحنان. كان يفضل أبناءه الآخرين، ينظر إليها كظلٍّ لا يُزعج، لا يضيء، ولا يشعر. لم يكن يملك لسانًا يُعبر به عن مدحٍ أو تشجيع، ولا عينًا لتلمس ألم ابنته الذي ينبثق من صمتها.
تحت سقف هذا البيت، كانت حياة سيارا محاطة بأشخاصٍ لا يعرفون لها مكانًا في قلوبهم: أخوها علي، ذو النظرة القاسية واليد السريعة على وجهها، يراه رجولةً أن تتحكم بها قبضته، وأختها نادية، الجميلة المتسلطة، التي ترسم على وجهها دائمًا قناع الذكاء والطاعة، لكنها لا تخفي استهزاءها بضعف سيارا وعبئها على العائلة.
ومع كل ذلك، كانت سيارا تظلّ تتشبث بصبرها، بإيمانها الداخلي الذي يذوب في بحور الأسى، ولا تهرب من واقعها، بل تحاول أن تصنع من حزنها جدارًا تحتمي به. كانت تسأل نفسها: هل للحب نصيب في هذا العالم؟ هل يمكن لروحٍ زرعت في تربة البرد أن تزهر يوماً؟
---
حينما بلغت العشرين من عمرها، جاء ذلك اليوم الذي سيقلب موازين حياتها. لم يكن عيد ميلاد يحتفل به، بل بداية نهاية حياة اعتادت أن تعيشها في صمت. في يومٍ غائم، جاء صوت والدها يقطع صمت البيت، حاملاً معه جملةً قاسية كثلج الشتاء:
"ستتزوجين صديقي، القائد يانغ سو."
كأنها سمعت الجملة تنزل عليها بردًا قطبيًا لا يذوب. القائد يانغ سو، الرجل الذي كان صديقًا لوالدها منذ الشباب، ذاك الرجل الطويل، الذي يمشي في حياته كتمثالٍ منحوتٍ، لا يبتسم إلا نادرًا، ولا يعرف للحنان طريقًا إلى قلبه. رجلٌ جعل من العقلانية قناعًا يُخفي خلفه فراغًا عميقًا، وخواءً لا يسمع له صدى.
أنت تقرأ
Cold in the name of love
Mystery / Thriller> "بردٌ باسم الحب" ❝حين يُقال لكِ إنكِ محبوبة، لكنّكِ لا تشعرين بشيءٍ سوى الصقيع...❞ --- ✦ العنوان: بردٌ باسم الحب ✦ وصف الرواية: في بيتٍ مغمورٍ بالآيات وملآنٍ بالأدعية، وُلدت سيارا، فتاةٌ لم يعرف قلبُ والدها دفءَ اسمها، ولم تجد في حضنه غير النداءات...
