السفير الخامس عباس الزيدي

1.5K 5 0










كتاب السفير الخامس





تأليف
عباس الزيدي المياحي

























سم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يَـا أَيُّهَا الْكَـافِـرُونَ
لا أَعْبـُدُ مـَـا تَعْبُـدُونَ
وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
وَلا أَنـَا عَابِدٌ مَـا عَبَدْتُمْ
وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ
لَكُـمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ.







هدمتُ مخططات ألف سنة.
الامام الصدر (رض).

إننا لا نريد انتفاضة بأسم محمد الصدر.
محمد باقر الحكيم / بعد شهادة الامام الصدر (رض).

إننا لا نريد انتفاضة بأسم محمد الصدر.
محمد باقر الحكيم / بعد شهادة الامام الصدر (رض).









تقديم لأبي سيف الوائلي
بسم الله الرحمن الرحيم
اللّهمّ إنّي أفتتح القول بحمدك
وأنطق بالثّناء عليك، الحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
والصلاة والسلام على خير الانام محمد وآله الطيبين الطاهرين الكرام
تاريخ وسيرة الامام الصدر المقدس(رض) أكبر تجربة أسلامية تمر بالعراق والعالم الاسلامي، ولا يمكنني وغيري أعطاء حصة ولو يسيرة من التقييم له ولأخلاقه ولتقواه ولشجاعته وغيرها من الصفات التي تحلى بها ولم نكن نعرفها في الواقع المعاش وإنما مجرد كلمات تسمع من على المنابر أو في الكتب الأخلاقية. فالامام الصدر المقدس(رض) مثالي بكل ما في الكلمة من مضامين ولا أظن أمثاله يتعدون أصابع اليد الواحدة في التأريخ الاسلامي اذا ما استثنينا المعصومين الاربعة عشر(عليهم السلام).
وبحكم قربي منه(رض) فقد أغترفت من معينه الكثير الكثير، فلا مبالغة إذا قلت أنني رأيت فيه نبي الأسلام(ص) أو أمير المؤمنين(ع) أو الحسين(ع)، وقد أدركتني أيدي الرحمة حينما تعلقت به وقلدته وأخيراً حين أناط بي مسؤولية
Aشؤون مرجعيته خارج العراق.
ولا أريد أن أطيل على سيدي القارئ لذلك فسوف أبدأ رحلتي معه بأختصار بدأت علاقتي معه(رض) ببعض الأسئلة التي كنت أطرحها عليه، ونقلي مبالغ من جهة الخمس وباقي الموارد الشرعية، وحينما رآني كثير الحركة بينه وبين فئة من فئات المجتمع أوعز ألي بالمسؤولية السالفة وذلك بأنني كنت على موعد معه في منزله في Aالحنان فقال: أريدك أن تنشر مرجعيتي خارج العراق. وتدعمها أعلامياً، وعملك هذا أريده سرياً، حتى لا تتعرض لمخاطر وخصوصاً أنك لست رجل دين وتستطيع التحرك بحرية أكبر.
عندها شرعت بأرسال مؤلفات الامام الصدر المقدس(رض) والاستفتاءات والنشرات التي كانت تصدر من النجف الاشرف بخصوص مرجعية الامام الصدر المقدس(رض) وغيرها الى خارج العراق، كلبنان وسوريا ودول الخليج وأيران. وبعد سفر الشيخ محمد النعماني(رحمه الله) الى الأمارات أمرني الامام الصدر المقدس(رض) في أن أكون الواسطة في الاتصال بينهما، وكان من ضمن الأمور التي طرحها الشيخ النعماني وهو في الأمارات أن يبعث اليه الامام الصدر المقدس(رض) بعدد من نسخ الوكالات لبعض الشخصيات الموجوده خارج العراق. فذهبت الى منزله(رض) فقال لي: أريد منك الذهاب الى ايران لغرض فتح مكتب والدعوة لي، ففي أيران يسيئون الظن بي، وبعض الشخصيات تتناولني على المنابر، وأنا أرى أنه لا يستطيع أحد القيام بهذه المهمة غيرك.
فقلت: سيدنا أنا في خدمتك ولكن هل تراني أستطيع القيام بهذه المهمة. وأنا لا يوجد عندي أي شخص أعرفه في ايران ولست برجل دين ولا أعرف الفارسية.
فقال: أنا أعتقد أنه لا يستطيع غيرك ذلك. فلبيت أمره.
فقال: توقع كل شيء فأن سفرك فيه خطورة ولعلك تقتل في الطريق أو تعتقل من قبل الدولتين. فماذا تقول؟ هل تقبل الذهاب؟ فقلت: وماذا ترى سيدنا هل أستطيع كل ذلك.
قال: نعم أنك تستطيع اكثر من ذلك. ثم قال: إتصل بالشيخ محمد النعماني وأخبره أن يتصل بالأخوه في ايران، ليخبرهم بأن السيد محمد الصدر سوف يرسل أحد وكلائه وخاصته، ويخبرهم بأسمك.
ويتصل بأحدى نساء أسرتنا هناك في ايران لتوثقك.
وبعد هذا الكلام بحوالي خمسة عشر يوماً تيسر الطريق، وقبل السفر كنت عند الامام الصدر فأمرني بأخذ أشرطة افلام الفيديو واشرطة المسجل لصلوات الجمعة مع صور وكتب كهدايا للسيد كاظم الحائري والسيد محمود
ا لهاشـمي والشيخ محمد رضا النعماني ونشرها في ايران، ثم وضع(رض) يده الشريفه على رأسي وأخذ يدعو لي بدعاء ما سمعت منه الا Aإن الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد.
فقدمت الى ايران وذلك بعد الجمعة السابعة التي أقامها شهيدنا المقدس في الكوفة. وعند وصولي الى قم أستضفت عند أحد الأصدقاء القدماء وهو الاخ Aأبو زهراءوفي نفس اليوم توجهت الى مكتب السيد Aكاظم الحائري فألتقيت السيد Aأبا مصطفى محمد حسين الحائري وهو أخو السيد كاظم الحائري، فأتصلت ببيت السيد الحائري من المكتب وتواعدنا في المكتب بعد صلاة المغرب، ثم أتصلت مباشرة بالشيخ محمد رضا النعماني فتواعدت معه في مكتب السيد الحائري أيضاً بعد المغرب. وعند الموعد ألتقيت بالسيد الحائري ومعه عدد من رجال الدين من موظفي المكتب، فقدمت اليهم صور صلاة الجمعة في الكوفة. فأخذوا ينظرون أليها بتعجب فقلت سيدنا هذه الكتب هدية من سماحة السيد الصدر، وعندي رسالة خاصة منه اليك ألقيها عليك سراً فقال: ليست عندي لقاءات خاصة، وأنما لقاءاتي معلنة، فقلت: لكن السيد الصدر أوصاني أن تكون سرية. فقال: أنا لا توجد عندي أية أتصالات سرية مع سيد محمد. فكررت عليه فقال: كل من يتواجد عندي من ثقاتي وهم كأولادي. فسكت فأنبرى أحد الشيوخ وهو ينظر الى أحدى الصور قائلاً: هذا التجمع اكيد وراءه السيد محمد سعيد الحكيم لأنه ثوري من أسرة ثورية.فقلت له: لا، ان سعيد الحكيم حرم صلاة الجمعة. فقال: هذا كذب. فقلت له: أنت كاذب. أنا في العراق أعيش فيه وأعرف ما فيه. فقال: منذ متى أصبح العراقيون يصلون بهذا العدد. فقلت وأنا اشير بأصبعي أليهم جميعاً: عند ما خرجت Aالزبالة من النجف.
فألتفت أخيراً الى السيد الحائري فقلت له: سيدنا هل تعطيني موعداً خاصاً أم ما زلت مصراً. فقال: أنا ما عندي أية لقاءات خاصة. فقلت: الظاهر أن السيد ليس أهلاً لهذه الرسالة. ثم نهضت وخرجت وعند باب المكتب ألتقيت بالشيخ محمد رضا النعماني وهو داخل فسلمت عليه ودخلنا الى سرداب المكتب وكان مرحباً بي أفضل من الآخرين، فسألني عن أحوال وأوضاع الامام الصدر المقدس، وبعد ذلك أخبرته بالرسالة أذ كانت موجهة أليه مع الحائري، وكان فحواها افتتاح مكتب للامام الصدر المقدس في قم ودعمه إعلامياً. فأعتذر بأنه مريض لا يتمكن من ذلك، وأعتذر عن السيد الحائري بأنه رجل مريض وكبير في السن وهذه طبيعته في التعامل مع الناس، وأخبرني أن الامام الصدر المقدس قد بعث إليه في وقت سابق بنفس الأمر وقدَّم طلباً لهذا الغرض الى الدوائر المختصة فلم يأتِ الرد بالموافقة. فأعطيته الأمانات التي أرسلها بيدي الامام الصدر المقدس وخرجت من المكتب.
وفي صباح اليوم التالي توجهت الى مكتب السيد محمود ا لهاشـمي، فعرَّفت مسؤول تشريفات المكتب بنفسي فرحب بي ترحيباً كبيراً ومشكوراً، فطلبت لقاء السيد محمود ا لهاشـمي لكوني أحمل رسالة من الامام الصدر المقدس إليه. فأخبرني أن السيد ا لهاشـمي متواجد حالياً في خراسان لزيارة الامام الرضا (ع)، وبعدها تجمع أعضاء المكتب وفرحوا بأخبار الأمام الصدر المقدس والعراق وأخذوا بالدعاء له بطول العمر، وأن يحفظه الله من الطاغية ومن المنافقين.
أتصل بعد ذلك مسؤول التشريفات بالسيد ا لهاشـمي في خراسان، وأخبره بقدومي والغرض الذي جئت من أجله فكلمني السيد ا لهاشـمي با لهاتف. وبدأ بالسؤال عن أحوال الامام الصدر المقدس وعن أوضاعه، وبلغته برسالة الامام الصدر المقدس.
ولكنني أحسست باليأس من الجميع، فأتخذت منزل الاخ Aابي زهراء كمركز للدعوة الى مرجعية الامام الصدر المقدس، فكنت ألتقي بالأخوة العراقيين وأتحدث إليهم عن الوضع الحالي في العراق، وأوزع صور صلاة الجمعة وأشرطة الفيديو وغيرها. وبدأ العراقيون بالتوافد الى البيت بكثرة و لهفة، وطلبت من الأخ Aأبي زهراء وبعض الأخوة أن يستمروا في الدعوة لأني كنت على وشك العودة الى العراق. وهكذا بقيت في ايران حوالي شهر واحد. ووجدت تجاوباً كبيراً من العراقيين في إيران، وكانت أنفعالاتهم واضحة بعد أن رأوا اشرطة الفيديو. فأصبحت هذه الرحلة بمثابة النواة الأولى لمرجعية الامام الصدر المقدس في ايران.
وقبل يومين من عودتي الى العراق أتصلت بالشيخ محمد رضا النعماني لأسمع الكلام الأخير على طلب الأمام الصدر المقدس فذهبت الى منزله ومعي أثنان أحدهما Aأبو زهراء فسألت النعماني عن الأمل في أفتتاح مكتب فأجاب: أستبعد أن تحصل موافقة عليه. وأنا أريد أن أوصيك وصية توصلها الى السيد محمد. لماذا هذا الضغط على النساء السافرات ليحرم ركوبهن في سيارات الأجرة، ويحرم البيع والشراء معهن. اننا لا نريد ضغطاً على النساء فتأتي النتيجة عكسية مثلما حصل هنا. وأخبره أن الشيخ محمد رضا النعماني يسلم عليك ويقول لك: Aما هكذا تورد يا سعد الأبل
وبعد ذلك بيومين عدت الى عراق الاسلام، وفي أول يوم من وصولي الى عراق الاسلام توجهت الى منزل مولى المؤمنين الامام الصدر المقدس(رض) في النجف الأشرف، فألتقيت به في منزله وبرفقتي الشيخ الشهيد محمد النعماني(رحمه الله)، وكان لتوه قادماً من لبنان فأخبرني الشيخ الشهيد النعماني بأن الامام الصدر المقدس اخبره البارحة بأن أبا سيف سوف يأتي عن قريب وكان الوقت بعد صلاة العشاء. فدخلت عليه(رض) فأعتنقني بحرارة وبعد الجلوس حدثته بكل شيء حدث في ايران، وكلام السيد الحائري و السيد
ا لهاشـمي والشيخ محمد رضا النعماني فأنزعج من كلام محمد رضا النعماني، وقال: الآن دعني أفكر في الأمر. وأنت أرجع الى عملك في التغطية الاعلامية لصلاة الجمعة هنا لأنه أوعز لي بمهمة التغطية الاعلامية لصلاة الجمعة في بداية صلاة الجمعة في الكوفة.
وبعد شهرين تقريباً ألتقيت به (رض) فقال: سوف أبعث معك أمانة الى أيران وهي أمانة غالية السيد جعفر الصدر ولكن أذا مسكوه فسوف يساومونني على الكثير حتى على صلاة الجمعة، وأنا أرى أنك ستنجح في إنجاز هذه المهمة وسيكون قلبي معكم.
وبعد أربعة أيام من هذا اللقاء توجهت وبرفقتي السيد جعفر الصدر، فدخلنا الى الاراضي الأيرانية بعد رحلة متعبة وشاقة ومخاطر. فوصلنا الأهواز فأتجهنا الى منزل الشيخ حسن فرج الله، الذي كان الوحيد في رحلتي الأولى موافقاً على مساندة الامام الصدر المقدس، وأعطيته وكالة في ذلك الوقت. فرحب بنا وخرج وبكى للقاءنا. فأتصلنا بالشيخ محمد رضا النعماني وهو في قم فجاء في نفس اليوم الى الأهواز وأخذ السيد جعفر الصدر وأنا رجعت في اليوم التالي الى العراق لأمر الامام الصدر المقدس بذلك، فأوصلني الشيخ حسن فرج الله الى الحدود حيث كان ينتظرني المهربون. وفي نفس يوم وصولي الى عراق الاسلام ذهبت مباشرةً الى النجف فألتقيت الامام الصدر المقدس(رض) فأخبرته بوصول السيد جعفر، ففرح كثيراً وذكر كلاماً كثيراً يمدحني فيه أتحاشى ذكره الآن.
وبعد أسبوع ألتقيت به(رض) فقال: هيأ نفسك لنقل العلوية زوجة السيد جعفر الصدر الى أيران. وبعد أكثر من شهر من هذا اللقاء، قمت بنقل العلوية الى أيران، وبعد وصولنا الى عبادان في بيت أقارب الشيخ محمد رضا النعماني تركت العلوية عندهم، وفي عبادان أخذتني نقطة تفتيش في أحد شوارعها لعدم وجود مستمسك رسمي. فبقيت في السجن ثمانية أيام. فتدخل الشيخ محمد رضا النعماني والسيد جعفر الصدر فأطلق سراحي. فتوجهت الى قم وكان النعماني قبل ذلك قد أوصل العلوية الى السيد جعفر. فبقيت حوالي أسبوع بعد ذلك ورجعت الى عراق الاسلام و أيضاً ذهبت الى النجف وإلتقيت بالامام الصدر المقدس وبلغته كافة الأحداث ووصول العلوية فأستأنس كثيراً.

وبعد حوالي شهر أي بعد الخطبة السابعة والعشرين للأمام الصدر في مسجد الكوفة المعظم، أمرني(رض) بالسفر الى أيران وأفتتاح المكتب في مدينة قم، وأعطاني والسيد جعفر صلاحيات واسعة منها اعطاء وكالات خارج ايران، والتصرف في الحقوق بما تقتضيه المصلحة، وغيرها من الاعلام والدعوة لمرجعيته(رض)، فسافرت الى أيران للمرة الرابعة عبر الحدود فأبلغت السيد جعفر الصدر بأوامر الامام الصدر المقدس بالمباشرة بافتتاح المكتب، وفي ليلة ولادة أمير المؤمنين(ع) 13رجب 1419هـ أفتتحنا المكتب بعد صلاة المغرب، وفي اليوم التالي أتصل بنا مكتب لبنان بأن لنا رسالة جاءت من الامام الصدر المقدس عن طريقهم بالفاكس. وكانت الرسالة عبارة عن كلمة موجهة الى طلبة السيد الشهيد والعراقيين في المهجر فأتصلنا بالعراق وكان على ا لهاتف الشيخ الشهيد محمد النعماني(رحمه الله) فأبلغنا بأن الامام الصدر المقدس يأمر بأقامة حفل أفتتاح المكتب، وألقاء هذه الكلمة نيابةً عنه، وفي اليوم الخامس لأفتتاح المكتب ذهبت والسيد محمد جعفر الى منزل الشيخ محمد رضا النعماني لكي يلقي الكلمة نيابة عن الامام الصدر المقدس فرفض إلقاء الكلمة، وقال للسيد محمد جعفر: أترك المكتب وأترك الدعوة للسيد محمد واتجه الى الدرس. فرد عليه السيد جعفر وأشتد الكلام بينهما فقال النعماني: إن محمد الصدر لم يثبت اجتهاده وليس عنده أجازة بالأجتهاد ولا تلوث سمعة أبيك لأن محمد الصدر لا يساوي أظفر أبيك. فخرجنا منه. وفي نفس اليوم عصراً ذهب السيد محمد جعفر الصدر الى مكتب السيد كاظم الحائري لكي يدعوه لحضور حفل الافتتاح. فرفض السيد الحائري قبول الدعوة وقال: ماذا يفعل محمد الصدر بالمكتب هنا، الا تكفيه النجف؟ وذكر اموراً أخرى نحن في غنى عنها الآن. فخرج السيد محمد جعفر وهو غير راضٍ، وفي اليوم السابع من أفتتاح المكتب بُلغنا بالمنع من إقامة الحفل، وفي اليوم الثامن أغلق المكتب وختم بالشمع. وبعد أغلاقه بحوالي شهر عدت الى عراق الاسلام فأبلغت الامام الصدر بما حدث وكانت حينها مناسبة ولادة الامام المهدي(عج) في شعبان 1419والأزمة في قمتها مع النظام فأخبرته بما يلي: موقف الشيخ محمد رضا النعماني، وموقف السيد كاظم الحائري وأخبرته ان الشيخ حسين المؤيد قد أنزل صورة السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) من مكتبه، وقال: إنني لا أريد أن أنسب الى هؤلاء المشبوهين كمحمد الصدر وأمثاله وأن السيد محمد الصدر سفيه وأنا أعلم من محمد باقر الصدر. والمؤيد اخواله آل الصدر. فقال الامام الصدر(رض) عجيب لقد دخل المؤيد الى أيران بسبب إشارته الى السيد كاظمزعلبأسم آل الصدر. ثم شرحت له كيف أن هناك من إستنكر الحائري بالأعلمية من بعده، وعليه إنقلب حاله من التأييد إلى العداء، فقال (رض): أنا لا أنافق، وقد قرأت مؤلفاتهم فوجدت أن الحائري أعلمهم، فقلت: إن السيد الحائري كان خائفاً ولم يدعمك بكلمة واحدة فقال: نعم أنا أعلم أنه جبان… جبان. ثم قال لي: انني سوف لن اراك ثانية (يعني بعد ما أشوفك) وأوصاني وصايا خاصة بي وتوجيهات ووصايا تخصنا أنا والسيد محمد جعفر الصدر ثم قال: يجب عليك العودة الى إيران في أسرع وقت، وتطالب جميع المسلمين بدعمي أعلامياً لأني الآن في خطورة من النظام، وأن تتصل بشبكات الاعلام الصوتية والمرئية الاسلامية ليوضحوا جانباً من صلاة الجمعة حتى يستخير النظام ألف أستخارة قبل أن يأتي الي.
وأخذ يملي عليَّ أحداث شعبان، وأمرني بنشرها في كافة أنحاء العالم، وقد ذكر الشيخ الزيدي نص البيان في هذا الكتاب وهو من لسان الامام الصدر المقدس(رض) حرفياً (راجع فصل التدرج في الموجهة صفحة 129.) فأتجهت الى الحدود في الرحلة الخامسة والاخيرة، ودخلت الاراضي الايرانية في 23شعبان 1419هـ وكنت في كافة رحلاتي أحمل بجعبتي أشرطة تسجيل وأفلام الفيديو وصور لصلاة الجمعة المقدسة في مسجد الكوفة الاعظم بأمامة الامام الصدر المقدس(رض) ومؤلفاته ومنشورات صدرت من مكتبه(رض) وغيرها.
وعند وصولي الى قم قمت بنشر أحداث شعبان كما أوصاني شهيدنا المقدس من منزل الشيخ مرتضى الساعدي عن طريق الفاكس، وبعثت بها الى كل من لبنان والاردن وسوريا والدنمارك والسويد وهولندا والنرويج وبريطانيا وفنلندا وأستراليا والولايات المتحدة الامريكية والكويت والامارات، أذ في هذه البلدان توجد مكاتب وممثليات ومقلدي الامام الصدر المقدس. وأوصيت بنشرها على الانترنيت والصحف والمجلات. وإخبار المجتمعات والمنظمات كافة بأن الامام الصدر المقدس في خطر، ويحتاج الى دعم أعلامي. وفي يوم الأحد الموافق 30 شعبان 1419هـ دخلت السجن في ايران وذلك قبل أستشهاد الامام الصدر المقدس(رض) بأكثر من شهرين وبعد قضاء مدة سنة وأربعة أشهر تقريباً أطلق سراحي.
وبدأت المهزلة الجديدة، إذ ما أن خرجت من السجن حتى سكنت في منزل مقلدي الامام الصدر المقدس في قم، والذي كان يرعاه السيد كاظم الحائري أذ كان يدفع الايجار والكهرباء والماء والحمد لله. فأستقبلني السيد محمد جعفر الصدر (حفظه الله) أستقبالاً حميماً، وقد كان السيد جعفر يرسل ألي بمبلغ شهري وأنا في السجن. وأخذني الى خراسان لزيارة الامام الرضا(ع)، فبقينا مدة ثلاثة أيام وعدنا بعد ذلك. فأمر سماحة السيد الحائري (دام ظله) بطردي من البيت وحرَّم (دام ظله) عليَّ أخذ الدروس في البيت كذلك. وكانت مواقف الأخوة القادمين من النجف تميل نحو الاساءة أليَّ يوماً فيوم، فعلمت أن سماحة السيد الحائري وجهات أخرى قد حرضت عليَّ الجميع، ويتهمني السيد الحائري بأنني عميل للمخابرات العراقية.
المهم أنني أضطررت لأيام الى المنام في حرم السيدة فاطمة بنت الامام الكاظم(ع)، وكنت أقضي أياماً لا أشبع من نوم أو طعام، وقضيت في أحدى المرات أسبوعاً كاملاً بدون أن أغتسل. وبعد ذلك علمت أن هناك مؤامرة ضدي أشترك فيها عدد ممن كنت أحسن الظن به، وآخرون غرر بهم غفر الله لنا، وقد كانوا يظنون أنهم بذلك سوف يسقطوني في قم فأهرب منها. ولكن ربك بالمرصاد، أذ وقف أخوتي الشرفاء معي حتى هذه اللحظة وهم بطبيعة الحال من مقلدي شهيدنا المقدس والمستضعفين أينما حلّوا، وأنا حينما ذكرت هذه الأحداث الأخيرة لم أكن أبتغي أن أشتكي الى أحد بل هي حقائق للتأريخ حتى لا يعلو هؤلاء بأسم الامام الصدر المقدس كما حدث مع السيد الشهيد(قدس) إذ كما تاجر البعض ممن يحسب على السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) بأسمه ودمه، فهؤلاء يريدون أن يتاجروا بأسم شهيدنا المقدس حتى أدعى الكثير منهم الوكالة عنه(رض) كذباً وزوراً، من أجل الاستجداء من المكاتب والحصول على الشهرة والمكانة الاجتماعية، وقد حصلوا الى الآن على ما أرادوا ولكن ليقف هذا الكتاب ليبين زيفهم وكذبهم.
وهذا الكتاب الذي بين ايدينا جامع لكثير من الحقائق الخافية، والغامضة على اذهان الآخرين وخصوصاً التي تعرض لها شهيدنا المقدس، وهي مظلومية ذات ابعاد عالمية واقليمية فان فاتنا ان ندفع تلك الرصاصات التي توجهت الى قلب سيدنا الشريف وجبهته الشريفه فبأمكاننا ان نرفع عنه اسنة الأقلام والألسن الحاقدة التي ما انفكت يوماً ما الا وعرضت بشهيدنا المقدس.
وتأييداً لقول ماجد العراق الشاعر العقابي الذي استطاع ان يكون صوتاً معبراً ومدوياً في عراق الجراح مندداً بقاتلي شهيدنا السعيد المقدس الأمام الصدر(رض)، ويزول العجب اطلاقاً اذ ما علمنا ان الشاعر صوت الأمة المنطلق من صميم كيانها ووجدانها حاملاً هموم شعبه على يديه. فكما قال العقابي.
اذن ما مات اسد كوفان سبع الطف ابو مؤمل
نعم يا ماجد. الأمام الصدر المقدس لم يمت فقد انجب ابطالاً، وهذا الشيخ الزيدي يطل علينا من نافذة جديدة ويضع العناوين بأماكنها الصحيحة والواضحة، ولا يخفى على أبناء عراق الاسلام أن سماحة الشيخ الزيدي قد كان اماماً للجمعة في اكثر من مدينة في عراق الاسلام اذ كان اماماً للجمعة في قضاء (قلعة سكر) في محافظة الناصرية وفي محافظة الكوت (المركز) وامام الجمعة الدائم في قضاء (الحي) في محافظة الكوت، ووكيل الامام الصدر المقدس (رض)، وكما عرفناه من قبل في (دفاع عن المرجعية وحوار حول المرجعية بقسميه الأول والثاني) هذه الكراسات او النشرات قامت بدور كبير في نصرة الأمام الصدر(رض) وانا شخصياً كلفت بأستنساخها وتكثيرها من قبل الأمام الصدر المقدس(رض)، ولمست مدى تأثيرها على ساحتنا الجريحة بل حتى خارج العراق وكم سررت عندما اخبرني الشيخ الشهيد محمد النعماني(رحمه الله) بأن الأمام الصدر المقدس قد اثنى على (حوار حول المرجعية) ببيت من الشعر يستحقه مؤلفنا الشجاع وهي شهادة شرف خطت بأنامل الأمام الصدر المقدس(رض) يفتخر بها المؤلف الجليل وهو هذا البيت:
هكـذا هكـذا والا فـلا لا ليس كل الرجال تدعى رجالا
وما اروع الحقيقة عندما تؤرخ من قبل اديب وباحث تأريخي وقائد ميداني كالكتاب الذي بين يدي سيدي القارئ، ولا ابالغ حينما اقول ان نشرات المؤلف قد فجرت الطاقات في وقتها فقد فتح المجال للأدباء والكتاب والشعراء ان يعبروا عما في داخلهم ويكرسوا جهودهم في سبيل نصرة الأمام الصدر المقدس(رض) وخصوصاً ان شهيدنا المقدس(رض) كان يشيد ويقدر كل ما يقدم له من ابحاث ونشرات من هذه الفئة في المجتمع تشجيعاً منه لتسخيرها لخدمة الحوزة الشريفة.
وفي الوقت الحاضر ونحن نمر بأضطراب بسبب عدم تمييز العدو من الصديق والعميل من المخلص، فان الشيخ جزاه الله خير جزاء المحسنين قد أفرغ ذمته واراح ضميره وعمل بتكليفه الشرعي بأيضاح الحقيقة لمرجعية الأمام الصدر المقدس، واعتقد ان الكتاب سيُنتقد من قبل الذين سيضر بمصالحهم الدنيوية، وسوف يكيلون للمؤلف شبل الأمام الصدر المقدس التهم التي انسبوها من قبل الى الامام الصدر المقدس، وانا قلت من قبل لأحد منتسبي ما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة الأسلامية في العراق، وهو رجل مؤمن وله موقف جيد تجاه الأمام الصدر المقدس وكان ثالثنا السيد محمد جعفر الصدر، بأن الأتهامات التي يتهمون بها السيد الصدر بأنه عميل لصدام سيقولونها حتى لو تمكن السيد الصدر من القيام بثورة وقيادة العراق بنظام اسلامي شريف فسيقولون بأنه عميل لأمريكا واسرائيل، وهما اللتان نصبتاه على العراق، ولو بعد ذلك قام بتحرير العالم وحكم العالم بنظام اسلامي شريف، فسوف يقولون انه متعامل مع الشيطان بل يقولون هو الشيطان الأكبر وحاشاه.
فأن الشخص كلما وقف مع الحق ودافع عنه سوف يحصل العكس من الشياطين فيقفون ضده، ويكيلون له التهم ولكن هذه الورقة اصبحت خاسرة فلا تنجح مع ابناء شعبنا الأبي الواعي الذي اصبح يدرك ما يدور حوله من مسرحيات، ويدرك ان ا لهدف من محاربة القادة العظام المخلصين ومن يتعلق بهم والقضاء على حركاتهم هو النجف الأشرف، حوزة امير المؤمنين(ع)، وان عودة النجف الأشرف مناراً للعلم تضر بمصالح دنيوية كثيرة ومخططات اسرائيلية مشترك بها كل من يريد بالنجف الأشرف والعراق والعراقيين الدمار والذل، وا لهدف الرئيسي من ذلك هو وقف عجلة مسيرة انماء القاعدة الشعبية للأمام المهدي (عج)، والتعتيم الاعلامي الذي كان ولا زال على حركة وفكر الأمام الصدر المقدس بحيث لم تطبع مؤلفاته لحد الآن، ونرى بعض الصور الموجودة الآن خارج العراق ما هي الا ترويج الى من يريد ان ينسب الأمام الصدر المقدس وحركته اليه، وترويج احاديث للامام الصدر المقدس تفي بالغرض الشخصي اذا صحت هذه الأحاديث والعبارات من كلمات منسوبة اليه(رض) وهي غير موثقة وعدم دعمه اعلامياً في حياته. فقد اوصاني كما ذكرت سالفاً بأن يدعم اعلامياً من جميع وسائل الأعلام، حيث لم نرَ الا بياناً بسيطاً في صحيفة القبس الكويتية الذي نشره السيد محمد باقر المهري احد وكلاء الأمام الصدر المقدس في الكويت، بعد ان ارسلت له احداث شعبان الأخيرة بالفاكس، اما باقي وسائل الأعلام فلم نجد منها تجاوباً، بل في بعض الأحيان عند ما نطلب من بعض من يدعي الأسلام ان يدعموا الأمام الصدر المقدس اعلامياً نجد الرد غير متوقع وعكسي.

وهكذا تعود فاجعة يوسف(ع) من جديد ولكن فاجعة يوسف عصرنا اكبر فيوسف(ع) رُمي في غياهب الجب من قبل اخوته لتلتقطه السيارة، ولم يقتلوه فقد كان في قلب بعضهم خوف من الله سبحانه وتعالى، اما يوسف عصرنا(رض) قتله اخوته وشربوا من دمه واكلوا من لحمه، ويحاولون ان يمحوا فكره، وان يجتثوا شجرته، وهم يعلمون جيداً بأن الأساس هو الإخلاص. والشجرة التي زرعها الأمام الصدر المقدس شجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء، وشجرتهم خبيثة لأنها زرع اليهود. فاعدوا العدة ضد شهيدنا المقدس في سقيفة ثانية، واتفق اهل الباطل على باطلهم، ونسأل الباري عز وجل ان لا نتفرق عن حقنا لكي تفشل مخططات الدولة البيزنطية الحديثة، وحوزتها المشئومة ضد امير المؤمنين(ع)، ونجفه وكوفته وصدره المقدس الذي انجب ملايين الأشبال ونقف بوجه الظالم يداً واحدة، وبدون خذلان او تراجع وضعف، لتستمر حركة شهيدنا المقدس الأ لهية وحوزته المحمدية الشريفة بأذن الله تعالى، ويبقى املنا بالله جل جلاله. واتذكر كلمات شهيدنا المقدس التي قا لها عندما سئل من للحوزة بعدك فقال: للحوزة رب يحميها، وليس بيد عبدالمطلب، او السيد محمد الصدر حفظها وحمايتها.
وأسأل الباري عز وجل ان يحرك هذا الكتاب اقلام اشبال الصدر المقدس لتدوين تأريخ حركة شهيدنا المقدس، وايضاح ثمرة صلاة الجمعة المقدسة، وهذه المسؤولية تقع على عاتق جميع ائمة الجمعة ووكلاءه(رض) وتحليلها من قبل الشرفاء من ادبائنا بأصنافهم من كتاب وشعراء وباحثين. ونرفع ايدينا بالدعاء لمؤلف هذا الكتاب Aمختار القلم الشيخ عباس الزيدي المياحي ونسئل الباري عز وجل ان يدفع عنه كيد الكائدين وغدر الغادرين والله المستعان على ذلك:
اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمةٍ تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدّنيا والآخرة.
وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
24جمادى الأولى 1421هـ
ابو سيف الوائلي
وكيل الامام الصدر المقدس (رض)
المقدمة
الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين
اللهم صلّ وسلم. وبارك وترحم، على محمد نبيك ورسولك الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين.
قدّم أهل بيت العصمة، صلوات الله وسلامه عليهم، كل ما يمتلكون من نفس ونفيس من أجل اعلاء كلمة الله وقد سارت ثلة من ذريتهم وشيعتهم على طريقهم. ولا تخلو صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي من بقعة من دمائهم الزكية وقد كانت هذه الدماء وما تزال المداد الصارخ في سطور هذه الصفحات. وهاهم آل الصدر يواكبون السير بخطى حثيثة على هذا الدرب وهذا البيت الكريم على قلّة عددهم أبوا إلاّ أن يكونوا الأضاحي والقادة لشعب العراق، الذي بدوره اختارهم وهتف بأسمائهم وسار بركبهم. وبعد مأساة السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) الذي ظل القمر الأوحد في سماء العراق حتى جاء الامام الصدر ليقطع مع شعبه مسافات خيالية ويتجاوز من الخطوط الحمراء ما عجز الأولون عن الاقتراب منها.
وأجزم ان الكلام حول شخصيّة الامام الصدر(رض) ومحاولة الأحاطة بها.. بصورة تامة دونه خرط القتاد فلا الشاهد والشهيد ولا مرجعيّة الميدان ولا هذا الكتاب بقادر على اعطاء أقل قسط من حق هذه الشخصيّة الجبارة.
ولكن الفوارق بين هذا الكتاب وما كتبه الآخرون كثيرة ومهمة لست بصدد سردها جميعاً ولكن أهمها انني عاصرت وسمعت ورأيت الكثير منه(رض) عن قرب، والآخرون بعيدون وكذلك فأني وأخواني من أئمة الجمعة وطلبة النجف الذين قلّدوه كنا وما زلنا لا نرى أحداً غيره في عمقه وشجاعته وايمانه وأبوته.. وأنا حين كتبت ما سوف تقرأ لم انطلق من أهداف حركية سياسية وحزبية معيّنة وغير مهتم أو متأثر بأحدها بل انطلق من ولائي للامام الصدر لا غير. أسال الله الثبات على هذا الولاء وحسن العاقبة به إن الله على ما يشاء قدير.
ولا اُسرف في القول إذا قلت انه لم يحدث في العالم الاسلامي حدث اهم من حركة الامام الصدر منذ خلافة أمير المؤمنين(ع) لما اثبتت من استطاعة رجل بمفرده ان يقلب الموازين رأساً على عقب.
وإني ليزداد استغرابي كلما مر الزمن إذ ما هو السبب وراء عدم الاهتمام بفكر الامام الصدر أو بحركته من قبل المفكرين أو الدارسين الاسلاميين؟ وما بال الاعلام الاسلامي نسي أو تناسى معطيات هذه الحركة؟
فهل ان مؤلفات الصدر لا تحتوي على فكر جديد؟ أم ان المصالح الشخصية أو الحزبية لن تستفيد شيئاً من اظهار عظمة هذا العملاق الاسلامي وعلى أية حال فسؤالي هنا ليس للاستفهام بل للأعلام فتفكر!!!
ودع عنك نهباً صيح في حجراته وهات حديثاً ما حديث الرواحل
وأخيراً فان كل ما ذكرته في هذا الكتاب جاء نتيجة مشاهداتي وسماعي لكثير من هذه التصريحات من قبل الامام الصدر(رض) وأولاده والشيخ محمد النعماني(رحمه الله)، الذي أعتمدت عليه بصورة كبيرة نظراً لعلاقتي الشخصيّة معه.
وكذلك اعتمدت على معلومات الكثير من الاخوة الأجلّة من طلبة النجف وأئمة الجمعة ووكلاء الامام الصدر(رض) ولا أجد كلمات مناسبه تفي هؤلاء الاخوة (الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه) حقهم من الشكر والثناء.

رغم كل سنوات الضياع وعدم الالتزام بالشريعة الاسلامية فقد كان العراقيون ومازالوا عاشقين لآل محمد(ص) وبمجرّد أن يسمع الانسان المنحرف اسم أمير المؤمنين(ع) فهو يزهو ويفتخر بأنه موالٍ له ويذكر من مناقب الامام(ع) ما توارثه عن آبائه وأجداده. مع العلم أن أكثر الناس ذوباناً في آل محمد(عليهم السلام) هم الناس الآمّيون وهذا ما نجده حيّاً في أقصى نقطة من ريف العراق سواء في الأهوار أو في الصحراء.
وكنا نعتبر الحوزة العلمية في النجف الاشرف الجنّة التي نتطهر بها بين فترة وأخرى ومجرّد رؤية رجل الدين فان الشياطين تفر من قلوبنا يميناً وشـمالاً ومجرّد سماح رجل الدين بتقبيل يده الشريفة فهذا يعني غاية الفخر في الدنيا والآخرة. وهكذا حافظت الحوزة على قدسيتها الى سنة وفاة الخوئي وكان الأمر كالصاعقة على رؤوسنا ومع ذلك كنا نأمل المزيد فالحوزة ستبقى مهما خسرنا من أعلام وقادة. ولأول مرّة نسمع ان هناك في النجف رجل دين عميل يتسلّط على رؤوس المساكين من علماء الشيعة وهذا الرجل جبار وقاتل وصديق حميم لرأس النظام!!!
وكان الفضل كل الفضل في نشر هذه الحقائق Aالتي تبيّن انها أكاذيب يعود الى الحوزة والى ابن زعيم الحوزة. فبدأنا نلعن هذا الرجل العميل والبراءة منه لاننا رغم جهلنا كنّا نكره النظام.
وكذلك لن نسمح لرجل دين وإن كان عراقياً بان يتعاون مع النظام ويدمر مرجعيّة الآيات العظام اذ لا توجد في قواعدنا قاعدة اسمها مرجع عراقي!!! وهذا ما اصبح من البديهيات مع أننا كنا نؤمن كل الايمان بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى. وهناك عامل آخر هو المهم ان الآيات العظام معصومون ولكن ليس بالعصمة الواجبة بل بالعصمة الثانوية!!! ومن هذا الكثير.
وشاءت أرادة الحق ان نقترب من الحوزة أو انها اقتربت منّا وهذا ما فعله العميل!!! فبدأنا معه صراعاً شديداً ولكنه سريع ومسابق للزمن بشكل لا يمكن لسنن التاريخ ان تتسابق معه.
فكان يصرّح وكنا نستنكر مرّة ونستفهم أخرى فمن هو هذا الذي قد قدم الينا من المجهول ليحاول تدنيس قدسيّة الآيات العظام.
كان يقول تأكدوا من قولي اسألوهم كذا وكذا وطالبوهم بكذا وكذا.. وأحببناه رغم عدم تصديقنا بما قال بشكل كامل إذ بقينا مترددين وبمرور الزمن بدأت خيوط الحقائق تقترب مرّة وتبتعد أخرى.. فاذا هي كالسراب ونحن نركض ونهلث لعلنا نجده ماءً أو وهماً وجاءت Aسنوات المحنة وأيام الحصار في منتصف هذا الصراع لتعلن ان نصف ما قاله ذلك العميل حق محض. وعادت دماء محمد باقر الصدر الى الغليان من جديد فصدام هو الذي طعن الصدر محنةوقتله ولكن من أعطى له السكين ومن افتى له بالطعن؟ هذا ما اجابته بوضوح ً فحصل الرجل على نقاط قوة وتأييد واصبحت صفة العمالة منتفية. واصبح محمدالنعمانيً الصدر هو السيد محمد الصدر!!! ماذا لديك أيّها السيد؟ وما هو الفرق بينك وبين قتلة استاذك هل عندك شيء جديد أم هو السكوت والركون واكل الحقوق والكذب والاحتيال والخداع!!؟
نعم وجدنا عنده الجديد والكثير والعجيب وكل العجب.
وجرَّد سيفه ومضى يصارع العالم اجمع والجبهات متعددة فاليهود من جهة والنصارى من جهة والمسلمون من جهة ولأول مرّة في تاريخ البشرية تجتمع كلمة الشيعة والسنة واليهود والنصارى والسيخ وا لهندوس والبوذيين والشيخية واليزيديين ووو. على عدو واحد بدأ صوته يرتفع بدون خشية والكل ينادي أقتلوه اقتلوه. والسهام تتوالي عليه حتى اصبح ظهره كظهر القنفذ.
وفي كل يوم جديد تتجدد المعركة.
وبدأ العراقيون يسيئون الظن وهذه أول خطوة مع التردد هل الكل على باطل؟ والسيد محمد الصدر على حق.
هل عصى اًلله؟ كلا. هل جاء بدين جديد؟ كلا. هل امرنا بطاعة الشريعة؟ نعم. هل امرنا وعلمنا كيف نعرف ونحب الله؟ نعم. هل وجدناه في العمل كما سمعناه في القول؟ نعم.. فلماذا يحاربونه باسم الاسلام هل يوجد اسلامان أو أكثر؟ والعراقيون يموجون ويتحيرون الى ان تثبتوا وثتبوا فألتفوا حوله وأصبح السيد محمد الصدر هو الامام الصدر وكفروا بكل دين إلاّ دين الأمام الصدر. فاجمع العالم إجماعاً منقولاً ومحصلاً باهدار دمه وتمزيق اشلاءه وحرق كفنه وكسر سيفه وتشريد ايتامه.
وعاد معاوية بكل قوته يصرخ }سحقاً سحقاً... دفناً دفنا{ لا تبقوا لآهل هذا البيت باقية أفتوا بان الجمعة فتنة والذي افتى بها من اصحاب الفتن أفتوا بأن كتبه كتب ضلال ولا تجوز قراءتها.
امنعوا صوره في المكتبات والشوارع...
كمموا الافواه التي تنادي عاش عاش.. عاش الصدر فهذا الصوت قد اخترق الآذان فارتجت الادمغة.
ولكن هيهات هيهات سيبقى اسم الامام الصدر اللعنة التي تطاردكم في دروسكم وفي بيوتكم وفي احلامكم وان يتامى العراق ونساءه وشيبته وشبابه وجباله وسهوله يلعنونكم ويبصقون في وجوهكم يا قتلة الصدر.
فلعن الله امة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به.
والسلام عليك يا نائب الامام سلام من أسود قلبه من الحقد الى أن يأخذ ثارك مع امام حق بأذن الله ورحمة الله وبركاته.











الحوزة وشيعة العراق
لا يمكن لأحد ان ينكر دور أهل العراق في الاسلام، ونشره والدفاع عنه على طول تاريخ الاسلام، وهنا لابد أن الفت النظر الى مسألة ان أهل العراق يكادون أن يكونوا الامة الوحيدة التي دخلت الاسلام طوعاً وقامت سيوفهم بطرد الفرس من أرض العراق تحت راية الاسلام. ويمكن القول ان العراقيين هم قادة الحملات الاسلامية في الفترات الأولى للفتوحات الاسلاميةوكذلك فان الفكر الاسلامي الأصيل ظهر على ارض العراق سواء على الصعيد العقائدي او الفلسفي أو العلوم الطبيعية أو الانسانية عموماً، ويكفي في هذا المقام أن اقول ان ائمة أهل البيت(عليهم السلام) قد أتخذوا جميعهم ارض العراق كمنطلق وقاعدة لبث الاسلام ومذهب آل محمد(عليهم السلام) وذلك لما لأهل العراق من امتياز بالذكاء والثبات على المعتقد الصحيح، ومعروف ان اهل العراق في الأعم الأغلب من الشيعة الموالين لأهل البيت(عليهم السلام) ومع كل ما تعرّضوا له من اضطهاد، وقتل وتشريد إلاّ انهم ثبتوا على ولائهم حتى اعجزوا السلطات الحاكمة سواء في فترة الحكم الأموي أو العباسي أو العثماني الى هذا الوقت مما اضطر السلطات الى الوقوف بعجز تام امام صمود أهل العراق، وفشلت كل محاولات صرفهم عن المذهب الحق. ولا يمكن التغاضي عن دور أهل العراق في الثورات الاسلامية على طول الخط اذ لا تذكر ثورة اسلامية إلاّ وكان العراقيون قادتها أو اصحاب الدور الأهم فيها ـ وهذا مادعى الى شن الحملات الاعلامية ضدهم حتى لصقت بهم سمة اهل الشقاق والنفاق، وأهل الفتن وقد أجاد المعتزلي ابن أبي الحديد في الرد على هذه التهمة قائلاً ما مؤداه:
}إن السبب في خروج أهل العراق المستمر وتذمرهم من السلطات أو الاتجاهات العقائدية المختلفة هو أن أهل العراق إذا ما طرح عليهم فكر جديد أو فلسفة معيّنة فانهم يسألون لماذا وكيف، ويناقشون، ولا يسلّمون بكل ما يسمعون أو يلقى عليهم وهذا ما يفتقده الأعم الاغلب من المسلمين وهذا هو الذي دعى الى نشوب الثورات أو ما يسمّى بالفتن{
ويمكن ان نستشف من قول القائل انهم اهل شقاق. أي انهم يشقون عصا الطاعة.
ولكن أليست هي عصا الأنظمة الجائرة؟ وهل مرّت فترة على العراق لم يحكمه فيها غير الطغاة المستبدين إلاّ فترة الأمامين أمير المؤمنين والحسن(عليهم السلام) وهذا ادعى الى تسمية اهل العراق بأنهم ثوار الأمة الاسلامية وإذا كانت وصمة قتل الامام الحسين(ع) تلاحق اهل العراق الى الآن فلنا ان نقول قبل كل شيء اين هو المكان الذي كان بالامكان ان ينصر الامام الحسين غير العراق وكذلك نسأل مَن هم انصار الامام الحسين غير العراقيين كحبيب، وزهير، ونافع، وبرير، ومسلم بن عوسجة وباقي الأصحاب أليسوا من أهل العراق؟ أليس أن السجون الأموية كانت ممتلئة في ذلك الوقت بالالاف من الشيعة الذين أرادوا الوثوب مع الامام(ع)؟ ومن هم الذين ثاروا للطلب بثأر الامام سواء في حركة المختار أو التوابين؟ ومن هم أنصار زيد الشهيد؟ ومن هم أنصار ثورة محمد وأبراهيم؟ غير اهل العراق هذا مع التخاذل المتواصل من قبل باقي المسلمين واذا كان أهل العراق أهل نفاق فماذا يفعل الائمة الاثنا عشر في العراق وقد اتخذوه قاعدة ومدرسة سواء في الكوفة أو بغداد ولنا أن نقول ان اهل العراق ثبتوا على تشيعهم مع كل انواع الظلم بينما نجد بعض الامم الاخرى قد تبرأت من التشيع بمجرد ان شهر عليها السيف كما حدث في المغرب العربي، ومصر وغيرها من البلدان.
مع هذا وغيره نجد أن اهل العراق قد تفاعلوا بشكل كبير مع اهل البيت وأصبحت السمة المعروفة عنهم انهم اصحاب تشيّع أو رفض كما يحب متعصبوا العامة أو صنائع السلطات في كل وقت ان يسمّوهم بذلك، وقد ورث علماء الشيعة مدارس آل محمد(ص) في العراق سواء في الكوفة }النجف الأشرف{ أو بغداد أو الحلة وكذلك كان العراق وما يزال المرجعيّة العليا للشيعة وان حدث ما أدى الى تحوّل المرجعيّة الى قم فمما لا شك فيه ان ابرز مراجع التقليد، وعباقرة المذهب ما هم إلاّ تلامذة النجف الأشرف وقد تخرجوا من مدرسته وحوزته العملاقة، وإن اضطرتهم الاحداث الى الانتقال الى قم فهذا لا يعني انتسابهم الى غير حوزة النجف مع الأخذ بنظر الاعتبار المكانة المرموقة لحوزة قم، وفوق كل ذلك فان الحوزات وان تعددت فان الغاية واحدة والفخر يعود الى المسلمين كافة مادمنا أصحاب عقيدة واحدة.
على أية حال فان اهل العراق بقوا على تماس مع الحوزة، والمرجعيّة في النجف، ومن ينسى التفاف عشائر العراق حول المرجعيّة في ثورة العشرين بقيادة الحوزة، وفي انتفاضة شعبان المباركة، وحول المرجع الديني الأعلى الامام الصدر(رض) وكذلك فان بقاء الحوزة كان مرتهناً بالتفاف الجماهير حول المرجعيّة من خلال ممارسات، وشعائر اسلامية عديدة من أهمها اداء الحقوق الشرعيّة التي تعتبر عماد المذهب.
والآن يمكن طرح مدى تأثر وتأثير الحوزة في الشارع الاسلامي في العراق فالمتتبع يجد أن الحوزة والمرجعيّة مقدسة عند العراقيين ومع ذلك كان المجتمع يغط في جهل عميق فهل ان السبب يعود باللائمة على الجماهير أم لا؟ وقبل الخوض في هذه المسألة الحساسة علينا أن نأخد بالحسبان ان العصمة محصورة في الامام فحسب وأما باقي الخلق فمعرّضون للسهو، والنسيان، والخطأ، وحب الدنيا وألخ من اوساخ هذه الدنيا الحقيرة. وان النقد الموضوعي ينال الجميع بدون استثناء سواء كان موجهاً إلى كاسب أو مهندس أو مجتهد.
على هذا الاساس نجد ان الحوزة مرت خلال التاريخ المعاصر بمشاكل وبتيارات عديدة فمع وجود التيار التقليدي الذي يفضل الجمود والاستكانة يوجد بين مدة وأخرى تيار ثوري يؤثر في مجرى الاحداث ويغير ولو بنسبة ما من شكل المجتمع فمثلاً عندما قامت حركة المشروطة التي طالبت بالدستور في ايران ايّدها عدد من العلماء، وعلى رأسهم الشيخ الآخند والسيد محمد مهدي الصدر وعارضها آخرون كالسيد محمد كاظم اليزدي وفي الاحتلال الانكليزي للعراق ثار عدد من العلماء وفضل آخرون عدم التدخل وبعد ذلك في فترة الستينات التي شهدت تحركاً ثورياً ناهضاً للامة الاسلامية خصوصاً في النجف الاشرف اذ حدث انقلاب في توجه الحوزة في النجف الاشرف بسبب انتشار المد الالحادي وزاد كل من الطرفين من حدة توجهاته فبينما وجد شباب الحوزة وعلماءها الواعون في وجود السيد الشهيد باعثاً ومحرّكاً لنهضة اسلامية وولادة فكرة اقامة حكومة اسلامية، تطرف الجانب الآخر في توجهه بل أدى الأمر الى نشوب حالة عدائية بين الطرفين.


فبينما سعى السيد الشهيد ومن ناصره الى توعية الجماهير الاسلامية وغض الطرف عن اي اساءة أو جمود في الرأي أخذ الاتجاه الآخر في التطرف ومحاربة الحركة الفكرية الجديدة وقد قاموا بأساليب عديدة لتحجيم دور الفكر الجديد ولكن بدون جدوى فما دام الشباب هم العنصر الذي يغير من معالم التاريخ ومادام هؤلاء الشباب ملتفين حول الحركة الاسلامية الناهضة لم تجد محاولات فرض العزلة من قبل الجهة التقليدية وإن كان يجب علينا للامانة التاريخية ان نذكر ان السلطات الحاكمة الى هذا الوقت قد استعانت بصورة كبيرة بالفكر التقليدي ان صح تسميته فكراً وذلك للتأثر الذي يمكن ان يمارسه هذا التيار فعلى صعيد العشائر العراقية والتي كانت تمتلك الكثير من المؤهلات في ذلك الوقت مع أنها تسود فيها روح العشائرية، والأميّة، والجهل فقد التفت هذه العشائر حول المرجعيّة التقليدية وكانت تنتظر كلمة واحدة من المرجعية لتقلب النظام ولكن النتيجة كانت سالبة دائماً فقد حاول السيد الخميني(قدس) ان يثير هذا الامر عند المرجعيّة وعرض خدمته للحوزة وانه جندي من جنود المرجعيّة وان العشائر العراقية تنتظر كلمة واحدة منها: إلاّ ان الجواب كالمعتاد هو الرفض لاي تحرك وهذا ما حدث في مرجعيّة السيد الحكيم فمع كل ما يمتلك الحكيم من شعبية وحب من قبل المجتمع العراقي إلاّ انه فضّل سلوك المسلك التقليدي ونسمعه يصف العراقيين بأنهم اصحاب شهوات وانهم سوف يخذلوننا وغريب جداً أن يصدر هذا الكلام من السيد الحكيم فقد كان ميدانياً وعملياً يعرف هذه العشائر وقد قاتلت في ثورة العشرين بمرأى وبمسمع منه وانما سمي السيد الحكيم مجاهداً بفضل هذه العشائر ليس الاّ !!! و لهذا السبب تعرضت الحركة الاسلامية في العراق لضربة مؤلمة.
ومن جهة أخرى فان الشباب الناهض بقيادة السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) لم يكن يستطيع الحركة على صعيد المرجعيّة اذ أن تصدي الشهيد في ذلك الوقت معناه شن الحرب عليه من قبل الحوزة التقليدية وكما يعلم الجميع فانه اضطر الى كتابة رسالته العملية بخط يده ونشرها بين اصحابه فقط، الى سنة 1970م اي عندما توفي الحكيم ولكن استطاع الشهيد ان ينزل الى المجتمع المثقف فحسب من خلال الفكر الحديث ومواجهة التيارات الملحدة والمادية التي كانت سائدة في ذلك الوقت وكتابة مؤلفات تعتبر بمثابة طفرة في الفكر الاسلامي فلم يكن معروفاً في الحوزة ان تدخل في خضم الدراسة والفكر الاكاديميين او مناقشة النظريات الحديثة إلاّ بنطاق ضيق، وقد لاقت مؤلفات الشهيد اقبالاً كبيراً من قبل شباب الامة الواعين في الوقت الذي اكتفت فيه الحوزة بالافتاء فقط.. فمثلاً إكتفت الحوزة التقليدية لمواجهة الشيوعية بالفتوى المشهورة بأن الشيوعية كفر وإلحاد، والحق ان الشيوعية كانت مستحكمة في العراق وتلاقي اقبالاً جماهيرياً بسبب الضغط الاستعماري والاقطاعي فلم تجد ما يواجه هذا الظلم غير الفكر الشيوعي مع العلم ان الغالبية العظمى ممن انتسب الى الشيوعية من جهال الناس ولا يفهمون شيئاً عن الشيوعية إلاّ أنها تساوي بين الافراد وانه لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالانتاج والمضحك المبكي ان اكثر الشيوعيين في العراق كان يصلّي الفرض ثم يذهب للاجتماع مع باقي الماركسيين واما الماركسيون في العراق فلا يفهمون شيئاً عن الاسلام إلاّ ما كان يوصله بعض الملالي من المحتالين الذين لا يستطيعون ان يوصلوا فكرة ما بصورة مستقيمة وهمهم الأوحد هو البكاء، وجمع الاموال لذلك نجد المثقف الماركسي يتفاجأ حينما يجد نظرية اسلامية متكاملة تجاه الكون ولكن عندما طرح السيد الشهيد فلسفتنا، واقتصادنا أثار عاصفة في المجتمع الاسلامي عموماً والعراقي خصوصاً ومع كل هذه الخدمات الجليلة للسيد الشهيد إلاّ أن المسلك التقليدي للحوزة كان يسمي هذه المؤلفات كلام جرائد مع العلم ان اكبر عبقري من هؤلاء لا يستطيع ان يؤلف بهذا المستوى فضلاً عما هو أفضل اما الاستهزاء بشخصيته فحدث ولا حرج إذ انه بات يشكل خطراً على المرجعية من حيث الخوف من التوجه الجماهيري الى تقليده والنفس الانسانية مجبولة على حب الذات مالم تتجه لله باخلاص فمثلاً صار التهديد لمن يحضر بحث السيد الشهيد موجوداً في اية لحظه بقطع الراتب الشهري الذي كان لا يسمن ولا يغني من جوع والتهديد بتشويه السمعة حاضر في أي وقت وعليه يتهدد المستقبل الحوزوي لمن ينضوي تحت لواء الشهيد الصدر وبعد وفاة السيد الحكيم تصدى السيد الشهيد بطبع رسالته العملية على شكل تعليقة على منهاج الصالحين فقامت الدنيا ولم تقعد حتى تم تهديده ويكفي مراجعة كتاب الشيخ النعماني لمعرفة مدى الضغط والنهج الذي واجهه الشهيد نتيجة طبعه لرسالته العملية مما اضطره الى الاعتراف بان مرجعيته هي في طول }مرجعية الخوئي{ مع ان علمية السيد الشهيد قد بلغت حداً ورقياً لا يملك الانسان أمامها إلاّ ان ينحني معترفاً بأعلميته وأحقيته بمرجعية المسلمين، ولكن الأمر بقى محصوراً داخل الحوزة، ولم يكن الشارع يعلم ما يدور في الحوزة إلاّ ما خرج بشكل منمق مع اعطاء اعذار واهية وبقى الشارع العراقي يعيش بمثالية لا وجود لها إلاّ في مخيلته البريئة اذ ان العلماء كلهم مقدسون ومعصومون وان روح الاخاء موجودة عند جميع العلماء وهذا لا أساس له إذ ان الطريق الذي يمشي فيه احدهم لا يمشي فيه الآخر إلاّ ما كان من السيد الشهيد اذ انه كان يحاول ان يصلح ما افسده الآخرون.
ولكن هذه النتيجة جاءت على حسابه، وعلى حساب الشعب العراقي المظلوم، ولا يمكن ان ننسى ان احد اولاد المراجع وقف امام مدير الامن العام فاضل البراك في ذلك الوقت واشار اليه بضرورة التخلص من محمد باقر الصدر( وهو احد اولاد الخوئي).
كما ذكر النعماني في كتابه مع انه تحاشى ذكر الاسماء وكانه يتحدث عن بيت العصمة خشية من وقوع الفتنة والنتيجة ابقاء الامة في غياهب الجهل واعطاء القداسة والعظمة للهيكل المنخور الذي مازال يسيطر على مقدرات الشيعة في كافة انحاء العالم وبناء القصور من عرق الفقراء الذين يقدمون الحقوق وا لهدايا لامبراطورية النجف ظناً منهم انهم يقدّمونها الى وصي من الأوصياء.
ان طبيعة المجتمع العراقي تقديس رجل الدين كائناً من يكون ولم تكشف الاوراق إلاّ في عهد المرجع المظلوم السيد الأمام الصدر كما سوف يتضح في مستقبل البحث.
ان هذه ا لهالة ادت الى تأخر المجتمع العراقي سواء على مستوى الفهم السياسي أو الديني فلو تفحصنا المدة التي تزعم الخوئي فيها المرجعية لوجدنا ان الشارع كان فارغاً تماماً من اي محتوى اسلامي فالتقية هي الدرع التي كان يتصحن به دعاتها. وإن الحجة التي يتذرعون بها هي الحفاظ على دماء الشيعة مع ان هذه الدماء في كل الاحوال لم تكن مصانة ابداً فهي تسفك على طول الخط سواء تمَّت مواجهة الظلم أو لا.
والملفت للنظر ان الحكم كان بالامكان ان يكون بيد الحوزة خصوصاً في عهد الحكيم حينما كانت الحكومة ضعيفة جداً في الستينات ويكفي اي مجموعة ان تقوم بانقلاب وتسيطر على الحكم فكيف بالحكيم الذي كان بامكانه ان يقود العالم الاسلامي بأسره في ذلك الوقت وعندما كانت عشائر العراق تنتظر كلمة واحدة منه! إلا أنها النظرة الضيقة والمحدودة داخل قوقعة التعالي واحتقار الامة حتى تمكن البعثيون من السيطرة على الحكم ومحاصرة الحوزة والقضاء على شبابها ومفكريها الواحد تلو الآخر والحوزة تتفرج.
وكل ذلك بعد ان خدعوا الحوزة واية خدعة والملاحظ ان الحوزة لم تكن تعتني بمشاكل الامة بصورة عملية واحياناً تندد مكتفية بالتنديد واحياناً أخرى تصمت وهذا هو الغالب وهذا ما حدث عند اعتقال السيد الشهيد اكثر من مرّة حتى تم اعدامه مع أخته والحوزة تغرق في صمت رهيب والشعب يقدم عشرات الالاف من الضحايا. كل هذا (وهم صامتون كصمت القبور) كما قال الأمام الصدر. ان فترة المرجعية للسيد الشهيد تمثل مأساة، ومظلومية الشعب العراقي فقد دخل الشعب العراقي الحرب ضد الشعب الايراني، وغالبية الشعب لا يفقه شيئاً ولا يعي ما يفعل اذ ان الحوزة لم تكرس مجهوداً عملياً لازاحة الجهل عن كاهل الامة، وقد يقول البعض أنه في عهد الحكيم تم انشاء مكتبات عديدة في كل انحاء العراق.
اقول هذا صحيح ولكن هذا لا يكفي إذ ما فائدة المكتبات اذا لم يكن هناك صوت يوجه، ويواجه. إن الامة ليست بحاجة الى كتاب بقدر ما تحتاج الى توجيه ورمز وان عامل الخوف كان مسيطراً على الجماهير الى ان جاء الأمام الصدر فازاله الى يوم القيامة.
وأطرح هنا سؤالاً ماذا تفعل الجماهير اذا كان المرجع يقول إني اخاف ومن اين تستمد الجماهير الشجاعة إذا كان القائد جباناً. وهذا يلقي بظلاله على محاولة المقارنة بين قم والنجف... فما هو الفرق بين الشعب العراقي والشعب الايراني؟ ان العراقيين كانوا دائماً اصحاب المبادرة في الحركات الثورية، والاسلامية ونجد ان الحركة الاسلامية حتى فى ايران كان لحوزة النجف الدور الريادي والقيادي والمؤثر فيها، فمثلاً في عهد السيد المجدد الشيرازي حدثت ازمة التنباك عندما اصدر المجدد فتواه المشهورة بتحريم التدخين مجبراً الشركات الانكليزية على الانسحاب، وبعد ذلك حركة المشروطة التي كان لعلماء النجف دور مهم فيها وحتى الثورة الاسلامية في ايران تمت بمساندة كبيرة من قبل السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) والشعب العراقي ككل الى ان انتصرت الثورة، فما هو الذي جعل ايران تنتصر والعراق يفشل ويضمحل دوره الاسلامي؟
يمكن ايعاز ذلك الى عدة اسباب منها:
1 ـ ان التفكك في القيادات الحوزوية في النجف كان على اشده والتناحر قائم بينهم والحرب مستمرة. وهذا وإن وجد في قم إلاّ انه ليس بالمستوى الذي في النجف إذ لم يكن في النجف سوى صوت واحد هو صوت السيد محمد باقر الصدر(قدس) وطلبته بينما في قم كان هناك الكثير ممن يؤيد ويساند الثورة من علماء قم البارزين، وحتى الذين عندهم خلاف مع القادة لم يتركوا شعبهم وقت الأزمة.
2 ـ تقديم علماء النجف واقصد الجهات المسيطرة على زعامة الحوزة لمصالحها الشخصية على المصلحة العامة.
3 ـ تبلور فكرة الولاية العامة وظهورها بشكلها العصري العملي بينما النجف غارقة في لجة الولاية الخاصة: إلاّ ما كان من السيد الشهيد ومدرسته التي كانت لا حول لها ولا قوة.
4 ـ طرح حوزة قم لمشاكل المجتمع بصورة مستمرة وعدم السماح لأي تجاوزات على الاسلام والتداخل مع الشارع بصورة شعبية ادى الى التقارب بين الشعب والحوزة.
بينما في النجف بقيت العمامة في برجها العاجي لا يكاد أحدهم يتكلّم كما يتكلّم العوام إلاّ من شذ عن القاعدة.
5 ـ خلو حوزة النجف من المنبر المرجعي واعني به ترقي المراجع على المنابر ومخاطبة الجماهير إذ ان الطابع المأخوذ في حوزة النجف هو الاستخفاف بمن يرتقي المنبر. وعلى اعتبار انه مستوى متدني في العلمية وكذلك عدم القدرة على التكلّم بصورة خالية من الاخطاء مما قد يؤدي الى الحط واهانة العالم بينما نجد العلماء في قم وعلى رأسهم السيد الخميني يخاطب الامة حتى وهو خارج ايران من خلال الكاسيت.
وقد يقول القائل ان في العراق خطباء مشهورين وقد كانوا على استمرارية في اقامة المجالس.
اقول... ان كل الخطباء إلاّ القلة القليلة، من الذين يحرصون على ارضاء الحوزة وعدم التدخل في الشؤون السياسية فان التدخل في السياسة معناه الارتباط بخط السيد الشهيد وهذا معناه التضاد مع الجهة الاخرى وعبور الخط الاحمر، والويل لمن يفعل ذلك.

6ـ عدم نضوج الوعي الجماهيري كما هو عليه في مرحلة الأمام الصدر إذ أن المستوى الثقافي عموماً كان بمستوى جيد إلاّ ان اعطاء صبغة العصمة لكل رجل دين اوقع المجتمع في مشاكل عديدة وعدم تحديد القيادة المخلصة والناضجة والمتحضرة.. وهذا السببب راجع ايضاً الى تراجع مفكري الاسلام المجددين عن تبيين زيف العديد من الاتجاهات وان كانت هناك محاولة أو اثنتان ولكنها بقيت في اطار التقليدية في الطرح، واعطاء سمة الاحقية للغير في ابداء رأيه مع مصادرة رأي الاتجاه الواعي ولو بصورة غير مباشرة. وذلك من خلال إجازة تقليد العديد من المراجع الذين يقبعون في واد والامة في واد آخر.
ويكفي في هذا الاطار ان نشير الى ان مستوى الفهم عند الامة متدني في ابسط المفاهيم الاسلامية ناهيك عن الجهل بالاحكام الابتلائية الشخصية ودخول الكثير من المغالطات والخرافات واستقرارها الى حين انبعاث الثائر الاسلامي الاكبر الأمام الصدر(رض).
ومع كل ذلك فان تلك المفاهيم كان لها اثر كبير في مواجهة الامام الصدر فليس من السهل اجتثاث الجدور التاريخية لتلك المفاهيم في الحوزة فضلاً عن الشارع الاسلامي وهذا ما سوف نحاول استعراضه ان شاء الله في هذا الكتاب.

نشوء العبقرية
ولد السيد محمد الصدر بدعاء والديه عند بيت الله الحرام وذلك سنة 1361للهجرة الموافق 1943ميلادية وكان ينشأ بصورة غير معتادة كما هو الحال عند استاذه السيد الشهيد وأدخله والده الحجة السيد محمد صادق الصدر(قدس) الى مدارس منتدى النشر الابتدائية فالمتوسطة فالاعدادية وبعد ذلك دخل الى كلية الفقه الى ان تخرج حوالي سنة 1963 ـ 62م وقد رجع في التقليد حسب وصيّة والده الى الشيخ علم ا لهدى مرتضى آل ياسين(قدس) الذي هو عم والدة السيد الشهيد حيث ان والدته كريمة الشيخ محمد رضا آل ياسين(قدس) ولكن شهيدنا يقول انه بعد ذلك وعندما حضر بحث الخوئي وجد الفرق شاسعاً بينهما فرجع الى الخوئي في تلك الفترة ولكن عدل بعد ذلك الى السيد الشهيد وحسب الظاهر أن شهيدنا انما يشير الى مدى علمية كل من هؤلاء وترجيحه لاحد على الآخر اذ يبدو أنه كان مطمئناً باجتهاده منذ فترة بعيدة حتى انه قال ان زوجته رجعت اليه في التقليد بعد الزواج مباشرة وزواجه كان سنة 1963 ـ 62وعليه فهو حاصل على مرتبة الاجتهاد في فترة مبكرة ولكنه آثر السكوت على هذا الامر لاسباب عديدة منها انه لم يكن يفكر في يوم ان يكون مرجعاً للتقليد حسب قوله(رض). كذلك فهو قد يرى في الامر تنازعاً دنيوياً فعليه كتم هذا الامر ولم يعتنِ بنشره، والدليل على ذلك انه الى حد سنة 1970كان قد صدر الجزء الأول من موسوعته القيّمة حول الامام المهدي(ع) والموسوعة فيها من سعة الأفق وطول النفس وقوة الاستدلال ما قد تكون قرينة على اجتهاد صاحبها( وقد تأكد اجتهاد الامام الصدر قبل دخوله بحث السيد الشهيد وقد ذكرت عائلته انه ناقش استاذه في اول يوم لحضوره بحثه ).
وقد كتب خلال هذه الفترة ما قبل سن العشرين اشعة على اصول الدين، ونظرات اسلامية في اعلان حقوق الانسان، وفي هذا الأخير مناقشة لكبار فلاسفة الغرب في العصور الوسطى وما بعدها مثل جان جاك روسو وتوماس هوبز وجون لوك وبعد ذلك يقول انه وقع في يده كتاب للسيد صدر الدين الصدر(قدس) حول الامام المهدي(ع) فأراد أن يخرّج رواياته وشرح بعض مطالبه وادراج بعض الاجوبة على بعض الأسئلة التي يمكن ان تطرح، فرأى ان الامر يحتاج الى وقت وجهد كبير فترك كتاب عمه واتجه لتأليف الموسوعة وقد صدر منها أربعة اجزاء، والجزء الخامس والسادس مازالا مخطوطين الى ما بعد الاستشهاد وخلال هذه الفترة أيضاً كان شهيدنا لا يتدخل في أية مسألة صغيرة أو كبيرة بل يقول انه كان يرى ويسمع ويطبق بينه وبين الله وكان يشاهد معاناة أستاذه السيد الشهيد ويدرس ما يحدث ليشاء الله ان تخرج النتائج بعد ثلاثة عقود حيث تصديه المبارك للمرجعيّة وعندما صدر كتاب فلسفتنا للسيد الشهيد رد عليه عدد من كبار الماركسية فعزم على رد الاشكالات فتناو لها في الجزء الرابع من الموسوعة}اليوم الموعود{ وأتم كتاب فلسفتنا بادلة ومناقشات يجدر بنا ان نطالعها فلطالما تحدث الكثير عن عدم امكانية شهيدنا وهم لم يقرأوا له صفحة واحدة والحمد لله رب العالمين( وتجدر الأشارة الى أن الكثير من الذين قرأوا فلسفتنا Aواليوم الموعود قيموا مستوى
Aاليوم الموعود بأنه مرحلة أعلى من فلسفتنا وأستدلا لها أقوى بكثير.).
وفي اواسط السبعينات أي حوالي سنة 1977م طلب عدد من الفضلاء منه القاء البحث الخارج فعرض الأمر على استاذه السيد الشهيد فبارك هذا الامر فشرع ببحثه على كتاب المختصر للمحقق الحلي ولمدة أشهر بعد ذلك توقف بسبب الاوضاع السياسية والاعتقالات.
ويوجد عدد من طلبته في ذلك البحث مازالوا على قيد الحياة حال كتابة هذا الكتاب: ويقول شهيدنا انه طُلب منه هذا البحث على الرغم من وجود عدد محترم من طلبة السيد الشهيد. إلاّ انهم اختاروه دون سواه.
وهنا أسأل: هل ان هؤلاء الطلبة اختاروه اعتباطاً ام انهم يعلمون امكانيته؟.
والسوال الثاني: هل ان السيد الشهيد كان يجامل وهو المعروف بدقته العلمية؟ وعلى هذا فهو يضل الطلبة بأختيار استاذ غير كفؤ.
أقول: حاشا السيد الشهيد محمد باقر الصدر عن المجاملة في العلم ولو كان هناك من هو اهل للبحث لما تركه الطلبة الى سواه( أجتمع في ذلك الوقت عدد من طلبة السيد محمد باقر الصدر فتناقشوا فيما بينهم، حول الأعلم هل هو السيد محمود ا لهاشـمي أو السيد محمد الصدر فكان الجميع يقولون بأن الامام الصدر أعلم من ا لهاشـمي إلا واحداً منهم نقلا عن عبد الجبار الرفاعي).
وكان شهيدنا يمثل أستاذه في مناسبات عديدة سواء في النجف أو المحافظات اذ كان يلقي كلمة نيابة عنه أو غير ذلك.
وكان(رض) قد اعتقل عدة مرات مابين 1974 ـ 1991 وكانت مدة اعتقالاته حوالي شهرين لا أكثر ومن جملة هذه الاعتقالات ما تحدث به احد طلبة السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) قال كنت مع السيد محمد الصدر في مكان فسألته عن مسألة فما كاد يجيبني عليها حتى داهمنا رجال الأمن وألقوا القبض علينا وأخذونا الى مديرية الامن فوضعوني في وعاء كبير أظنه معداً }للمزبلة{ ووضعوا السيد محمد الصدر في آخر وهو مواجه لي وبعد برهة قليلة توجه إليّ السيد محمد الصدر وقال: يا سيد فلان جواب مسألتك هو كذا وكذا.
قال: فانفجرت ضاحكاً فتبسم السيد محمد الصدر قائلاً: ها تستدعي الضحك؟ نعم تستدعي الضحك.
ومع ذلك فان شهيدنا كان عازلاً نفسه اجتماعياً إلاّ بشكل بسيط لا يخلو من الرسمية وهذا كان أحد أهم أسباب تنامي شخصيته ليس من الناحية العلمية فقط بل من الناحية المعنوية والروحية حيث انه اعتكف على الدرس والعبادة الى درجة يروى ان السيد محمد صادق الصدر(قدس) اشتكى ذلك الى استاذه السيد الشهيد.
وقد تعرف خلال هذه الفترة بالحاج عبد الزهرة الكرعاوي، ولكن قبلها كان شهيدنا هو الذي قام بتبليغ الطلبة حرمة الانتماء الى حزب الدعوة بأمر من السيد الشهيد محمد باقر الصدر واتجه الاتجاه العرفاني وشهيدنا لم يكن مؤمناً بالخط والمنهج الذي اتخذه استاذه في أنشاء الحزب ومنهجه بصورة عامة كما سوف يتضح.
لذلك نجد ان رفاق الشهيد وغيرهم استغربوا من تصديه للمرجعيّة ليس لشك فيه بل لان محمد الصدر الذي يعرفونه، في الحقيقة لا يعرفونه، نعم هو عالم ولكن ليس قائداً، هذا معتقدهم الى حين الاستشهاد والبعض الآخر نظر بمنظار آخر سوف أتناوله بفصل مستقل.
تزوج شهيدنا ابنة عمه السيد محمد جعفر الصدر ما بين سنة 1963 ـ 62م وولد السيد مصطفى اكبر اولاده سنة 1964م في أواخر هذه السنة لذلك أرّخوه في ا لهوية سنة1965م.












ما بعد الصدر(قدس)
بعد استشهاد السيد محمد باقر الصدر(قدس) فرض على شهيدنا ما يشابه الاقامة الجبرية من جهتين:
الأولى من جهة النظام ولو انهم لم يقولوا ذلك بصراحة إلاّ ان مراقبة البيت مستمرة. وكان بالقرب من بيته محل وقد جعل منه ازلام النظام وكراً للمراقبة ليلاً ونهاراً فكان من النادر أن يصل اليهم احد وكان شهيدنا اذا خرج من منزله لا يسلّم عليه احد خوفاً من النظام لذلك بقي في منزله حوالي عشر سنوات لا يخرج إلاّ للتسوق أو استلام الراتب من مكتب الخوئي وكان الراتب لا يسد رمق العائلة لمدة وجيزة لذلك مرّت بهذه العائلة الكريمة أيام عسيرة ومع ذلك فان الامام الصدر لم يرضخ للحوزة ولم يرضخ للنظام كما فعل غيره ولا بكلمة واحدة، وقد اعلن في هذه الفترة تصديه للمرجعية لعدد من الناس، وهم الخواص لذلك كان السيد مهدي الصدر(رحمه الله) أول وكيل للامام الصدر(رض) وذلك سنة 1981م، وقد راجعه عدد من الفضلاء سنة 1982وقلّدوه وكان السبب في ذلك ان هؤلاء الفضلاء رأوا تصرفات مخالفة للشريعة وتخل بالعدالة في مكتب زعيم الحوزة لذلك التجاءوا الى الأمام الصدر وأعلنوا تقليدهم له ولكن كان تقليداً بدائياً اذا لم تكن توجد رسالة عملية لذلك قام بكتابة تعلقية على منهاج الصالحين وقد كتبها بيده السيد حسين الكظماوي (الصدر) في تلك الفترة ايام كان السيد حسين الكظماوي الصدر من المتحمسين للأمام الصدر(رض).
ومع ذلك فان الحقوق الشرعية لم تكن على مستوى بحيث يتاح له التوسع وكان السيد حسين الصدر في تلك الفترة العصيبة وكيلاً عن السيد محمد الصدر ويؤكّد على ضرورة الخروج للصلاة وكان يجلّه لدرجة انه حاول مراراً تقبيل يد شهيدنا، ولكن الافتراق حصل بسبب الخلاف بينهما حول طريقة التصدي للمرجعيّة فحسين الصدر كان يقترح على شهيدنا الابتداء التقليدي لطرح مرجعيته وهو القاء البحث الخارج وجمع دعاة وبعد ذلك يطرح نفسه مرجعاً للتقليد بينما كان شهيدنا يرى خلاف ذلك، وانسحب حسين الصدر بعد ذلك من دعوته للامام الصدر فكان مثلاً يوصل مبلغاً كبيراً من الحقوق الشرعية للسيد السبزواري ومبلغاً أقل منه للسيستاني ومبلغاً أقل من الاثنين للامام الصدر وبعد أن واجهه شهيدنا بمسألة الاجتهاد }وكان حسين الصدر وما يزال يدّعي الاجتهاد{ حصلت المقاطعة ذلك ان السيد الشهيد عنفه يوماً امام الملأ حول مدّعاه وأخيراً صرّح بأن حسين الصدر لا يصلح لتدريس اللمعة بصورة متكاملة.
نعود الى تلك الايام العصيبة كان شهيدنا يضطر أحياناً للمسير على قدميه من البيت الى الحضرة المطهرة وخلال هذه المدة كتب رسالته المختصرة الصراط القويم واعطاها للشيخ شريف آل كاشف الغطاء وذلك ليتوسط عند معارفه للموافقة على طبعها فعاد الشيخ شريف بعد مدة وقال: رفضوا طبعها بحجة ان فيها تشريع زواج المتعة، والثانية الشهادة الثالثة في }الاذان والاقامة{ بالولاية لأمير المؤمنين(ع)
المهم ان شهيدنا كان يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه لهداية الامة واخراجها من الظلام الذي كانت تعيش فيه ولما يراه من انحراف المؤسسة الحوزوية أذ كان اول المتضررين بسببها وكان يمكنه بسهولة تامة التعايش معهم وتكون حالته المادية والاعلامية جديدة، ولكن ذلك يحدث على حساب الاسلام، فقرر المثابرة والمواجهة معهم حتى آخر نفس ولم يختبىء في بيته كما يحاول البعض ان يصوّر حاله بل كان يداوم الحضور في مجالسهم ولكنه يناقش قدر الامكان ويرد ما يستطيع رده من مظالم، ويروي شهيدنا حادثة خطيرة في بابها يقول(رض):
دخلت يوماً على الخوئي وكان عنده كبار طلبته كالسيستاني، والشيخ الفياض والشيخ البروجردي والسيد عز الدين آل بحر العلوم والشيخ الغروي والخلخالي وغيرهم فلما رآني الخوئي قال:
بجانبي سيد محمد، فجلست بجانبه وبعد سؤال عن الصحة والأحوال جاء أحد الاشخاص ومعه قضية طلاق فقال الخوئي: نعم نجري الصيغة فرفع رأسه ونظر حوله ثم أطرق برأسه. عندها علمت انه سوف تقع مشكلة على رأسي فقلت:
بأذنك، وقمت فقال: اجلس سيد محمد. ثم اجرى صيغة الطلاق وقال تفضل سيد محمد عندها قمت وخرجت وفي اثناء الخروج نظرت الى الجالسين من طلبة الخوئي فاذا هم ينظرون الي بحقد واحتقار.
ودلالة ذلك دلالة مهمة وخطيرة فهذه الرواية تصرّح ان الخوئي لم ير في الجالسين واحداً منهم يصلح ان يكون شاهداً على طلاق بأستثناء شهيدنا.

وهذا اعتراف ضمني لشهيدنا من قبل اكبر عالم واقدمهم في النجف الاشرف}في نظر الحوزة التقليدية{ وقائد المسلك التقليدي.
وكذلك يقول: ذهبت يوماً الى الخوئي وذلك بعد ان اخذ السيستاني بالصلاة في مسجد الخضراء فجئت لادخل عليه فحاول محمد تقي الخوئي منعي فأصررت على الدخول عندها سلمت على الخوئي وجلست قلت بصوت يسمعه محمد تقي الخوئي: هل ترى ان السيد السيستاني هو الأعلم من بعدك؟ فقال بانفعال: أعلم؟ لا فقلت: هل أمرت السيستاني بالصلاة في مسجد الخضراء ليكون خلفكم هناك فقال بأنفعال أشد: انا؟ لا. فقمت لأخرج واذا بمحمد تقي ينظر اليّ نظرة حقد واحتقار.
لذلك فان المؤسسة الحاكمة في النجف أخذت بالاستعداد لمحمد الصدر. ويروي احد الاساتذة الافغان ان احدهم دفع مبلغ خمسة عشر مليون دينار في ذلك الوقت لقتل السيد محمد الصدر فأنجاه الله ولم يتم الأمر( والذي أراد قتله هو محمد تقي الخوئي لذلك كان الامام الصدر يقول: أراد أن يقتلني فقتله الله، أحترق والحمد لله. رواية مشهورة في النجف.).
وقد كان من ضمن الاشخاص الفضلاء، الذين وقفوا مع شهيدنا ايام المحنة الشيخ محمد اليعقوبي إذ التقى مع شهيدنا حوالي سنة 1985وتطورت العلاقة بينهما. وكان السيد محمد كلانتر من المساندين والمؤيّدين لشهيدنا وكان يحثه على التصدي بأستمرار، ولكن بالطريقة التقليدية وقد طلب منه ان يكتب تعليقة على }وسيلة النجاة{ فرفض(رض) وكان يرمي الى ما هو خارج نطاق المعهود ويرفض تقليد الآخرين وكان يؤكد على عربيته ولكن داخل اطار الاسلام هذه العربية التي سحقت تحت الاقدام حتى صارت ذيلاً تابعاً أبداً لذلك فهو عند حضوره لبعض الدروس في اللغة الفارسية كان يصرّ على التقرير بالعربية فلماذا لا يكون الدرس بالعربية! وهي لغة القرآن ولغة الفقه ولغة آل محمد(ص) المهم ان اللغة العربية هي المحور ومن تعلّمها كفته عما سواها ولم يكن شهيدنا متمسكاً بعروبته للا شيء بل هو ابن القرآن والاسلام ولكن رأى بأم عينيه الأساليب المعهوده لسحق العرب وامتهانهم وقد جاءه أحدهم فكلّمه بالفارسية وهو لا يعرفه فقال له شهيدنا: ألست عربياً؟
قال: نعم.
قال: فلماذا تتكلّم بالفارسية اذن. فصمت الآخر.
كان يؤكد على رفع عقدة الحقارة في النفس فلماذا يكون الآخرون افضل منّا؟ ولماذا لهم الامتيازات التي يرتفعون بها ليسحقونا؟ ان الاهلية بالعلم ولكن بشرط التقوى وعدم وجود طبقة أفضل من أخرى بأصل الخلقة ان صح التعبير ولكن الواقع كما كان يراه}(رض) اذ دخلت الى الاسلام الكثير من }الحمقات{ والخرافات التي ما انزل الله بها من سلطان كتقبيل اليد والمخاطبة بصيغة الجمع والتكبر على العوام والاحتفال بالنوروز، والحوزة كانت تعلم قبل غيرها ان هذه امور دخيلة وقد صرّح بذلك الشيخ المظفر(قدس) في الجزء الثاني من اصول الفقه في بحث السيرة ناسباً الكلام الى الشيخ الانصاري ولكن العلم بشيء في جهة والتطبيق بالجهة المخالفة ولم تعرف الحوزة مرجعاً قبل شهيدنا طبّق الاحكام والاخلاق الشرعية كما هي مطلوبة من قبل الشارع المقدس. فالزهد مجرّد اقاويل وكلمات مسطورة في الكتب وواقع الحال بعيد غاية البعد عن ذلك فرجال الدين يعيشون حالة الرفاهية والغنى وكل ذلك من أموال الشيعة والفقراء ويوجد والحمد لله من المستحقين لتلك الأموال ما لا يحصون ففي الوقت الذي تمتلك فيه جلّ الاسر العلمية من الاموال والاملاك والمزارع الشي الكثير نجد ان باقي الناس يعيشون أسوأ الاحوال مع ذلك فهم يكدحون ويأتون بالاموال لارضاء الحوزة ولا ينالون سوى التحقير من قبل الحواشي وهذا طبعاً لا يبرىء ساحة المتصدين إذ ان هؤلاء الحواشي موظفون ومنصّبون من قبلهم وعدم متابعة حا لهم وتصرفاتهم يجعلهم مسؤولين امام الله عن كل مظلمة تقع بسبب هؤلاء.
كان الامام الصدر يعقد مجلساً للتعزية في بيته في الحنانة وذلك في فترة مابين الحربين وكان يحضره عدد من الفضلاء الذين يشهدون له بالفضل والعلم والتقوى، ولكنهم انفضوا بعد ذلك لما رأوا ان الامام الصدر دخل في حرب مع الحوزة خشية على مصالحهم وكانت أكبر مشكلات محمد الصدر انه يعامل الناس على مستوى واحد ولا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى لذلك فان فضلاء الحوزة تركوه وحاربوه فمثلاً عندما يدخل عليه أحد الفضلاء فشأنه شأن الآخرين والفضلاء قد تعوّدوا أن يقوم لهم الجالسون وان يشيعهم صاحب المجلس الى باب الدار وأحياناً يقدّم الخادم الحذاء امامهم، وهداياهم تصل اليهم كلاً بحسبه، اما عند الأمام الصدر فهذا لم يكن، فكان يواجه الآخرين بما فيهم بلا مجاملة ولا يأبه بالنتائج وعندما قيل له ان الفضلاء يحاربونك قال: انهم يحفرون قبورهم بايديهم.
فأية حوزة هذه... ليس فيها تقبيل ايادي وليس فيها تفضلتم وتكرمتم وتشرّفتم.
انها حوزة علي بن ابي طالب(ع) وهي لا تنفع في هذه الأيام.
انها حوزة ومرجعية الأمام الصدر.









الانتفاضة الشعبانية
لا أريد في هذا الفصل التحدّث عن الانتفاضة وتوابعها بل الاقتصار على ما يتعلّق بجانبين الأول عن تأثيرها في الجماهير العراقية باختصار.
والجانب الثاني عن دور الأمام الصدر(رض).
اما الجانب الاول: فخلال عقد الثمانينات كاد اليأس يبلغ في الامة مبلغه وخصوصاً بعد انتهاء الحرب مع ايران فقد كان هناك امل بان يسقط النظام خلال الحرب وعندما قامت حرب الخليج الثانية تجدد الامل بالخلاص من هذا النظام ولكن لم يكن يخطر في البال عموماً ان يحدث حدث اسلامي مهم في العراق وبعد ذلك حدثت الانتفاضة التي اعادت الامل مرّة أخرى بتحقيق الحلم الاسلامي وكانت الانظار تتجه صوب قيادة المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق ورأت الامة في هذه القيادة المخلص بعد طول الانتظار وانتظرت الجماهير أي تحرك ولم يحدث شيء بل تركت الجماهير عزلاء امام النظام الدموي ومع كل ذلك بقيت الامة على احترامها لقيادة المجلس الأعلى حتى بروز حركة الامام الصدر التي استوعبت الامة بكافة طبقاتها ومستوياتها وبدأت كفة الحكيم في التراجع امام تنامي شهيدنا الى ان انتهت تقريباً شكلاً ومضموناً.
اما الجانب الثاني: وهو ما يتعلّق بشهيدنا(رض). فعندما انتفضت النجف وقاومت بمساعدة المحافظات المقاربة لها كالسماوة والديوانية اللتين كانتا المساعد الاكبر في صمود انتفاضة النجف الى ان دخل الجيش وكانت الفوضى حينها تعم المدينة ولم تكن هناك قيادة محددة على مستوى علمائي مؤهلة او متصدية للامة حتى تصدى الامام الصدر فاتجه الى منزل زعيم الحوزة في حينها المحقق الخوئي وحدّث كلام بينها فاشتد السيد الشهيد في الكلام أخيراً وقال:
اما ان تتصدى للأمر أو تدعنا نتصدى له، انت المرجع وعليك تولي هذه المسؤولية.
وبعد ان حصل اليأس عنده اعتزم خوض المعركة بنفسه وان كان البعض يحاول أن يقلّص او يحجم من دور الامام الصدر في هذه الانتفاضة ويقول: انه جيء به رغماً عنه( وصاحب هذه الكلمة Aالسيد عمار أبو رغيف أحد طلبة السيد محمد باقر الصدر والرجل ما أنفك يقلل من أهمية الامام الصدر ويقول أنه لم يثبت عنده أجتهاده، ويستهزي‏ء بآراءه وكلماته وقال: أنه لم يقرأ كتب الامام الصدر، ولكن حتى لو قرأها ووجد أن السيد محمد الصدر أعلم من السيد محمد باقر الصدر فأنه لن يقر بذلك. وهكذا الكثير من القدح). وهذا غير صحيح فشهود عيان ومن داخل النجف ممن لهم دور في الانتفاضة. يحدّثوننا بأن الامام الصدر كان أول المبادرين الى اصدار فتوى أو بيان شديد اللهجة بالجهاد وبالاشتراك مع السيد السبزواري(قدس) ويحدّثني شاهد عيان ومن الثقات وفضلاء الحوزة انه شاهد الامام الصدر خارجاً من مسجد ا لهندي وحوله مجموعة من الشباب المسلّحين واتجه الى حضرة امير المؤمنين(ع) وارتقى على سطح المقابلة لباب القبلة وتجمع الناس حوله ليستمعوا له فألقى خطبةالكيشوانيةًً شديدة في الجهاد حتى أ لهب الحماس عند الناس، وكان(رض) خلال تلك الايام يدوام على الحضور الى حضرة أمير المؤمنين(ع) للصلاة في الظهر والمغرب، وقد كان يوجه الناس للعمل الصحيح ومنه انه امر بأخراج الجرحى الى مكان آخر خارج الحرم بسبب الدماء التي كانت تنجس أرض المرقد المطهر واخراج الدبابات والآليات منه.
وحتى اشتهرت وانتشرت فتواه بالجهاد والصقت على الحيطان في ارجاء النجف. وكان الناس متفاعلين معه بشدة لكونه من آل الصدر إذ أن محور الانتفاضة هو اسم السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) وا لهتافات بأسمه في كل مكان(وقد حمله الناس على الاكتاف من النفق وحتى الحضرة المطهرة .
وهذا غير محبذ عند الحوزة كما هو واضح لذلك استبعدوا الأمام الصدر من اللجنة التي تشكلت لقيادة الانتفاضة وادارة شؤون المدينة. واستبعاد الأمام الصدر ليس وليد اليوم كما يعبّرون فقد وضحنا سابقاً مدى كراهة المسلك التقليدي لاهل هذا البيت وخصوصاً شهيدنا الذي يعتبر الوريث الوحيد في النجف الاشرف لابن عمه السيد الشهيد وعدم ذوبان شهيدنا في بوتقة هذا المسلك.
ورغم ابعاده عن هذه اللجنة فانه عملياً بقي المحور الذي ألتفت حوله الجماهير، وحينما قام الجيش بالقصف العشوائي على المدينة واقترب من اقتحامها جاءت مجموعة الى الامام الصدر وعرضوا عليه ان يخرجوه من فأجابهم: (رض) أبعد هذه الشيبة أفارقالى ايرانًالنجف والتوجه الى خارج العراق ً أمير المؤمنين(ع) ورفض الخروج.
وبعد دخول الجيش الى المدينة المقدسة كان الامام الشهيد مع عائلته }عدا السيد مصطفى الصدر(وقد حمله الناس على الاكتاف من النفق وحتى الحضرة المطهرة ).
في جامعة النجف مع اكثر من خمسين نفساً كعائلة السيد كلانتر ويحضرني من اسماء الموجودين هناك في ذلك اليوم الشيخ علي خائفي والسيد عدنان العلوي والشيخ محمد الجواهري والشيخ حسن القسام والشيخ علي البهادلي مع نساء واطفال. وبقوا في سرداب الجامعة مدة ثلاثة أيام والجيش لا يعلم بوجودهم في السرداب الى أن اصرّ الامام الصدر على الخروج مهما كلّف الأمر... فعارضه جماعة من الموجودين وبعد ذلك ارسلوا احد خدم الجامعة إلى الجيش المحتل للجامعة وعاد ليخبرهم بالخروج فخرجوا.
ويحدّثني عدد من الحضور انهم عندما رأوا الامام الصدر ذهلوا منه وركّزوا عليه وأراد أحد الضباط أن يكشف عن وجه احدى العلويات فقال له شهيدنا منتهراً: سافل.
بعد ذلك اتجهوا بهم الى مديرية أمن النجف والتي كانت ما تزال بيد الثوار فأتخذهم الجيش درعاً بشرياً وكانت الاطلاقات النارية تمر بقربهم فخافوا فقال لهم الأمام الصدر: كونوا ورائي ولا تخافوا. بعد ذلك بقليل جاءت اليهم سيارة بسرعة مذهلة جيبًوهي من نوع ً مكشوفة وفيها السائق ومعه جندي على مدفع رشاش وعلى بعد مسافة منهم انقلبت السيارة وقتل من بها نتيجة الحادث، وعندما وصلوا الى المديرية والتي كانت محتلة بالكامل من قبل الجيش أطلقوا النساء والاطفال قبل وصو لهم وقيّدوا الأمام الصدر ومن معه وصدروا حكماً باعدامه، وبعد ان وضعوا غطاءً على عيني كل واحد منهم وتهيئوا لرميهم بالرصاص تراجعوا! من دون أن يعلم احد ما هو السبب في تراجعهم.
وبعد ذلك نقلوهم الى قرب ملعب النجف وهناك جاء ضابط كبير يتصفح الوجوه فوقف عند الأمام الصدر وقال له:
نطالب بدمك يا صدر... ها؟
فأجابه(رض): ما ذنبي ان خلقني الله من آل الصدر.
فقال الضابط ساخراً من لهجة الأمام الصدر حيث تكلّم بالفصحى: ما ذنبي ان خلقني الله من آل الصدر. بطريقة هازئة فأجابه شهيدنا:
ماتريدون؟ كلكم تريدون ان تكونوا صداماً. لعنة الله عليكم.
فجن جنون الضابط وسحب مسدسه ليطلق النار على شهيدنا فأرتمى السيد كلانتر على شهيدنا واحتضنه كأن لسان حاله يقول اقتلوني معه. وبعد ذلك ارادوا اعدام الأمام الصدر واوثقوه كما فعلوا في مديرية الامن ولكنهم تراجعوا كالمرّة السابقة.

وفي هذا اليوم قبل هذين الحادثتين انهالوا عليهم ضرباً با لهراوات البلاستيكية ما عدا السيد كلانتر(رحمه الله) وكان الأمام الصدر حينها واقفاً.. فبينما الآخرون يتدحرجون على الارض من ألم الضرب نجد ان شهيدنا اجتمع عليه حوالي خسمة من الجلاوزة وهم يضربونه بقسوة وهو(رض) واقف ثابت لا يتحرّك ولا يتفوه بكلمة تأوه واحدة حتى أرتوت الكلاب من الضرب، وبعد ذلك ارادوا نقلهم الى مكان آخر وعندما ركبوا عمد احدهم الى الأمام الصدر وضربه على رأسه فأطار عمامته من على رأسه فدفعه شهيدنا في صدره وتمشى بثبات ووضع عمامته على رأسه وذهل الحاضرون من قوة قلبه هذه القوة التي لم يكن أحد يعرفها عنه ليس لانها غير موجودة بل لانها غير ظاهرة.
المهم انهم نقلوهم بسيارة نوع }مرسيدس{ ثمانية عشر راكباً وسيارات أخرى معهم وبعد ان وصلوا الى بغداد واتجهوا بهم الى مجزرة الرضوانية المرعبة حيث شاهدوا في ساحة هذا المعتقل مشهداً مرعباً حيث العشرات بل المئات يعذّبون على جذوع الاشجار وعلى الارض والجثث تملأ المكان ثم اتجهوا بهم صوب أحد المعتقلات وبعد ذلك جروهم الى التحقيق الواحد تلو الآخر، وكان المحقق معهم حسب الراوي المجرم }صدام كامل{ وعندما وصلت النوبة الى الأمام الصدر تأخر في التحقيق حتى ظنّ الآخرون انه قد قتل وبعد ذلك الوقت عاد فسأله بعضهم عن التحقيق فقال: ذلك شأني.
ولكن بعد سنوات سئل عما قيل له في التحقيق فقال: قالوا لي كيف افتيت بالجهاد؟ فأجبت: أفتيت تحت تهديد السلاح. ثم علق قائلاً: نعم لقد افتيت بالجهاد تحت تهديد سلاح البعث الكافر فهو مسلّط علينا.
وخلال فترة الاعتقال التي استمرت ثلاثة عشر يوماً حدثت بعض المفارقات ففي احدى المرات ونتيجة لعدم وجود الماء الكافي تناقشوا حول التيمم فقال: اني أخالف المشهور في كيفية التيمم. إذ انه(رض) يرى ان تتشابك اصابع اليدين فعارضه عدد من الموجودين الذين هم من اتباع المسلك التقليدي ووصل الامر انهم هددوا الأمام الصدر انهم اذا خرجوا فأنهم سوف يفعلون ويفعلون.
وفي احدى المرّات قام عدد منهم بعمل اوراد وهذه الاوراد وحسب رأيهم سوف تعجل في اطلاق سراحهم وجعلوا لكل واحد ورداً فعرضوا الأمر على الأمام الصدر فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فأمر اولاده بالنوم وجعل عمامته تحت رأسه الشريف ونام.
وبعد مضي عشرة أيام على الاعتقال جاءوا الى المعتقل بعدد من الشخصيات الحوزويّة كالسيستاني والخلخالي وآخرين وبقوا في الاعتقال ثلاثة أيام بينما شهيدنا والباقون الذين اعتقلوا في الجامعة بقوا ثلاثة عشر يوماً كما ذكرت آنفاً.
وبعد اكتمال هذه المدة أخرجوهم واعطوا لجماعة الجامعة كتاب اطلاق سراح وآخر باستلام جامعة النجف، بينما أعطوا السيستاني ورفاقه كتاب اطلاق سراح واذن وعندما وصلوا الى جسر الكوفةريمًبدخول مدينة النجف ونقلوهم سوية في سيارة نوع ً أوقفتهم سيطرة للحرس الخاص، وكان في السيارة ضابط كبير في القصر أو الحرس الخاص وعندما صعد الى السيارة ضابط السيطرة رأى كتاب الجامعة والكتب الأخرى فقال: هؤلاء ويعني السيستاني ورفاقه يدخلون الى المدينة لوجود اذن بالدخول اما هؤلاء يعني الأمام الصدر وكلانتر وباقي أفراد الجامعة فلا يدخلون الى النجف لأنهم لا يملكون كتاباً بالدخول فحدثت مشادة كلامية بين الضابطين عندها قام السيستاني وقال: أنا عليّ بجماعتي ولا شأن لي بالآخرين! فوقف الجميع مذهولين حتى الضابطان عندها أذن ضابط السيطرة للجميع بالدخول، بعد ذلك باتوا في أحد الاماكن في نفس السيارة وأطلقوهم مجموعة بعد أخرى.
بعد ذلك كان الأمام الصدر يواظب على الخروج مرتدياً كامل زيه الحوزوي وكان الوحيد في النجف يمشي بعمامته في الشارع بينما كل معمم في النجف كان اما لا يخرج من بيته واما يضع غطاءً على رأسه بدل العمامة اذا اراد الخروج ومن ذلك الشيخ محمد اسحق الفياض والشيخ كاظمي من حاشية الخوئي وقد روى هذه الرواية الأمام الصدر بنفسه(رض) يقول: انه في احدى المرات ذهبت لأتسوّق فشاهدني احدهم فقال: إلى الآن لم نخلّص من العمائم.
وهكذا بقي الحال الى أن استقرت الاوضاع مرة أخرى
وخلاصة ما نستفيده من انتفاضة النجف وفق هذه الاحداث ان الحوزة لم تكن على مستوى المسؤولية بل ان حب الحياة كان هو الغالب... وعندما رأت الحوزة ان الجماهير التفت حول احد الد خصومها وهو شهيدنا اضطرت الى تشكيل لجنة وهذه اللجنة لم تكن أهلاً لهذه المسؤولية بل معروف عن الكثير منهم انهم ليسوا من اهل الجهاد أو التقوى بل ان حب الترأس هو الذي يدفعهم طمعاً في مستقبل زاهر وملك دنيوي رخيص وكانت الانتفاضة هي الحدث الاهم الذي ابرز طاقات شهيدنا وقوة قلبه وأهليته للقيادة ومع كل ذلك بقي الأمام الصدر عند الامة مجهولاً والسبب هو الاعلام القذر والتعتيم على دوره وشخصيته فمن النادر عند باقي الجماهير اذا ما استثنينا الذين عاصروا انتفاضة النجف ان نجد احداً يعلم بدور السيد الشهيد في الانتفاضة والى يومنا هذا.
بينما هناك عدد من تجار العمامة صعد نجمهم وصاروا هم القادة والعظماء وهكذا هو الحال منذ قرون فمن ذا يعرف دور الخالصي في ثورة العشرين وما بعدها ومن ذا يعرف دور السيد مهدي الحيدري أو دور الشيخ محمد الخالصي نجل الشيخ مهدي الخالصي في العراق وايران ما قبل الثورة فالشيخ الخالصي هو الذي قاد الجماهير ودخلوا الى المبنى الحكومي حيث كان الشاه موجوداً وداسوه بالأحذيه، ولكن من يعلم ذلك؟؟؟
ولكن ارادة السماء فوق الكل يريدون أن يطفئوا نور الله بافواههم ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون

التصدي
تصدى الامام الصدر للمرجعيّة في ذلك الجو المضطرب حيث انها المرة الأولى التي تعصف بالشيعة في العراق خصوصاً عاصفة الضياع حيث ان الامة كانت متحيرة ولا تعرف ما تفعل وذلك لاسباب اهمها عدم وجود الوعي الاسلامي الكافي.
وكذلك البعد الشاسع بين الحوزة والشعب كما قال شهيدنا إذ ان المرجعيّة كانت تعيش في برجها العاجي وسط العنعنات والتكبر الضخم الذي كان عليه أغلب السابقين كما قال(رض)
ومن الدواعي التي ادّت الى تصدي الأمام الصدر الشهيد للمرجعيّة هي انه قال في احدى المناسبات: كنا نتذاكر حال الحوزة في النجف انا والسيد كلانتر والسيد مهدي الخرسان فقالا: بعد سنوات لن يكون في حوزة النجف مجتهد واحد وكان هذا الامر أحد الاسباب التي دعت الى ان تصدى للمرجعيّة. المهم انه تم افتتاح الكثير من المكاتب في النجف الاشرف ومن اشهر من تصدى بعد وفاة المحقق الخوئي.
1ـ السبزواري، 2ـ السيستاني، 3ـ الامام الصدر، وبعد وفاة السبزواري والذي لم تستمر مرجعيته اكثر من عام واحد تصدىّ آخرون وهم بالاضافة الى شهيدنا والسيستاني كل من:
1ـ بشير الباكستاني.
2ـ علي الغروي.
2ـ محمد سعيد الحكيم.
4ـ حسين بحرالعلوم.
وقد كانت السمة المعروفة والتي كانت تطلق على شهيدنا انه مرجع الدولة الى درجة أن من كان يدخل الى مكتبه فانه لا يجد سوى عدد قليل من الزائرين وموظفي المكتب.. وقد كان الأمام الصدر يتواجد في اليوم مرتين ساعة قبل صلاة الظهر وساعة بعد صلاة المغرب وكان هذا في بداية تصديه، ولم يكن في الساحة من يعرف الامام الصدر حق معرفته سوى عدد قليل من الخواص وذلك لما قلناه سابقاً من اعتزال الامام الصدر وكذلك الاعلام المكثّف ضده من قبل العامة والخاصة.
واذكر خصوصاً المكاتب والشخصيات التي كانت مرتبطة بالمحقق الخوئي والجهات الاعلامية المرتبطة بالمؤسسات الخيرية التابعة للحوزة كمؤسسة الامام‏علي(ع) في لندن التي تصدر مجلة النور إذ انها كانت تشن حملتها
ا لهوجاء ضد شهيدنا الى حين استشهاده(رض) ولهذا فقَد كانت الجماهير تبتعد عنه وعن مرجعيته.
والسؤال المطروح ماهي علاقة الشهيد بالدولة وكيف تسنّى له تحصيل الموافقة على طباعة مؤلفاته واستلامه المدارس وتوقيعه على الاقامات بالنسبة للاجانب؟ وقبول الطلبة في الحوزة؟ المشهور هو ان الدولة اشترطت على الامام الصدر عدم التدخل في السياسة وللحوزة ان تمارس حريتها بعد ذلك.
وقد عرضت في احد البحوث هذه الفكرة على الأمام الصدر فقال: هذا معناه ان الحكومة قد قالت لي ذلك وهذا ليس بصحيح بل ان أنا الذي ارتأيت ذلك حفاظاً على الحوزة، ويقول في مكان آخر: ان سبب اختيار الدولة لي من بين المتصدين هو: انني عراقي الجنسية والدولة لم تكن ترغب بوجود مرجع من جنسية اخرى والسبب هو ظنهم بأمكانية السيطرة على المجتهد مادام عراقياً خاضعاً لقوانينها وبذلك يسهل عليها ان تتناوله بأيديها متى شاءت.
وقد قامت الدولة ببث اشاعة ان الامام الصدر متعاون معها، وهذا ما فعلته الجهات الحوزوية أيضاً وذلك لكي تبعد الناس عنه فانه المرجع الوحيد الباقي من ورثة مدرسة السيد الشهيد(قدس)
وهنا يطرح سؤال: ما الذي اضطر الدولة الى ذلك؟ وما الذي تخطط له؟ يقع الجواب حسب تحليلي الشخصي في عدة نقاط أهمها:
1ـ تخفيف الضغط عن الشعب والحوزة بعد ماتبين للدولة ان العنف والضغط غير مجديين خصوصاً بعد اشتعال الانتفاضة الشعبانية المباركة.
2ـ اعتقاد الدولة انها حينما تمارس مخططاً جديداً وهو وجود مرجعيّة تعمل لصالحها وبث هذ الامر من خلال الاعلام المخابراتي مع تأييد اسلامي لها بهذا الخصوص يؤدي الى تشتيت الشيعة في العراق وعدم لمّ شـملهم تحت راية واحدة.
3 ـ زرع مرجعيات عميلة لها كالشيخ بشير الباكستاني المشهور بعمالته الصريحة كما سنذكر ذلك بالأدلة. وفائدة هذا الامر هو التمهيد للمستقبل بعد القضاء على أهم المرجعيات الموجودة لوصول المرجعيّة الى امثال هذا الشيخ بعد ان يكون قد ثبّت نفسه من خلال اعطاء رواتب مغرية وتوزيع كتب المناهج الحوزوية باسعار مخفضة.
4 ـ ايحاء فكرة ان مرجعية الشهيد مرجعيّة تعمل لصالحها... وبهذا تنفر الناس منه.. والضغط الظاهري على الآخرين كما حدث مع السيستاني الذي منع من الصلاة في مسجد الخضراء وذلك لان الدولة تعلم يقيناً بان الناس سوف تنفر من الذي تتبناه حسب الظاهر وسوف تلتف الجماهير حول المرجعية المظلومة!!! وهي تعلم يقيناً بان هذه المرجعيّة الاخيرة لا تشكل اي خطر عليها في الحاضر أو المستقبل مع اختلاق بعض الاحداث التي سوف نذكرها كمحاولة اغتياله واتهام الامام الصدر وأتباعه بهذه الحوادث.
وهنا أمر لابد من الاشارة اليه ان الدولة العراقية تسعى بكل صورة الى بقاء الحوزة في العراق وذلك لما له من اثر اعلامي وهي تضمن بذلك ان المرجعيّة لن تحرك ساكناً مادامت تحت اليد.
وسط هذه الاجواء بدأت المسيرة العملاقة لشهيدنا وهو يعي ما يفعل ويدرس ما يحدث بدقة عجيبة وبصبر وسرية عجز عنها الكثير من الكبار حينها والأمر الذي ركزّ عليه شهيدنا هو القبول المكثّف للشباب في الحوزة والسر في اختيار الشباب واضح وذلك لعلمه بأن الكثير من فضلاء الحوزة انما يتبعون اهواءهم اذ حيث ما ترسو سفينة الدولار فهم ينوخون وكذلك فهم من اتباع الحوزة الصامتة التي ترى بأن التقية هي الدرع الحصين سواء كانت هذه التقية مشرعة او لا وكأن رواية: Aإذا ظهرت الفتن فعلى العالم ان يظهر علمه لا تشملهم الى يوم ظهور الامام(ع).

وهكذا تزاحم الشباب على الحوزة والشهيد في ذلك الوقت في تكتم تام لا يبيح اسراره حتى لاولاده ولا يعلم أحد ما يخطط له وقد وضع للقبول في الحوزة إختباران لم يسبق وجودهما في الحوزة الأول اختبار في الثقافة العامة والثاني الاختبار الفقهي، واقل درجة يجب الحصول عليها هي درجة ستون بالمئة في كل منهما.
ويجب أن يدخل الطالب الى الحوزة بشرط وجود توثيقين من قبل وكلاء معتمدين عند الامام الصدر وكانوا قليلين جداً في ذلك الوقت وكانت لجنة الامتحان الثقافي مكونة من الشيخ الربيعي والشيخ الغريباوي، والشيخ الخفاجي والامتحان الفقهي عند الشيخ اليعقوبي.
وكان(رض) يشترط التعمم وكان يقول: لا تلقوا بعمائمكم في النجف حين تذهبون الى محافظاتكم وذلك لاني اريد أن يرى الناس العمامة في الشارع لكي يحصل الاطمئنان عند الجماهير وتصبح ظاهرةً متنامية، إلاّ في حالات معيّنة كان يجيز للبعض القاء العمامة.
وقد كان يلقي بحثين في اليوم ايام الدوام الحوزوي من السبت الى الاربعاء صباحاً يلقي بحثه الفقهي وعصراً يلقي بحثه في الاصول وقد تطور الامر بعد ذلك فصار يعطي درساً في التفسير يومي الخميس والجمعة وهو ما طبع بعنوان }منه المنان في الدفاع عن القرآن{ وفي شهري محرّم وصفر يلقي دروساً في الثورة الحسينية وهو ما طبع بعنوان }اضواء على ثورة الحسين(ع) {و}شذرات من فلسفة تاريخ الحسين(ع) {وقد وضع منهجاً حوزوياً متطوراً ادخل فيه الحلقات في الاصول للسيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) إلاّ ان احداً لم يقبل بتدريسه خوفاً من السلطة، وقام بعد ذلك بافتتاح جامعة الصدر الدينية وهي دراسة شاملة بالاضافة الى دروس الحوزة ادخل الفيزياء والكيمياء والأدب الانگليزي والأدب وقدالكمبيوترًالفارسي وعلم التشريح والرياضيات وكذلك تدريب الطلبة على استعمال ً تم تدريس الحلقات بشكل قسري فيها.
وقد تناوب على ادارة الجامعة كل من السيد مقتدى الصدر والشيخ اليعقوبي وقد افتتح لها مدرستين الاولى المدرسة الباكستانية والثانية مدرسة الامام المهدي(ع) وهما متقاربتان وبعد ان استولى آل الحكيم على المدرسة الباكستانية بأمر من الطاغية تحوّل الطلبة منها الى مدرسة البغدادي، وقد ترك الامام الصدر الكثير من الخدمات في المدرسة الباكستانية قائلاً: دعوا هذه الامور فان آل الحكيم سوف يدخلون فيها طلبة وهم أيضاً أبنائنا. ومع ذلك بقي هناك عجز في بعض المواد الحوزويّة كتدريس مواد السطوح وخصوصاً الاصول اذ ان الشخصيات القادرة على ذلك كانت معتكفة على تدريس المقرّبين منها فقط، وقد حدثت حادثة بهذا الخصوص اذ في احدى المرات رفض‏الامام الصدر التوقيع على اقامة السيد هادي السيستاني وهو اخو السيد علي السيستاني فراجعه في ذلك المرحوم محمد كلانتر فقال له الامام الصدر: لماذا يعتكف هادي السيستاني على تدريس الايرانيين، والعراقيون لا يجدون احداً يدرسهم، اذا كانت هذه حوزة فسقة فليرحل الى اهله. فمازال به السيد كلانتر حتى قال له الامام الصدر: سوف اوقع على الاقامة، وسوف نرى ما يحدث، وسوف تحاسب أنت امام الله على ذلك.
عندها انفجر السيد كلانتر(رحمه الله) بالبكاء، وبالمناسبة فان الامام الصدر قضى مدة طويلة في الجامعة التي كان يديرها السيد كلانتر والسيد كلانتر يعرفه حق المعرفة وكان يدعو الى تقليده من بادئ الامر وقد وجه ابناءه لذلك قائلاً لهم ان الامام الصدر هو الأعلم ولكن بسبب الضغوط الحوزويّة اضطر السيد كلانتر الى السكوت مجدداً، ولكنه كان يغلق مسجد الجامعة ايام الجمع ويأمر اولاده بالذهاب الى صلاة الجمعة في مسجد الكوفة. وكان(رحمه الله) يقول للامام الصدر قبل ان يتصدى لا تركب في مقدمة السيارة قرب السائق بل اركب في المقعد الخلفي فانه لن يقلدك احد فيرفض الامام الصدر ذلك لانه يجد فيه مظهراً من المظاهر الدالة على التكبر وهكذا قضى ايامه على هذا المنوال، وكان السيد يتملك ايام تصديه للمرجعيّة سيارة نوع }مرسيدس{ 1974وبعد ذلك استبد لها لكثرة عطلها بسيارة أخرى }متسوبيشي{ وهي التي استشهد فيها.
اما تعامله مع الطلبة فقد كان اذناً صاغية لأي طالب علم ويساعده مادياً ومعنوياً بالمقدار المستطاع ولم يكن يطلب معرِّفاً لكي يساعد المحتاج حتى من غير طلبة العلم إلاّ ما ندر مع بعض العوام بينما كان الطلبة يذوقون الذل فيما لو احتاجوا الى مساعدة من مكتب السيستاني وغيره حيث يطلب منهم معرف وبعد ذلك يتشكل تحقيق.. ما تفعل بالاموال؟ الا يكفيك النصف؟ وهكذا وهذا فيما لو وافقوا على مساعدته.
وفي ايام توزيع الرواتب كان الجميع يحضر الى المكتب لاستلام الراتب لا فرق بذلك بين عربي وأعجمي بينما يقف العراقيون امام مكتب السيستاني وغيره بشكل طوابير لاستلام الراتب وباقي الجنسيات يأتيهم راتبهم الى البيت او المدرسة وكان راتب الامام الصدر هو ثلاثة آلاف ومائتان وخمسون ديناراً للمجرّد وستة آلاف ومأتان وخمسون للمتزوج بسبب قلة ذات اليد ولكنه كان لا يبخل بالمساعدة قدر الامكان سيما القروض التي كانت تمنح للطلبة بين الحين والآخر بينما في المكاتب الأخرى فأن المساعدات منوطة بالتقليد والتأييد فمقلدهم ومؤيدهم يقبض عشرة أضعاف ما يأخذه غيره، وقد حدثت في تلك المدة حوادث عجيبة من قبيل شراء التقليد اي يقول لك احدهم اعدل عن تقليد الامام الصدر ولك 500ألف أو مليون او اكثر حسب الشأن، ومعلوم أن نظام الطاغية أصدر أمراً بان التجنيد الالزامي يمكن دفع بدل عنه. بقيمة 750الف دينار في الوقت الذي كان فيه الكثير من الطلبة هاربين من جيش الطاغية لذلك يتم استغلال عدد من الطلبة بهذه المسألة وهي ان يعدل عن تقليد الامام الصدر فيقوم مكتب السيستاني ومحمد سعيد الحكيم بدفع البدل عن طريق بعض السماسرة كالشيخ حسن الكوفي والسيد محمد زبيبة وهذه الزمرة يقودها رضي المرعشي، وأخيراً تم عرض مبلغ يقدر بالملايين لشراء أحد أهل الخبرة من الطلبة الاكفاء عند الامام الصدر الشهيد مقابل العدول فرفض بشكل قطعي هذه المساومة وقد نوه عن هذا الامر الامام الصدر في احدى خطبه فأرجع اليها.
ومن الاحداث المهمة في سنة 1997م تحرّك اثنان من الشخصيات العلمية في النجف الاشرف وهما السيد عدنان البكاء والشيخ أحمد البهادلي لغرض رفع الخلافات وتوحيد المرجعية، وقد جاءا الى الامام الصدر بهذا الغرض وقالا نريد توحيد زعامة الحوزة ونحن نراك اهلاً لها فما تقول فقال: أذهبوا وقولوا ذلك للآخرين وأختاروا من تشاؤون انا معكم أول الداخلين وآخر الخارجين. فما لبثا ان عادا الى الامام الصدر لينقلا له ردود باقي العلماء فمنهم من يقول: واين انا إذاً. والآخر وهو السيد محمد سعيد الحكيم قال: ان محمد الصدر يهودي نجس. ففشل الامر.
وبمناسبة ذكر السيد محمد سعيد فانه كان من اشد الناس على الامام الصدر وكان يطلق عليه القاباً وسباباً فاحشاً فيقول مثلاً وهذا ليس بجديد على أهل هذا البيت اذ ينقل لي احد طلبةمجنون، مخبل، مطيرجيً السيد الشهيد قائلاً في أحدى سنوات السبعينات دخلت على السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) فوجدته مغموماً فسألته فعلمت ان محمد علي الحكيم والد محمد سعيد الحكيم قد سب السيد الشهيد وقال عنه يهودي وهكذا فان هذا الشبل من ذلك الاسد. ولا يخفى ما فعله اهل هذا البيت مع الشيخ المظفر والسيد محمد كلانتر رحمهما الله بسبب ان هاذين العلمين قاما بتأسيس مراكز علمية غير خاضعة لسلطات آل الحكيم في تلك المدة وهي مدة مرجعية السيد الحكيم.
وقد ركّز شهيدنا بالخصوص في اختيار وقبول طلبة الحوزة على أهل جنوب العراق حيث كان يفسح المجال لهم للدراسة وكان يواجههم بحب أبوي معروف.
واسباب ذلك تعود الى أن المشهور في الحوزة التقليدية ان اهل الجنوب من المتخلفين اوكما يسميهم اكثر اهل النجف }المعدان{ أو كما يسميهم الملتفون حول السيستاني ومحمد سعيد الحكيم }العربنچية{ هذا مع العلم الأكيد مالاهل الجنوب من ادوار تاريخية مهمة في رفعة الاسلام والتجاوب معه على طول الخط وهكذا تعامل الامام الصدر مع الجميع بالتساوي ولكن كما قلت كان يعطي لجنوب العراق اهمية خاصة لذلك نرى ان الغالبية العظمى من ائمة الجمعة هم من أهل الجنوب فأهل الجنوب أهل الشجاعة والكرم والاخلاق العربية الاسلامية الفاضلة وليسوا }أهل القيمة والتمن{ كما يؤثر عن شهيدنا(رض) كل ما في الامر أن الشعب العراقي عموماً كان يحتاج الى قائد يعيش آلامه متاعبه ويوازيه في الشجاعة التي كانت تفور في داخل ضميره وهكذا كان الصدر وكان العراق.
لذلك لم يؤثر عن اهل النجف اي مساندة للأمام الصدر إلاّ ما ندر ومعلوم هو المستوى المتدني في الاخلاق الذي وصلت اليه هذه المدينة التي كان من المفروض ان تكون مدينة العلم والاخلاق والشجاعة ولكنها وللأسف لم تكن كذلك بل واجهت شهيدنا بالحرب منذ الايام الاولى وهذا ليس بجديد عليهم اذ ان الغالبية من أهل هذه المدينة المقدسة يميلون الى اهوائهم وملذاتهم وأحتقار رجل الدين والتجرأ عليه وكانوا لا يحترمون عالماً ولا يحترمون اي تشريع اسلامي وكان البعض من العلماء يجاملهم على حساب الحق ويغدق عليهم الاموال والمجاملات السطحية لكي يضمن ولاءهم ولكن أي ولاء. لذلك نجد اكثر اهل النجف يرجعون الى محمد سعيد الحكيم والسيستاني في التقليد وأي تقليد هو؟ إذ من النادر ان تجد بينهم مؤمناً ملتزماً لا يحلق لحيته مثلاً... أو لا يستمع الى غناء أو احتساء خمر وحدث ولا حرج من هذه المخالفات وغيرها ولا اعني بأهل النجف سوى هذه البقعة المحيطة بضريح أمير المؤمنين(ع) بينما الاحياء الفقيرة وباقي الاقضية من الناس البسطاء الذين سحقتهم الدنيا والسلطة الغاشـمة وهذه الاحياء الفقيرة مسكونة من أهل جنوب العراق الذين هربوا أو تركوا محافظاتهم اثناء الحربين.
لذلك بقيت النجف وحتى اليوم الآخير من حياة شهيدنا العملاق تناصب العداء لمرجعيته بل وللاسلام ككل. وهذا ما اتخذه محمد باقر الحكيم كمطعن أساسي على مرجعية الامام الصدر وأقول له هنيئاً لك هذه الزمرة التي سترد معها يوم القيامة بئس الورد المورود.
المهم انه وسط هذه المشاهد كان شهيدنا يقرأ ويدرس ما يحدث ويخطط للغد في صمت فكان يستخدم التقية في العديد من آراءه الى درجة عدم الاجابة على بعض الأسئلة والاستفتاءات ولكنه يضع عبارة تبعث على التفكر فمثلاً عندما يكون السؤال فيه رائحة سياسية يجيب قائلاً }هذا مخالف للتقية{ وفي احدى المرات سألته عن كرة القدم فكان الجواب }يجاب شفوياً{ وبعد المراجعة قال(رض): ان كرة القدم الآن شأن دولي وهي مرتبطة بالسياسة أكيداً والتدخل في تحريم بعض متعلقاتها كالدخول الى الملاعب واللعب في الأندية... الخ معناه التدخل في السياسة وهذا يعني التصادم معهم.
وفي احدى المرات قال لي(رض): حبيبي لا تظن بأني في تقية من العراق فحسب بل اني في تقية من الغرب وأنا في غرفتي هذه. المهم ان الامام الصدر كان يتكتم على الكثير من آراءه كقوله بولاية الفقيه وغيرها وكذلك كان لا يعطي سرّه لأحد فبالرغم من وجود الكثير من الشباب الثقات حوله إلاّ انه كان يوجه من دون ان يعطي ايضاحات كثيرة حول ماهية المخطط الذي يريده وكان يقول: أنا لا أعلم ما سوف أفعله في المستقبل بل أعمل لكل يوم بما اراه من المصلحة وما فيه رضا الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان يربّي طلبته على أمرين السرية والاخلاص وبالخصوص الرضا بما يأتي من الله فكان يؤكد على ان لا تشتكوا مهما تنزل عليكم من مصائب وكان يجسّد ذلك عملياً فهو كما يعلم الجميع مصاب بمرض في بدنه ومنذ أمد لا يعلمه إلاّ الله ولكنه كان بالرغم من الآلام التي كان يعانيها فهو يفلسف الامر. بأن المرض لا يكون الاّ بذنب وهو كفارة لذلك الذنب كما يؤثر عنه(رض).
ففي احدى زياراته للسيستاني قال له هذا الأخير: سيدنا تشتكون المرض...

ففي احدى زياراته للسيستاني قال له هذا الأخير: سيدنا تشتكون المرض، فأجابه الشهيد: حبيبي أنا أرى الشكوى الى الله حرام.
وهذه هي القمة التي من الصعب ان نجدها بين كل المدّعين اما الاخلاص فقد سأله مرّة في احدى المقابلات الشيخ البهادلي قائلاً: سيدي لو سألت نفسك سؤالاً فما تسأل فقال له(رض): اقول لنفسي هل انت مخلص. ومن هذين الأمرين ترى مدى ما وصل اليه شهيدنا في العرفان الذي اصبح تجارة بيد الكثير من أصحاب الأهواء فبينما نجد الكثير يتظاهر بالخشوع ويسبّح ويهلل بشكل ظاهر ومسبحته بيده يقلّبها وخواتمه تبلغ العشرة أو الخمسة. ترى شهيد العظمة لا يتظاهر بأي مظهر من هذه المظاهر ويرى ان العبادة والاخلاص أمر خاص بين العبد وربه فاذا ظهر اصبح رياءً والعياذ بالله.
وبخصوص الدراسة الحوزويّة من حيث الدوام أو التعطيل فقد كان ديدن الحوزة وما يزال هو اعتبار التعطيل هو الاصل فالتعطيل يشمل شهر رمضان واسبوع العيد في ذي الحجة وشهر محرّم ويستمر الى العشرين من صفر اي الى اربعينية الامام الحسين(ع) والابتداء منذ الخامس عشر من شهر شعبان لعطلة رمضان وهذا غير الوفيات والولادات وعند شهري الحر الشديد السابع والثامن من السنة الميلادية ويوم السبت من كل اسبوع.
ان مدة الدرس اقل من ثلاثة أشهر في السنة وهذا هو المعروف عن المنهج الحوزوي ولكن الامام الصدر قرر تغيير هذه السيرة الحوزوية ـ ان صح التعبير فهو يعطل في شهر رمضان وخمسة عشر يوماً من شهر محرّم الحرام.
اما في الوفيات والولادات فانه كان يستمر في درسه مع اقامة تعزية في المكتب اذ كان يؤثر عنه ان الامام المتوفى أو المولود في هذا اليوم لا يرضى بالتعطيل بل هو يرضى بالدرس أكيداً.
وكان(رض) يؤكد على الدرس يقول: أدرسوا وجدّوا وأريد منكم جميعاً أن تكونوا مجتهدين. وعندما كان يدرّس الكفاية بعد صلاة المغرب حين وجد إن الساحة خالية وذلك كما ذكرت آنفاً ان العراقيين يبحثون عن استاذ في هذه المادة فلا يجدون فاضطر الى تدريسها المهم انه في هذا الدرس كان يؤكّد على المثابرة ويقول: لماذا ندرس الكفاية؟ لانها من اصعب الكتب الحوزوية واقول لكم ادرسوا اصعب الكتب حتى لا تكونوا يعبر من فوقكم الجميع.حايط انصيص
وكان يقول اريدكم جميعاً أن تكونوا مجتهدين وكان يؤكد على مسابقة الزمن وكانداسوكم بقدم من حديدًفاذا تركتموها للآخرين يريد منا ان نقوّم أنفسنا وان لا نستجدي من الآخرين المعارف والعلوم.
وكان ينظر للمستقبل وفق منظوره السابق للتاريخ. وذلك بحكم خبرته ومشاهداته للواقع. اذ ظلت الحوزة والى يوم الناس هذا محصورة السيطرة والتسلّط على فئة معيّنة اما العراقيون فهم اتباع على اية حال ولا يحق لاحد منهم ان يكون منافساً سواء كان عالماً بالفعل أو لا أذ يجب عليه الخضوع وتقبيل الايدي صباحاً ومساءاً ويسبح بحمد الفلانيين لا اكثر وهذا هو حال باقي الجنسيات كالافغان واللبنانيين وغيرهم. ولك ان تسأل احد الافغان اذا كانت لديك معه ثقة متبادلة ليحدّثك بمدى التعسف والجور الذي كان يلحق بهم. اذ يتحدث احدهم وهو من اساتذة الحوزة في النجف قائلاً: كنّا في أيام الخوئي عندما كنا نراجع من اجل تجديد الاقامة نذهب الى مدرسة القوام وهناك يتربع محمد تقي الخوئي الذي كنا نخاف منه اكثر من خوفنا من السلطة البعثية الكافرة وكان احدنا لا يتنفس الى ان يخرج وهو يحمل معه تجديد الاقامة السنوية.
وكانت الرواتب لا تكفي الى منتصف الشهر ولا احد يدري اين تذهب ملايين الدولارات وبأي جيب تستقر والى هذا اليوم واليك هذه الحادثه فبعد وفاة الخوئي قاموا باخراج مئات الآلاف من الاموال وقد أتلفتها الرطوبة إذ كانت مخزونة في السراديب التابعة لمكتب الخوئي وقد تلفت بالكامل. ولو قال قائل انها مخزونة لشؤون الحوزة أقول: اية شؤون هذه اذ لم يتم بناء مدرسة إلاّ ما ندر.. ولم يعرف عن تلك المدة انها من سنوات الانتاج الفكري الحوزوي حتى يقال بانها تصرف على المنشورات الحوزوية ومعلوم ان الشعب كان يعيش جهلاً كبيراً ولم تستطع الحوزة ان تقدم له اي شيء يذكر.
وقد لحق هذا الطغيان حتى العلماء الذين يشهد لهم بالفضل والعلم كالشيخ الغروي اذ ان الشيخ الشهيد كان مظلوماً ومضطهداً من قبل الادارة الحوزوية
بسبب قوله بأن الخوئي ليس هو الأعلم. والارجح انه كان يرى اعلمية الشيخ حسين الحلي(رحمه الله) وينقل عنه انه كان يقول: حضرت بحث الخوئي اربعين سنة لم أقل يوماً بأعلميته.
وبسبب هذه المواقف اعتدى عليه محمد تقي الخوئي بأن ضربه }بالمداس{ في بيت الشيرازي وهذه حادثة مشهورة في النجف وقد كان محمد تقي الخوئي لا يحترم ولا يبالي بأحد ويستخف بأكبر عالم.
وفي احدى المرات كما نقل لي احد ثقاتي ان الامام الصدر ذهب للشهادة على رؤية ا لهلال عند مكتب الخوئي ومعروف ان شهيدنا كان أبيض الشعر. في كل من رأسه ولحيته وحاجبيه لذلك تندر عليه محمد تقي الخوئي بقوله: لا يأتينا أحد حواجبه بيضاء فتقع شعرة على عينيه فيظنها هلالاً ومن الحوادث مع هذا الرجل: انه كان جالساً عند شهيدنا بعد تصديه للمرجعيّة فقام شهيدنا بتعميم احد الطلبة فقال محمد تقي الخوئي: سيدنا يجب عليك الاهتمام بتعميم اولاد المراجع.
فقال له شهيدنا: ان اولاد المراجع يتعممون ليحافظوا على اسم الاسرة اما هؤلاء فانهم يأتون الينا عن ايمان وعقيدة ورغبة في العلم فيجب ان نهتم بهم اكثر من اهتمامنا بأولاد المراجع.
ومن هذه الحوادث ان الشيخ محمد حسن الأنصاري وهو الساعد الايمن للسيد السيستاني وهو زوج احدى بنات السيد محمد كلانتر(قدس).. قد قال لشهيدنا في أول تصديه للمرجعية }الزم ظهر محمد تقي الخوئي تكون لك المرجعية بلا منازع{ فرفض شهيدنا رفضاً قاطعاً ان يتخذ المضلين عضداً وقد كان كما حدّثني احد الثقاة يلعن محمد تقي الخوئي ويقول: ان اولاد الخوئي شياطين. وهذا الطغيان والاستئثار مستمر الى يومنا هذا، وهو متمثل بالسيستاني واتباعه ومكاتبه المشبوهه ومن ورائهم عبد المجيد الخوئي ومن وراء الجميع مالا يعلمه إلاّ الله!!! وشراء الضمائر مستمر الى ان يأتي الله بامره وفي كل الحوزات من قبل هذه الثلة فمرجعية السيستاني ان صح تسميتها مرجعية ماهي إلاّ قلعة من الرمال واتحدى كل من يلتف حوله ان يثبت امكانية السيستاني من الناحية العلمية فعلى مستوى الأصول يعلم الجميع ان كتاب الرافد في علم الاصول للسيستاني هو في مستوى من الضحالة بشكل ملحوظ عند ذوي الاختصاص وقد نقده كل من قرأه وقد نصح الكثير بعدم نشره لأنه طامة كبرى واما كتبه الفقهية فلا تقل ضحالة عن ذلك، و لهذا السبب كان السيستاني يتهرب من اي مناقشة على مستوى هذين العلمين فمثلاً في درس البحث الخارج في الفقه وهو لا يلقي غيره يرفض السيستاني اي مناقشة واذا كان عند طلبته اي استفسار او اشكال فعليهم المطارحة مع ولديه محمد رضا ومحمد باقر وقد حاول العديد مناقشته فأفلت منها بصورة مخزية كالشيخ الغروي(قدس).. اذ يقول: حاولت عدة مرات ان اناقشه لأرى مستوى علمه فلم أفلح في ذلك.
ومنها ان السيد المروّج وهو افغاني طرح سؤالاً يختص بولاية الفقيه يا أيّها الذين آمنوا اذا نُودي للصلاة من يوموكان السؤال حول الآية الشريفة فقال المروّج: من هو المنادي في هذه الآية فأشاح بوجههالجمعة فاسعوا الى ذكر الله عنه.
ودخل عليه شهيدنا العظيم في احدى المرات وقد سأله احد العوام عن مسألة فقال السيستاني: ولدي محمد، علي بالرسالة.. فقال شهيدنا: وما تفعل بالرسالة ألست من كتبها.
وجاء السيستاني زائراً لشهيدنا في مكتبه فلما استوى في مجلسه قال له شهيدنا: سيدنا نتباحث فقهياً. فأجاب: إنا لم أئت لغرض المباحثة.
بينما نرى الامام الصدر يتصدى لأي مسألة وأي مناقشة من الصغير والكبير ولا يترك امراً أو يؤجله بل هو حاضر الذهن حاضر الجواب قوي الاستدلال ومن ذلك الكثير الكثير. وساحة النجف تشهد له بذلك وقد دخل في مناقشات فقهية وأصولية مع كل المتصدين فافحمهم ومنهم أيالفياض وبحر العلوم والمرعشي وهو يدافع عن رأي السيستاني في مسألة قراءة القرآن في نهار شهر رمضان وعلي السبزواري وهو يدافع عن رأي والده في مسألة افتتاحالمرعشي المطاعم في نهار شهر رمضان.. وهكذا لم يبق مجالاً إلاّ ولجه ومن ذلك انه قرأ مؤلفات المتصدين وقيَّمها من دون تحيز ومن هنا وعندما قرأ كتب محمد سعيد الحكيم قال ما معناه: استح فان هذه ليست أرائك.
وينقل انه قال فيه Aلو درّس اللمعة لكان خيراً لذلك فهو لم يعترف بأجتهاد احد سوى ثلاثة علماء في النجف وقد اجاب في استفتاءله وجه اليه عن المجتهدين فقال: الغروي، والفياض والبروجردي مجتهدون واما الباقون فالله أعلم بحا لهم. وقد سألوه عن كثرة المجتهدين في قم فقال: لو غربلتهم لما أخرجت اكثر من ثلاثة وهذا يعني ان عنده موازين للاجتهاد هي موازين استاذه ولا مجاملة فيها لأحد ومن ذلك قوله كنّت والحائري والهاشمي أعلم من الخوئي في زمانه والآن اسأل: وفق هذه الصلابة وعدم المجاملة ما هو عدد انصار ومؤيدي شهيدنا: الجواب: لا احد إلاّ من جعل الحق نصب عينيه وسحق نفسه الامارة بالسوء، لذلك نجد ان الاسماء اللامعة في كل المحافل العلمية قد شنت عليه الحرب فالنجف قد أتحدت ضده إلاّ ما كان من البروجردي والغروي والفياض وحسين بحر العلوم فانهم اتخذوا مسلك الصمت مع تقديم الاحترام والتقدير له.
واما في قم فقد كان مقرراً عند عدد معتد به منهم ان يجمعوا على كتابة فتوى بأن مرجعية محمد الصدر هي مرجعية عميلة. ولكن الشهادة قطعت الطريق عليهم والمهم ان شهيدنا خرج بعد كل هذا منتصراً على الجميع ولكن بعد ان دفع دمه الطاهر ثمناً لهذا الانتصار).
وبعد ان اصبح الشعب العراقي هو الضحية الاولى لهذه العنعنات والعنجهيات والانتهازية، والعملاء وهذه تسمية صريحة قا لها شهيدنا في احدى الاماكن حين قال احدهم: اللهم احفظ العلماء: فقال الشهيد الى من بقربه، العملاء. وهو يعني الفئة الساكتة المنتفعة والتي ليست من فئة العلماء لا من قرب او بعد.
المرجعيات الأخرى
في نص خطي موجود له(رض) قال فيه: إن الاستعمار يهدف الى هدم مرجعيتي كما فعل مع مرجعية السيد الشهيد(قدس) لانه رأى فيها خطراً على كيانه ووجوده ويدعم باقي المرجعيات من حيث يشعرون اولا يشعرون كما يحدث فعلاً. وهذا النص لشهيدنا له واقعية ملموسة فان الأيدي التي تخطط من وراء الكواليس تبث بين الجماهير سواء على المستوى المخابراتي والاشاعة أو على مستوى الاعلام وهذا واضح لا يحتاج الى مزيد من البيان وقد يأتي يوم نرى فيه ان هناك اسماء لامعة قد عمل الاستعمار على تنميتها وتضخيمها وأيصا لها الى مناصب خيالية و لهذا فان شهيدنا ركّز على هذا الامر وقد ذكر أحدى هذه الاسماء وهو الشيخ بشير الباكستاني حيث صرّح شهيدنا بعمالته في حادثة مشهورة اذكرها باختصار: جاء بشير الباكستاني الى شهيدنا بعد ان رفض الموافقة على توقيع اقامته فقال له: لماذا رفضت التوقيع على اقامتي. فقال(رض): من الخير لك وللحوزة ان تغادر النجف. فقال: ولماذا.
قال(رض) لا اذكر لك السبب المباشر وانما هو ما أقول لك ارحل هو خير لك. ويعقب شهيدنا انه يمتلك دليلاً واقعياً ضده إلاّ ان المصلحة تقتضي عدم ذكره فانه قد يؤدي الى مفسدة ولكنه يعطي بعض القرآئن على ذلك منها ان الباكستاني يمتلك من الاموال الشيء الكثير مع انه ليس عنده مقلّد واحد.

ويمتلك مزارع وأراضي في اماكن مختلفة من العراق مع الكثير من المواشي ويقوم بتوزيع مساعدات مالية او غذائية في محافظات عديدة في الجنوب والوسط. وهناك نقاط اخرى فالباكستاني يوزع راتباً جيداً وهو يصر على مواد قديمة في الدراسة لا تنفع الطلبة بل قد تؤدي الى تحجير ذهنية الطلبة مثلاً يقول: يجب ان تدرسوا في المنطق 1ـ ميزان المنطق. 2 ـ الحاشية لملا عبد الله.
3ـ شرح الشمسية للكاتبي وهذه المواد كلها قديمة لا تنفع طالب العلم أو قد تؤدي الى تأخيره عدة سنوات، والنتيجة عدم فهم العبارت والمقاصد الواردة فيها وقد وضع عدداً من المدرسين منهم طلبة اكفاء ولكن اغراهم بالمال وآخرين مشبوهين كالشيخ محمد السعودي الذي يعمل كأداري في مكتب الباكستاني وله اتصالات مشبوهة عديدة.
والباكستاني حينما يستقبل أي وفد لغرض التقديم في الدراسة للحوزة يقوم بأحباطه وتسقيط الحوزة في نظره قائلاً له: ما تفعل بالحوزة أذهب لبيع السكائر هو انفع وخير لك.
وقد اشترى عدة بنايات لجعلها مدارس منها:
1ـ دار الابرار، 2ـ دار المتقين، وهذه الاماكن بؤرة للقذارة والانحطاط وقد هرب منها كل مخدوع بها إلا مَن كان من الضالين المهم انه بعد رفض شهيدنا له يقول(رض): اتصل بي المحافظ}قائد العوادي{ فقال: سيّدنا لماذا رفضم توقيع اقامة شيخ بشير فأجبته أجوبة تناسب المقام.
فقال: ولكن القيادة قررت الابقاء عليه.
فقلت: هذا امر او اقتراح.
.اقتراحًفأجاب: هو
فقلت: اذن انا ارفض وانهيت الكلام.
وتم سحب الاقامات بعد ذلك من الشهيد وانيطت بالمحافظ نفسه.
الحصيلة ان الباكستاني بقي في النجف وهو في الوقت الحالي قد اشترى المنازل التي بقربه وقد قامت الدولة بوضع حماية قرب منزله.. فأمام داره التي تقابل الجبل بطول عشرة أمتار وعرض أربعة امتار وفيه مجموعة من رجال الامن وعندماكرفانًوضع ً تدخل داره تواجه الاستعلامات لكي يتم التفتيش وتوجد امام داره سيارتان واحدة نوع }كرونا{ والثانية من نوع سيارة اجرة والله العالم في الايام التالية ما سيكون دوره وقد كان كل علماء النجف يعلمون حق العلم ماهو الباكستاني ولكن لم يصرّح احد منهم بخصوصه إلا ما كان على مستوى الجلسات الخاصة.
ومع ذلك تعاون معه آل الحكيم بأمور لا أعلم ماهيتها وأظن ان التعاون كان في مجال معيّن وهو مواجهة العدو الاكبر}الامام الصدر{ وهذا ليس مختصاً بهاذين بل اشتمل على ثالث هو السيستاني وهناك حادثة مهمة تجدر الاشارة أليها وهي ان الباكستاني قام في احدى المناسبات بتوزيع مساعدة في حوزة النجف باسم الروحاني وقد سلّمها الى عدد من الفضلاء من اصحاب الخط أوا لحوزة التقليدية وبعد وفاة الروحاني قام بأقامة مجلس تعزية وقد دعا اليه كل العلماء في النجف وعندما دعا الامام الصدر رفض شهيدنا وأصر على عدم الحضور ولا أعلم هل ان السبب يختص بالروحاني أو لكون صاحب التعزية هو الباكستاني والثانية ارجح عندي، وقد اهدى في احد الايام مجموعة من الكتب الى الامام الصدر فرفض استلامها بشدة.
وفي بداية تصدي شهيدنا للمرجعيّة التف حوله عدد كبير من الفضلاء مثل السيد هاشم المخراقي والشيخ صادق الناصري والشيخ محسن الحسناوي وغيرهم إلاّ ان اسلوب شهيدنا في عدم المجاملة على حساب الحق والدخل المحدود أدى الى انصرافهم عنه فالمخراقي كان يدعي الاجتهاد وعندما واجهه شهيدنا بأحدى المسائل الاستدلالية تصاغر وقال انا لست مجتهداً.
وبعد ذلك لم يعد مرة أخرى الى مكتب الامام الصدر وهكذا الحال مع ابن عمه السيد حسين الصدر الذي دعا الى مرجعيته في بادىء الامر ولكن السيد الشهيد واجهه كما ذكرت آنفاً ففعل ما فعل جزاه الله ما يستحق وهكذا الآخرون ولكن في الاشهر الاخيرة من حياته الشريفة عاد اليه عدد منهم كالشيخ الحسناوي وعبد العالي المظفر وغيرهم.
وكذلك فعل آل البغدادي }السيد علي البغدادي وأخوته{ حيث وقفوا موقف العداء من الامام ولكنهم تراجعوا في الايام الأخيرة. ومن العلماء الذين وقفوا وقفة شريفة مع شهيدنا أحمد البغدادي الذي أشار الى اخوته وهو في الخارج بالالتفاف حول الامام الصدر والبغدادي معروف في النجف بزهده وتقواه ومواجهته للحوزة الصامتة كما هو ديدن جده المجاهد السيد البغدادي(قدس) وقد أصدر مؤلفات تظهر حقائق خطيرة عن واقعيّة مرجعية السيستاني واسلافه منها:
1ـ الطاغوت يحكم.
2ـ حق الامام وغيرها
تعامله مع الآخرين
ذكرت نبذة عن الاسلوب الذي كان يتصرف به مع الآخرين وهناك طرق أخرى كان يتميز بها(رض) فعلى المستوى الاداري لمكتبه كان يراقب بدقة تصرفات الموظفين في المكتب ولا يسمح لاحد بتجاوز حدود الشريعة المقدسة أو التصرف بخلاف الظاهر وفي حال صدور أي شكوى ضد أحد الموظفين كان يتحقق من الامر بنفسه ويتخذ القرار المناسب ولذلك فهو قد غيّر من ادارة المكتب عدة مرات ولم يكن يعيّن أحداً على اساس المجاملة او السمعة العائلية باستثناء ابني السيد كلانتر(قدس) وهما السيد سلطان كلانتر زوج ابنة الامام الصدر والسيد حسين كلانتر وهما معروفان بطيبتهما وأخلاصهما وتواضعهما وكانا مطيعين للامام الصدر الى حدود بعيدة.
واما الآخرون فهم من ابناء محافظات الجنوب والوسط ولا يرى فضلاً لأحد على الآخر وكان(رض) يجتمع بهم بين الفينة والأخرى ليراجع معهم السلبيات ويلقي عليهم محاضرة اخلاقية ويشدد على ضرورة التحمل والتعامل باخلاق وسعة الصدر مع الزائرين واما لقاءه بالناس فقد كان في بادىء مرجعيته يجلس مرتين في اليوم المرة الأولى حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحاً الى وقت صلاة الظهر والأخرى بعد صلاة المغرب ولكن عندما كثرت مشاغله وخصوصاً عندما انتشر تقليده بشكل واسع وأقيمت صلاة الجمعة وافتتح المحاكم الشرعية قلّص هذا الوقت. فصار يتواجد في الصباح فقط في الايام الاعتيادية وهي ايام دوام الحوزة واما ايام العطل فيجلس في نفس الوقت السابق وكان يخصص وقتاً للمقابلات الخاصة فيما لو كانت عند الآخرين أمور خاصة أو سرية وهذه الساعة هي التي تسبق صلاة المغرب في كل يوم وبعد صلاة الظهر.. وفي حال وجود مسألة مهمة فانه يأخذ الزائر معه الى بيته في }الحنانة{.
اما طريقة مقابلاته للجماهير كانت بأن يجلسوا حوله ويسأل الواحد تلو الاخر وكان اذا تقدم اليه احد يسأله فأنه يعطيه كل انتباهه وقد حاول البعض استراق السمع لما يسأله السائل فانتهره شهيدنا قائلاً: بئس ما سولت لك نفسك. والسائل يجلس دائماً عن يمينه واما عن شـماله يجلس احد المساعدين.. وفي احدى المرات جاءه حسين الصدر فجلس عن يمينه فقاله له: حبيبي من أين يأتيني الناس اذا جلست مكانهم فقام وتحوّل الى مكان آخر.
وكان في بادىء الأمر يجلس في ثاني غرفة على يسار الداخل بعد ذلك تحوّل الى اول غرفة على اليسار أيضاً وبعد ان اصبحت تضيق بالناس تحوّل الى غرفة المكتبة التي تواجه الداخل وعندما أصبحت لا تسع أيضاً تحوّل الى غرفة اكبر وهي التي تكون على يمين الداخل الى المكتب وكان(رض) لا يجلس في صدر المجلس ابداً بل يجلس في الزاوية دائماً.
وفي مجال المقارنة مع باقي المكاتب المشهورة فان الداخل يجب عليه ان يقبّل الايادي الممدودة بشكل آلي بحيث ان العالم لا يلتفت الى القادم وكأن اعطاء يده يكفي لرد التحيّة وهؤلاء نجدهم يجلسون في صدر المجلس وعن يمينه مساعد وعن شـماله مساعد والسائل عليه ان يجثو على ركبتيه امامه.
إلا ما كان من الشيخ الشهيد الميرزا علي الغروي(قدس) فقد كان بسيطاً جداً مع ما تشهد له الحوزات من القدرة العلمية الفذّة.
المهم انك بعد ان قدّمت القربان المطلوب فان عليك ان تشرب الشاي ولو كانت عندك مسألة فان عليك ان تراجع الحاشية الذين يتعاملون مع الجماهير كأنهم ارقاء وطبقة سافلة.
واما تصرفات وسلوك شهيدنا في الشارع فكانت بسيطة وطبيعية خالية من التظاهر وكان دائم النظر الى الارض إلاّ في حالات معيّنة وكان لا يمانع من الاجابة على أية مسالة حتى وهو يمشي وأحياناً يقف مع السائل في الشارع ليجيبه وقد كان(رض) يمارس فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه ومن ذلك انه كانت بعض النساء يظهر شعرها من غير ان تعلم فيعلمها او يرسل احداً لها.
وفي أحدى المرات وبالقرب من باب القبلة للحضرة العلوية المطهرة نزلت امرأة من سيارة وهي سافرة بالكامل وقد وضعت أصباغاً على وجهها وعندما مر من قربها بصق في وجهها وذهب فظلت تتكلّم بشكل غير لائق فعاد اليها وبصق في وجهها مرّة أخرى.
وفي احدى المرات وهو خارج من المكتب جاءت امرأة وقد كشفت عن شعرها وصدرها فصاح بها ملعونة ملعونة ملعونة الى مالا نهاية.
ومرّة جاءه ضابط كبير في الجيش العراقي وذلك في الصحن العلوي الشريف وقال له ما مضمونه ما حكم عملي مع الجيش العراقي فقال له(رض) ما معناه: أنت في جهنم.
فقال: سيدي ما أفعل.
فقال(رض): خلص نفسك.
وكان(رض) يرفض المسير وراءه أو من حوله إلا في الايام الأخيرة حينما كانت الجماهير تزدحم حوله الى درجة انه سقط على وجهه في احدى المرات وفي اخرى سقطت عباءته.
وجاءت بعض الاخبار بانه معرض للأغتيال في اية لحظة وان كان(رض) لا يبالي بخصوص هذه المسألة اذ كان يروى عنه انه كان يقول: إني انتظر طلقة الشهادة يومياً وفي احدى المرات نادى احدهم بأعلى صوته بالصلوات فقال(رض): اذا كانت هذه الصلوات لله فجزاك الله خيراً وان كانت لي فعليك لعنة الله.
وعندما سمح بهذا الامر في الاشهر الأخيرة وسمح للشعراء بالقاء قصائدهم مع ما فيها من المدح قال(رض) مامؤداه: انه قبيح ان يمدح الانسان في وجهه وأنا شخصياً اتأذى من ذلك ولكن عندما رأيت ان في ذلك نصرة للمذهب فاني تغاضيت عن ذلك مع مافيه من أذى ليّ.
وكان لا يسمح با لهتافات التي كانت الجماهير في العراق ترددها خصوصاً في مسجد الكوفة الأعظم وكان يقول: ان هذه الهتافات مستعجلة ولا حاجة اليها الآن.
ويمكن القول ان الاستعجال في هذه ا لهتافات انها لم تكن تحدث في وقتها المناسب وقد كان يحث عليها في اوقات أخرى حينما يريد ان يظهر مدى ماوصلت اليه الجماهير من استجابة وقوة بحيث كانت تلبّي كل ما تريده الحوزة الناطقة.
الامام الصدر في بيته
معظمنا تختلف اموره وأحواله واخلاقه وكلماته في خارج المنزل منها فيه. اذ ان الانسان يحاول ان يحافظ على توازنه ويدقق في كلماته ويظهر بمظهر لائق فيما اذا كان في الشارع أو الاماكن العامة أو عند استقباله الضيوف اما في البيوت فأحدنا ينقلب وضعه تماماً فيتكلّم بحرية زائدة على ما في الخارج ويأكل بطريقة تختلف ويتعامل مع اسرته بدون تحفظات وقد يكون احدنا مثلاً أعلى امام الناس ولكنه امام اسرته شر مثل. ولا استثني طبقة معيّنة من طبقات المجتمع إلاّ أولئك الذين تطابق ظاهرهم مع باطنهم فأصبحت الرؤى واحدة والتعامل واحد يرى ولده كما يرى ابن جاره وأي انسان آخر وينصح أسرته بما ينصح به الغرباء بلا فرق.
هذا في الانسان العادي والمفروض ان هذه الصفات مما يتحلى بها مرجع التقليد أو رجل الدين عموماً فهل نحن كذلك؟
لنستمع الى الشهيد السيد مصطفى الصدر وهو يجيب طلب احد الاخوة عن سلوك الامام الصدر في منزله وبين اسرته بعد ان حيّر العقول في سلوكه امام المجتمع فهل كان امامنا مختلفاً او هو هو كما هو في سلوكه الظاهر فأجاب الشهيد ابن الشهيد قائلاً:
بسمه تعالى
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين. اما بعد.
فلقد أوكلت...

إليّ أيّها العزيز مهمة انا اقل من أن أبصر مداها أو أن أبلغ كنهها ومثواها.
ولعمري لهو الشرف وأي شرف ان اخطّ بقلمي هذا الكال اسطراً تنبيك عن من غضت الابصار دونه، وتضاءلت الافكار تحت هدي فنونه، واستعصى على النفوس الاقتراب منه رهبة واجلالاً أو خوفاً وفرقاً.
ورغم كل هذا فهو اشد الناس تواضعاً، واوسعهم صدراً، وارحمهم قلباً، اذا كلّمك اسمعك، وان كلمته سمعك واصغى لك حتى ظننت انك تكلّم نفسك، يلقاك باسماً ويودعك راحماً، فصرت أهوى ان اكلّمه أو أبدأه بحديث، وما أن أبدأ الحديث معه حتى اتضاءل امام خلقه الرفيع وعلمه المنيع.
كان وما يزال أباً حنوناً رحيماً، يتفقد افراد اسرته فرداً فرداً، يسأ لهم عما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم واضعاً في كلماته الموعظة الحسنة، والكلمة الطيّبة، يزورنا اذا ابتعدنا ويدعونا اذا سئمنا، يلاطف صغيرنا ويرعى كبيرنا، ويعاقب مخطأنا، هو معنا كما هو لغيرنا، يقبل علينا ما اقبلنا على الله يأمرنا بالطاعة ولزوم القناعة، والزهد في الدنيا والصبر على البلاء، والرضا بالقدر والقضاء، يسكّن روعنا، ويزيد صبرنا.
يناقشنا في امرنا كالصديق رغم رأيه السديد ونظره المرهف في الامور
لطالما يجالسنا في سويعات السمر رغم انه يكره السهر، فهو ينام باكراً ويستيقظ باكراً، يكثر من الكتابة والتأليف في الصباح الباكر، يتناول فطوره بيده الشريفه قبل طلوع الشمس وبعدها يتفرغ للكتابة والاجابة على ألاستفتاءات والتحضير لبحوث الفقه والاصول والتفسير، التي يلقيها على طلابه في بحوث الخارج. حتى اصبحت الكتابة واستقبال الضيف تستغرق جلّ يومه في البيت فلا نكاد نراه إلاّ في سويعات الطعام على المائدة فهو لا يأكل لوحده إلاّ نادراً ونحن بدورنا ننتظر هذه الفرصة الثمينة حتى نجالسه ونسمعه ونتحدث اليه.
يقدم لنا الطعام ان قصرت ايدينا عنه، ويسأل عمن غاب منّا.
كنا ومازلنا نسأل عن الصغيرة والكبيرة في دين او دنيا، نستأنس بطاعته ورضاه، ونأسف لسخطه ان جهلنا ما يريد، يعلم منا مالا نعلمه ولا نعلم منه شيء.
انه البحر المتلاطم والفيض المتعاظم ـ يعاتبنا اشد العتاب ان اخطاءنا فلا تأخذه في الله لومة لائم. ويلين لنا ان طلبنا منه الرضا.
اذا جلسنا نتحدث كان كأحدنا يحدّثنا بما نتحدث عن خبر أو صدر من شعر أو أدب في علم أو فن، يدير حديثه بما يقربنا الى الله ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، يأمرنا بالتواضع والخضوع والسكينة والخشوع، ينهانا عن حب الدنيا ويحذرنا من التعلّق بحبال مودتها، يحضنا على الزهادة منها كما زهدها، يذكرنا بالموت ومخافة الفوت ويأمرنا بالصبر على البلاء وهو اصبر الناس على بلواه وما أكبر ما أبتلي وهو الصابر المحتسب القانع، فقد أبتلي بصحته وسقمه وسرّه وعلنه وفي أهله وأمته، ومازلت اسمع منه هذه الابيات المنسوبة الى أمير المؤمنين(ع):
كن في امورك معرضاً وكل الأمور الى القضا
فلربما أتسع المضـيق ولربما ضاق الفضـا
ولـرب أمـر محـزنٍ لك في عوارضه رضا
الله يفعـل مـا يشـا فلا تكـن متعـرّضـا
اسمعه يكررها علينا كلما ألَّم بنا كرب او اشتكينا له امراً يقلقنا جعلنا الله من مواليه ومن خدمه ومحبيه ومن شيعته ومريديه، واطال الله تعالى عمره الشريف ومتّع الامة تحت ظله المنيف انه نعم المولى ونعم النصير.
كتبت في النجف الاشرف،
30جمادى الاول 1417
مصطفى الصدر

مع الوكلاء
لا شك ان كل مرجعية انما تعتمد بالدرجة الأولى على نشر افكارها وتوجهاتها من خلال وكلائها وكذلك تثبيت هذه المرجعية من خلال الدعوة لها، وكان للوكلاء نمط تقليدي مشهور وكان اغلبهم انصاف الجهلة بحيث لم ينفعوا الشعب العراقي بشيء يذكر على الاطلاق هذا إلاّ اذا استثنينا وكلاء السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) الذين كانوا من فضلاء الحوزة ويمتاز غالبيتهم بثقافة لا بأس بها.
اما شهيدنا فبدأ مرجعيته بوكلاء تقليديين واكثرهم وكلاء سابقون للخوئي وهم يحملون آنذاك وكالات لباقي المتصدين ولم يستفد الامام الصدر من هؤلاء الوكلاء إلاّ بنسبة لا يعتد بها وعندما بدأت الحوزة تستقطب شباب العراق اتخذ الامام الصدر اسلوباً جديداً اذ انه قبل أي حديث اشترط في الوكالة داخل العراق ان لا تستمر اكثر من سنة واحدة وتأريخها الى مولد الرسول الأعظم(ص) في شهر ربيع فبدأ في سنة 1416 ـ 1415هـ بأدخال عناصر الشباب ضمن الوكلاء بالاضافة الى السابقين وبعد ذلك بسنة بدأ باخراج العديد من السابقين وسحب وكالاتهم ولم يجددها إلاّ لمن ثبت على نهج المرجعية الحقة فاصبح جميع السابقين اعداء له بشكل علني فكان ظنه فيهم في محلّه.
وكان للشباب الحوزوي الدور الريادي في تغيير المجتمع واحتكاكهم المتواصل ادى الى تهيأة الاجواء للدخول في المواجهة الكبرى التي ظهرت في أيام صلاة الجمعة المقدسة.
فاتصل معظم الوكلاء السابقين بأجهزة النظام واصبحوا موظفين في وزارة الاوقاف ووقفوا بحزم ضد وكلاء الامام الصدر الجدد فصاروا اليد الثانية للنظام التي سعت الى هدم هذه المرجعيّة الناهضة ولكن بدون جدوى.
كان ايّ وكيل لا يعطى الوكالة مالم يتم التحقق من اخلاقه ودينه وما قدّمه خلال العام الماضي وكان مسؤول الوكالات في سنة التغيير السيد جعفر الصدر فأشرف بنفسه على التحقق من الوكلاء.
كان المتعارف في الحوزة منذ زمن غير معلوم ان الوكيل اذا جاء بمبلغ في الحقوق فله النصف وكانت على نحو الجعالة على ما هو معروف ولكن شهيدنا قال: لا يعرف الشخص الذي بدأ بهذه السيرة.
وذم شهيدنا هذة السيرة ولعن مؤسسها، وقام بعد ذلك باعطاء الوكلاء نسبة الثلث.
وكان قد حرّم على الوكلاء أن يجمعوا غير وكالة مع وكالته وأعتبر الفاعل لذلك سارقاً اذ ان الأعلم أو من يقلده الوكيل واحد من المراجع واعطاء الحقوق الى غيره سرقة وغير مبرء للذمة كما هو واقع.
فأدى هذا الامر أيضاً الى انسحاب عدد من الوكلاء السابقين على ما ذكرت.
كان الاخلاص والتدين والحصيلة الجيدة من العلوم الاسلامية الاساس في اعطاء الوكالة ومع كل هذه كان الأهم في نظره الشجاعة وقوة القلب الذي جعله شرطاً اساسياً في امامة الجمعة أيضاً.
ولكنه اضطر احياناً من اجل المصلحة الابقاء على البعض ممن يفقد بعض هذه لمقومات ولكن على ان لا يكون الشرط المفقود هو الاخلاص وعدم الانحراف يميناً ويساراً لذلك لم يبق احداً من اتباع المسلك التقليدي.
وقد قام بمحاكمة بعض الوكلاء الذين تصرّفوا بشكل غير لائق وسرقوا اموالاً من ناحية الحقوق وعنفهم وحدث هذا على ما أعلم به مع اثنين احدهما في بغداد والآخر في ناحية تابعة لبغداد أيضاً.
اذ قام الاول بأخذ مبلغ من الحقوق ولم يوصله الى الامام الصدر بل تصرف به ففسقه في بادىء الامر ولكنه اعاد الاموال وأعلن التوبة.
والثاني قام بتزوير ختم الامام الصدر واعطاء وصولات مزورة وهو الشيخ عبد الامير الجابري ولكنه عاد أيضاً واعتذر وأعلن توبته والله العالم بالسرائر.











التدرج في المواجهة
كما ذكرت سابقاً ابتدأ شهيدنا بمفرده إلاّ بمن لا يعتد به في ذلك الوقت سواء على مستوى الجماهير أو الحوزة وعندما تصدى كان عليه ان يواجه اولاً وقبل الجميع الحوزة اذ ليس من السهولة التغاضي عن مثل هذا الخصم الشرس الذي تغلغلت جذوره في عمق التاريخ مئات السنين. وعليه ان يواجه الجماهير التي حملت عنه نتيجة الاعلام فكرة سيئةً، وعليه ان يواجه النظام
لذلك نسأل كيف تم استيعاب هذه الجبهات؟ مع وجود تضاد كبير بينها. فالجماهير عدوة للنظام، والحوزة عدوة للنظام، والحوزة تؤثّر في الجماهير إذ هي القائد الأول للجماهير. فاذا دخل في نزاع مع الحوزة خسر الجماهير وعُدّ من اعوان النظام، ولم يكن في وضع يساعده على الدخول في مواجهة مع النظام
ولا اقول بأني سأستوعب المنهج الذي اختطه شهيدنا كما هو إلاّ اني وبحكم مشاهداتي وتحليلي الشخصي للأحداث والتصريحات التي سمعتها بنفسي أو ممن لا يشك في صدقه سوف ادلي بدلوي وما كان مخالفاً للواقع فانا اتحمله ولا غير.
يقول شهيدنا انه لم يستطع ان يتحرّك إلا بعد ان اغمض الخوئي عينيه. وهو يشير بذلك الى السلطة التي كان يتمتع بها الجهاز الحوزوي و الامكانيات الاعلامية والمالية ومن خلال ما ذكرته سابقاً ان شهيدنا عندما بدأ بطرح اشكالاته على الحوزة كمسألة صلاة السيستاني في مسجد الخضراء وغيرها كان يهدف الى إسماع آذان الحوزة بأني موجود على الساحة ولم يطرح(رض) نفسه كمنافس بصورة مباشرة، وانما اراد ان يثبت اولاً انه مؤهل علمياً اكثر حتى من الخوئي فدخل في مناقشات علمية مع عدد ممن يحدث نفسه بالاجتهاد، أو مع من هو مجتهد فعلاً كما ذكرت آنفاً.
اضافة الى طرح اشكالات على السلوك القائم وأثارة مظلومية الاسلام ونهب الحقوق والاموال من قبل المتنفذين القائمين على شؤون الحوزة. هذا كله مع الحفاظ على الأسس الاسلامية والمبادىء التي كان يعتقدها او ما يسمى باللغة الحديثة }استراتيجية{ فهو يُظهر تذمره واستيائه من اشخاص معيّنين ويترك آخرين.
اما النوع الاول: فهم من الاشخاص الذين يبعد احتمال ارجاع احدهم الى جادة الحق، والتوبة على ما مضى كأولئك الذين دخلوا في مواجهة علنية مع السيد الشهيد محمد باقر الصدر أوساهم بشكل او باخر في اجهاض حركته اما النوع الآخر وهم من الفضلاء الذين ليس لهم دور مهم على ساحة النجف وهناك اشخاص حاولوا التقرّب منه وهم مشبوهون فتركهم لمدة ثم طردهم بصورة علنيّة. وكأن السر في ذلك ان النوع الاول من اعداء السيد الشهيد كانوا يعتبرون انفسهم من ذوي السلطة المطلقة على الحوزة بل على الشيعة في العالم وأحياناً يصطدمون مع كثير من الجهات في حال تصادم المصالح اذكر على سبيل المثال محمد تقي الخوئي الذي كان متكبراً ويرى نفسه فوق الجميع فلم يجامله شهيدنا طرفة عين بل كان يذكره بكل مساؤوه.
والنوع الثاني: لم يكونوا يعادون أية فئة بل هم يجارون الجميع فرأى ان هولاء يمكن اصلاحهم وتقوية قلوبهم لنصرة الحق. وهناك فئة كانت مستضعفة ولكنها تعرف الحق واهله فناصرت شهيدنا حتى هذا اليوم نذكر منهم ـ السيد مير حسن أبوطبيخ ـ وهذا السيد الجليل من طلبة الشهيد محمد باقر الصدر وله موقف بطولي ذكره النعماني في محنته فراجع.
وقد وقف ابوطبيخ مع شهيدنا وكان يحدّث ببعض الحقائق الخطيرة منها ان هناك بعض المؤلفات سرقت من مؤلفيها أو أخدت قهراً ووضعت عليها اسماء لاشخاص متنفذين، ويذكر على سبيل المثال ان احد العلماء(رحمه الله) قد كتب كتاباً في تفسير القرآن فعرضه على احد الشخصيات المهمة لكي يبدي رأيه فيه فأخذه ذلك الشخص ووضع عليه اسمه، وآخر الّف كتاباً في علم الرجال فحدث له ما حدث للعالم السابق.
وشهيدنا كما ذكرت لم يدخل في تلك الفترة في مواجهة مع النظام لانه من غير المعقول ان يدخل هذه المواجهة وليس معه سوى ثلة مخلصة قليلة لا تتعدى اصابع الاطراف، لذلك بدأ شهيدنا بمسألة الاعلمية، وتحدى كل الموجودين على ساحة النجف وتصدى للمناظرة فلم يتجرأ احد إلاّ من جرب حظه فرده على اعقابه خاسراً.

ولما لم يكن احد من المتصدّين الكبار يوافق على المناقشة العلمية قال شهيدنا: أحضروا بحثي وقارنوا فحضرت مجموعة معتد بها في بادىء الامر وكان درسه في الاصول محط الانظار، وكان الطلبة الحاضرون عنده يحضرون عند غيره، لذلك قام باقي المتصدين بخطة لا بأس بها من حيث الذكاء، وهي عدم إلقاء بحث في الاصول نهائياً، لانهم لو القوادرساً في الاصول لصاروا محطاً للمقارنة مع درس شهيدنا وبما ان شهيدناقد احتك بأهم مدارس النجف في الاصول وهما مدرستا الشهيد الصدر والخوئي وهضم مطالبهما بصورة كاملة فان الدخول في مناقشة اصوليه معه خاسرة لا محالة إذ ان الموجودين وأذكر اهمهم: 1ـ السيستاني. 2ـ الغروي. 3ـ البروجردي. 4ـ الفياض. لم يدرسوا عند السيد الشهيد بل ان كلاً منهم يعتبر نفسه افهم وأعلم من استاذه الشهيد!!!
وأما درس السيد محمد سعيد الحكيم في الاصول فلم يكن درساً معتداً بهم اصلاً لذلك قاطعه معظم الفضلاء لمعدومية الاستفادة منه .
وقد ركّز شهيدنا على مجموعة من الفضلاء من طلبته واهتم بهم وتحدى بهم ساحة النجف العلمية، وأغلبهم من الناشئين في الدراسة الحوزويّة اي غير المخضرمين منذ بداية السبعينات حيث كانت النجف تحظى باهم علماء الفقه والاصول
ومع ذلك فقد برز هذا العدد اليسير واصبح من اكفأ طلبة واساتذة النجف وتدريسهم لمواد السطوح اصبح مشهوراً بحيث لو اردت ان تحضر درساً في الأصول أو الفقه لما اشير الى غير هؤلاء. وفي الجانب الآخر فان طلبة باقي العلماء لم يكونوا بالمستوى المطلوب او بمستوى أولئك فمثلاً محمد باقر السيستاني نجل علي السيستاني من أبرز طلبة ابيه ونال من الشهرة في النجف الشيء الكثير، ولكن كل ذلك من دون دليل وعندما تصدى لتدريس السطوح والفلسفة الاسلامية ترك درسه معظم طلبته ممن كانوا يحضرون عنده وكنت ضمن من حضر درس اللمعة وبداية الحكمة فتركته بعد مدة يسيرة. وهناك من الافاضل المشهورين كالسيد رضي المرعشي وهو من طلبة الخوئي وله شهرة واسعة في النجف فكان يدرّس كفاية الاصول فتركه معظم طلبته أيضاً، واما طلبة السيد محمد سعيد الحكيم فأبرزهم اولاده السيد محمد حسين الحكيم وعز الدين الحكيم وعلاء الدين الحكيم فهؤلاء المساكين كانوا على مستوى لا يحسدون عليه، وقد كتبت مرة بحثاً في البداء واعطيته الى عزّ الدين الحكيم وبعد المناقشة فيه تبين انه تورط في مالا قبل له به اذ ان مستواه لا يتعدى مستوى بعض العوام. اذا لم نقل ان في العوام من هو افهم من هؤلاء.
وهنا أطرح مسألة غاية في الاهمية: ما سبب هذه الشهرة التي يتمتع بها هؤلاء؟ وما هي الابواق التي تنفخ لصالحهم؟ وتذكرني قرائتي لاحد مؤلفات الدكتور زكي نجيب محمود.. قال دعاني وزير المعارف المصري في وقته وقال نريد منك الحضور الى مؤتمر لتمثل مصر فيه ولكن سوف تكون ثانوياً إلاّ وقت المناقشة لمواد المؤتمر الذي تحضره واما الشخصية الرئيسية التي سوف تكون نائباً عنها فهي فلان.
فقلت سيادة الوزير إن فلان شخص مشهور ومعروف عند كافة الطبقات ولم أعرف الى الآن السبب الحقيقي وراء شهرته فلم أعرف عنه انه مؤلف أو شاعر أو فيلسوف أو ممثل او مطرب فاطرق الوزير قليلاً وقال حقاً لا أعلم.
وانما اوردت هذا المقطع عن الدكتور زكي نجيب محمود لأطرح نفس سؤاله، ماهو السبب في شهرة اشخاص لم يعرف عنهم شيء يذكر؟ فاذا سألت عن السيد محمد الصدر قلت، هو اشهر من نار على علم فهو مؤلف كبير منذ بداية نشؤه حتى قال فيه السيد محمد باقر الصدر ماقال مع أنه لم يعرف عنه مجاملة في العلم لكائن من يكون وكذلك فان شهيدنا القى البحث الخارج بحضور استاذه وبارك له هذه الخطوة.
والآن أسأل وأنت معي... ماهو سبب شهرة رضي المرعشي مثلاً... أو محمد باقر السيستاني وفلان وفلان بل هناك ماهو اخطر من ذلك فهناك شخصية مشهورة وتحتل منصباً عند الشيعة يعتبر من أخطر المناصب وقد اختفى هذا الشخص مدة سنوات ثم بعد ذلك ظهر وكانت تلك المدة خلال الحرب العراقية الايرانية فأين كان هذا الرجل؟ وماذا كان يفعل؟ يبقى هذا السؤال بلا جواب الى الآن على الاقل.
وهنا تطرح مسألة مهمة وهي ان الشيعة تختار حسب الظاهر الأعلم من بين العلماء الموجودين، فهل ان هذا ما يحدث حقاً ولك ان تراجع تاريخ هذه المؤسسة لترى ان الكثير من العلماء الذين تعتمد آراءهم في الفقه والاصول الى الآن كانوا مركونين جانباً ويرتقي غيرهم ممن ليس بمستواهم بل من ليس له مستوى يذكر، ولا أريد هنا ان اطعن في الحوزة من حيث هي بل هناك عوامل سياسية أو قومية تدخلت في المسألة فهل ينكر احد ان الدولة الصفوية كان لها دور أساسي في تحديد مرجع التقليد؟ ولعل اكمال هذا المطلب يخرجنا عن صلب البحث ويدخلنا في مورد نحن في غنى عنه الآن على الاقل، بل قد يكون ورطة كبيرة تكون عاقبتها كسيدي الشهيد!!.

اما مع الجماهير كان شهيدنا صاحب اكبر رصيد جماهيري بعد هذه المرحلة اذا انه المرجع الوحيد الذي خصص اكبر وقت للجماهير فهو يلتقي بالناس قرابة خمس ساعات فهو قبل صلاة الظهر حوالي الساعة العاشرة صباحا اي قبل الصلاة بساعتين يجلس في مكتبه المتواضع لأستقبال الزوار، وبعد صلاة المغرب اكثر من ساعة، والمقابلات الخاصة قبل صلاة المغرب، وبعد ذهابه الى البيت يصطحب معه جماعة ممن لديهم قضايا خاصة، وفي بادىء الامر كان الزوار قليلين جداً بحيث يرى الداخل ان الموجودين في المكتب لا يتجاوزون العشرين وذلك غير موظفي المكتب، ولكن الأمر تطور لاسباب منها انه كان يقرّب الشباب الحوزوي اليه، ويشرح صدره لهم ويقضي حوائجهم قدر الامكان وكان يدخل في محاورات مع الموجودين وإذا كانت هناك مسألة عامة يقول شهيدنا للسائل: ـ ما هو رأيك في الامر وبهذا يجعل للسائل احتراماً لنفسه ورأيه وكان يتكلّم مع الآخرين من دون تكلّف وببساطة تامة ولا يستخدم العبارات المنمقة والمصطلحات المعقدة بل هو أحياناً يشرح الكثير من المسائل الابتلائية التي تظن الحوزة انها من الضروريات ولكنها لم تكلف نفسها عناء بيانها للناس، وهناك عامل اخطر واهم من كل ماذكرت، وهو ان شهيدنا كان يتكلّم حسب ما تريده الاخلاق الاسلامية، وهو مع الله اينما كان، ويؤكد على عامل الاخلاق، ولم يكن كسواه يقول مالا يفعل، بل هو قلباً وقالباً شيء واحد، فالمنهجية التي كان عليها الآخرون والتكلّف في الكلام، والتكبر على البسطاء والتملق للأغنياء شأن غيره. فمثلاً في أحد المكاتب جاء رجل من لبنان فرآه ابن ذلك العالم ودخل خلفه، واشار الى والده العالم المتصدي اشارة بيده ان هذا الرجل مهم فقم اليه فقام السيد العالم واحتضن الرجل، وهو لا يعرفه وبعد قليل أخرج الرجل حفنة من الدولارات ووضعها في يد هذا العالم.
وحادثة معاكسة تماماً حدثت مع شهيدنا وهي ان احد الاغنياء وعد أحد الوكلاء بأنه سوف يعطي للامام الصدر مبلغاً كبيراً نسبياً كل شهر ومضى شهران أو ثلاثة فبعث الى الامام الصدر من يخبره: سيدنا ابعث لي احداً حتى احاسبه وأعطيه المبلغ.
فاجابه السيد: قل له إن كان يريد بالمبلغ وجه الله فلا حاجة للحساب واذا كان يريد بها وجه محمد الصدر فقل له انه لا يريدها.
وهكذا رغم الحال المتعسرة التي اضطرته الى تخفيض رواتب الطلبة مرات عديدة، هذا المشهد وغيره بالمئات كانت الجماهير تسمع وترى وتزداد عدداً وحباً لهذا الرجل، الذي يمثل آل محمد(ص) بحق.
ومن ذلك حينما بلغه ان ابن عمه السيد حسين الصدر يدعو لتقليد السيستاني وانه لابد من ان يتعامل معه بصورة أخرى وذلك أن حسين الصدر كان يدعي الاجتهاد والى هذا الوقت فكان يدخل الى مكتب السيستاني فيقوم له الجميع قيام المتذللين، ويصفه السيستاني بأنه حبيب قلبي، ويوصلونه الى باب المكتب، ولم يسأله احد عن دعواه في الاجتهاد، مع ان الرجل بالاجماع غير مؤهل لما هو اقل بكثير من الاجتهاد، اما عند محمد الصدر فكان يدخل ويخرج كغيره، وقد سأله شهيدنا مرة عن احد كتبه التي كتب عليها آية الله السيد حسين الصدر فقال: سيدنا ان الجماعة يريدون ان يروني كبيراً، فقال شهيدنا ما معناه: ليس الكبير إلا البعير فخرج ذليلاً ومع كل ما فعله حسين الصدر ضد شهيدنا إلا أن الكاظمية بأهلها نبذته، إلاّ ثلة من اغنياء الكاظمية والتف الناس حول امام جمعة الكاظمية مساندين ومؤيدين لشهيدنا، حتى الذين كانوا مقربين من حسين الصدر.
وكان شهيدنا يهتم بأسئلة واستفتاءات الشباب فكان يجيب يومياً بعد صلاة الصبح على كمية كبيرة من الاستفتاءات بلغت الالاف بل يمكن القول بأن شهيدنا قد حطم الرقم القياسي في عدد الاستفتاءات التي اجاب عليها، فكانت هذه الاستفتاءات مرة حول مسائل شرعية، وأخرى فلسفية وأخرى اخلاقية وأخرى مشاكل عائلية، بل توجد من الامور ما هي خاصة جداً فتعرض عليه من قبل العوائل بيد ان صدر شهيدنا منفتحاً لها فكيف لا تحبه الجماهير وتتعلق به.
اما مع النظام فكان اكبر شخصية لا تتجرأ بالكلام معه، وكان يردهم بشجاعة غريبة لم تشهدها الناس والحوزة حتى اعتبرت احد المطاعن عليه، وذلك انهم يقولون كيف يواجه النظام بهذه الشجاعة مالم يكن متواطئاً معه؟! ومن تلك الاحداث طرده لمدير أمن النجف مرات عديدة وفي احداها دخل عليه فقال له: عندي قضية.
فأجابه شهيدنا: كن في الصف مع الناس فاذا بلغ اليك الوقت اجبتك فخرج مغضباً.
وفي يوم كان هناك }الاستفتاء العام للنظام{ وهو استفتاء شكلي كما هو معروف حول شخص رئيس النظام فكان التعطيل الرسمي فأغلق جميع العلماء مكاتبهم خشية من السلطة إلاّ مكتب شهيدنا اذ كان مفتوحاً لاستقبال الناس والسيد حاضر فيه.
وفي تلك الفترة كانت تصدر استفتاءات فيها مواجهة واضحة منها حرمة التعامل مع ازلام النظام وجواز الاستحواذ على اموال الدولة كما هو مسطور في الجزء الثالث من رسالته العملية }منهج الصالحين{ وتطورت المواجهة في صلاة الجمعة وهو ما سوف اذكره في ذلك الموضوع والمواجهة التي حدثت حينما افتى بوجوب المسير الى كربلاء المقدسة في شعبان... ووجوب زيارة أمير المؤمنين(ع) في مولد الرسول(ص) وقد حدثت مصادمة في هذه الزيارة بين عدد من الجماهير وازلام النظام... وعندما جاء الامام الصدر الى مكتبه في ذلك اليوم لم يستطع الوصول أليه رغم محاولة ذلك اكثر من مرة لازدحام الآلاف من الزوار في الشوارع المحيطة بمكتبه فقفل راجعاً الى بيته وذلك ان الجماهير كانت تهتف بالصلوات مما حدا بمحافظ النجف }قائد العوادي{ ومدير الامن العام }طاهر جليل حبوش{ الى الدخول الى شارع الرسول(ص) وشاهدتهم بنفسي في ذلك اليوم المهيب.
وبعد ان تطورت الحالة وخرج السيد جعفر الصدر الى ايران أعلن الامام الصدر انه هو الذي أمر السيد جعفر بالذهاب الى ايران لافتتاح مكتب له هناك. جاءوا الى شارع الرسول(ص) ومعهم عدد من المعتقلين ليمثلوا مسرحية: هي انه بعد استشهاد الشيخ الغروي، ومقتل البروجوردي، ومحاولة قتل الشيخ سالم مسؤول الرواتب في مكتب السيستاني، ومحاولة قتل محمد رضا السيستاني اعلنوا أنهم اعتقلوا الجناة وكانت الخطة هي ان يعترف هؤلاء بالمسؤولية عن هذه الجرائم والصاقها بالسيد مصطفى الصدر(رض) بالاشتراك مع السيد جعفر الصدر وانهم حصلوا على الفتاوى بخصوص هذه العمليات من الامام الصدر وبعد تمثيل مسرحية حدوث الجرائم في شارع الرسول(ص) ووصول الامر الى الامام الصدر بادر الى التصريح بلقاء مسجل على شريط تسجيل ان ا لهدف من هذه المسرحية الصاق هذه الجرائم بمحمد الصدر، ولكن (يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
فاضطر النظام حينها الى تغيير المسرحية وان الجناة فعلوا ذلك بدافع من انفسهم كما هو معروف، واحتدم الامر حينما افتى بالمسير الى كربلاء في الزيارة الشعبانية فجاءه مدير أمن النجف فأخبر ان رئيس النظام يلزمه بالتراجع فطرده شهيدنا، فجاء بعد ذلك محافظ النجف العوادي فطرده كذلك، وفي اثناء الليل جاء مدير الامن العام طاهر جليل حبوش التكريتي واقتحم بيت الامام الصدر، وأخبره بأنه سوف تحدث مذبحة للشيعة ان هو لم يتراجع عن فتواه، وان رأس النظام قد امر قوات الحرس بالنزول الى الشوارع، عندها وفي اليوم التالي اصدر شهيدنا خطاباً مختصراً علّق على لوحة الاعلانات في المكتب، بأنه نتيجة للمنع الشديد والمؤكّد لهذه السنة والسنوات القادمة فامتنعوا هذه السنة عن المسير الى كربلاء المقدسة تقية. وفي يومها كان احد ضباط الامن الكبار موجوداً في المكتب وقال هكذا اذن، فمزّق الورقة وخرج مغضباً من المكتب.
وقبل هذه الاحداث وفي ايام اقامة صلاة الجمعة امر شهيدنا ابن عمه السيد جعفر الصدر بالصلاة في مسجد الكوفة في ايام الاسبوع غير الجمعة، فتوجه السيد جعفر الصدر الى المسجد وكان يصلّي فيه السيد عبد الامير الحكيم، عندها تم الاتصال بأجهزة النظام الامنية فمنعوا السيد جعفر من اقامة الصلاة، ولا شك ان احتضان السيد جعفر من قبل شهيدنا احد أهم الضربات التي وجهها الى النظام، وهذا الفعل يدل بحد ذاته على ان شهيدنا يواصل مسيرة أستاذه الشهيد بل يمكن القول ان السيد محمد الصدر استفاد من اخطاء المرحلة السابقة ودخل في اطار جديد فمواجهة السيد الشهيد للنظام كانت صريحة وكان انصاره أغلبهم من الشباب والتف حوله عدد من علماء النجف وطلبته ويكفي ان نذكر منهم السيد كاظم الحائري والسيد محمود الشاهرودي والشيخ علي الكوراني والشيخ الآصفي والشيخ الايرواني والسيد محمد باقر الحكيم وهكذا العديد من الاسماء اللامعة، ولكن ما حدث ان التلاحم مع الجماهير لم يكن بالصورة المطلوبة وذلك ان حب الدنيا كان مسيطراً على الكثير، لذلك لم يوفق احد منهم الى حب الجماهير ويكفي ما ذكره النعماني في محنته ان السيد الشهيد بقى وحيداً في ايامه الأخيرة وخذله كل طلبته وفروا الواحد تلو الآخر وعندما شدد النظام من حصاره، قامت مجموعة من العوام بل ممن تعتبرهم الحوزة من حثالة الخلق، با لهجوم على الامن وقتلوا عدداً منهم يقول النعماني ان السيد الشهيد ندم على كل يوم قضاه في تربية طلبته وانه لو ابقاه الله على قيد الحياة لاحتضن اولئك الذين كما قلنا من السوقة.
قال(قدس): إنه لو قدر للسلطة ان ترفع الحجز عنّي من دون قيد او شرط وأعود الى حياتي ووضعي الطبيعي فسوف اعتمد في العمل على امثال }هؤلاء{ إن هؤلاء ضحّوا لله تعالى بدمائهم من اجل الاسلام والقيادة الاسلامية وسأبذل معظم الحقوق الشرعية على تربيتهم ان الاسلام اليوم بحاجة الى المضحين الفدائيين ان واحداً من هؤلاء يستطيع بعمل تضحوي ما ان يغير وضعاً قائماً كان يبدو من المستحيل تغييره، ولا يستعد ان يفعل بعض ذلك من بذلنا الكثير من اجله( ).
واضح هو التعبير الحزين للسيد الشهيد وندمه على ما قضاه من جهود من اجل الفضلاء الذين فروا من نصرته بينما نرى السيد محمد الصدر لا يعتني بالافاضل والحوزويين وأبناء الاسر العلمية كما كان يهتم بابناء الشعب لذلك جاء بهم وجعلهم من طلبة الحوزة ورباهم على خصال من اهمها:
1 ـ الاخلاص المطلق لله . 2ـ قوة القلب. 3ـ حفظ الشريعة.
فكان ما كان واصبح اولئك الذين تسميهم الحوزة ا لهمج الرعاع سيوفاً والسنة حداداً وقلوباً شداداً واصبح منهم الأساتذة والخطباء وائمة الجمعة وموظفوا المكتب في النجف، ومسؤولوا المكاتب في المحافظات، وقضاة شرعيون. لذلك انتقلت المواجهة مع النظام من النجف الى كافة المحافظات، ودخل الاسلام بحقيقته الى كل بيت، واصبح اسم الصدر مناراً وتقليده فخراً يعتزّ به صاحبه، واصبح تمثيل وتقليد غيره دلالة على الجبن والخذلان، والعجيب ولا عجب في قدرة الله ان كل ذلك حدث في وقت قياسي لا يمكن حسابه بالمنطق أو بحساب الاحتمالات فالمواجهة في الشارع وفي الدوائر الرسمية وفي السيارات بل حتى في قصر النظام حيث اعلن التوبة عدد من موظفي القصر بشكل خفي، اما ضباط الجيش فقد كان شهيدنا يلتقي بالعشرات منهم، وانقل هذه الاحداث فعندما طلب النظام مواليد تم تسريحها من الجيش للتدريب لمدة شهر واحد وكان من ضمن هؤلاء العشرات من طلبة الأمام الصدر، فكان معظم امراء المعسكرات يأمرون الجميع بالجلوس والاستماع الى محاضرة يلقيها الطلبة الموجودون ويجيبون بعد ذلك على الاستفتاءات وهكذا الى انتهاء الدوام عند الظهر والظريف في الامر ان الطلبة كانوا يحضرون الى هذه المعسكرات بالزي الحوزوي ولا يطلب منهم حلاقة اللحية إلا في حالات نادرة من قبل المتشددين من امراء الجيش في الولاء للنظام الكافر، ولذلك فقد جن جنون النظام والحوزة، فالحوزة صارت بحالة هستيرية واصبح التخبط وعدم الحكمة في الاقوال والافعال، فكان البعض كمحمد سعيد الحكيم يسب شهيدنا ويشتمه بشكل مخزي وتطور الامر الى ان عدداً من المكاتب اصبح يوزّع الاموال على الناس في بعض المحافظات، بشرط العدول عن تقليد محمد الصدر، واتخذ البعض الآخر طريقة الاعلام الكاذب، وذلك بأن قاموا بتوزيع وطبع نشرات تهاجم شهيدنا بشكل غير مستقيم ولو من ناحية الشكل فمرة تم اصدار نشرة بعنوان }دفاعاً عن بيضة الاسلام{ وفيها هجوم على شهيدنا بأنه يدعو الناس الى التقاعس، ومنشور آخر بعنوان }الاستكبار العالمي يعلب بورقة المرجعية{ وفيه اتهام الشهيد بالعمالة، وانه بيد ....

الاستكبار العالمي، وآخر بعنوان ان السيد محمد الصدر قاتل علماء الحوزة، وهكذا غيرها، وقد فقدت الحوزة التقليدية توازنها بشكل مضحك اذ تعاون الكثير منهم مع النظام للقضاء على حركة الامام الصدر وهذا ما حدث في محافظات عديدة وسوف أذكر الاسماء في فصل قادم ان شاء الله تعالى.
اما النظام الكافر فقد تخبط ايضاً فمرة يدعو الناس الى تجمعات قهرية ويتوعد من يحضر الى الصلاة بالاعتقال أو قطع }الحصّة الغذائية{ وقد حدثت مشادات كلامية بين الناس واعضاء الحزب ورفض الكثير هذا الأمر وكان آخرون يجيبون بسخرية واضحة.
ومرة يدعوهم في المدارس وأخرى في الشعب الحزبية وأخرى في الاماكن العامة، ويخبرون الناس بأن محمد الصدر عميل لاسرائيل، وعندما لم تفلح هذه المحاولة قام النظام باجبار الناس على كتابة تعهد بعدم حضور صلاة الجمعة.
وعندما فشلت هذه المحاولة ايضاً قام النظام بأعتقال الآلاف وتعذيبهم لمدة أيام واطلاق سراحهم، ليرى النتيجة فعاد الناس من المعتقلات الى مساجد اقامة صلاة الجمعة مباشرة، وينقل عن الكثير من اعضاء الحزب الكافر والاجهزة الامنية ان البعض منهم كان من اعضاء الشعب أو الفروع يجن جنونهم لردود افعال الناس، فمتى أصبحت الجماهير لاتخاف ولا تهاب الحزب، وكان أحدهم يقف ذاهلاً مما يرى من عدم استجابة الناس للتهديدات المتواصلة، وقام النظام بعد ذلك باعتقال عدد من ائمة الجمعة، والمنع من خروج المصلين الى الشوارع بعد ان اكتظت بهم المساجد، فحدثت مواجهات نتيجة لذلك، وفي كل الاحول كانت السلطات الغاشـمة تنسحب في الأخير بعد فشل محاولاتها كما سوف اذكر في فصل الجمعة.
وقبل هذه المرحلة عندما رأت السلطة ان الامام الصدر بدأ يصرّح واصبح يتقدم خلاف كل التوقعات بادرت الى منع طباعة كتبه فاضطر السيد الى طباعة الكتب في اماكن سرية ولكنها طباعة سيئة، وقد صادرت في احدى المرات حوالي خمسة آلاف نسخة من غلاف كتاب Aمنة المنان.
كما شنت صحف النظام حملة اعلامية ضد شهيدنا محاولة تسقيط حركته جماهيرياً ومن ذلك ما كتبته احدى الصحف حول }التدخين في شهر رمضان{ اذا ان شهيدنا يعتبر التدخين غير مفطر ويجوّزه مع الضرورة فذكرت هذه الصحف ان علماء الاسلام يعتبرون التدخين مفطراً وان هذه الدعوى دخيلة على الاسلام والاهداف التي تبتغي من وراءها ادخال الشبهات على الاسلام.
ومن هذه الحملات ما قام به الدكتور احمد الكبيسي باشارة من النظام وهذا الرجل حاقد على مذهب آل محمد(عليهم السلام) كما هو معروف عنه في العراق فكان يقوم بتجميع طلبة المعاهد والكليات ويلقي محاضرات اسلامية الشكل ويشكك فيها بعقائد الامامية ويلقي الشبهات، بل هو كان يدعو الى عدم اهمية الحجاب بالنسبة للمرأه وكان يؤكد على مسألة التدخين في شهر رمضان ويهاجم بعض فتاوى السيد كصلاة الجمعة فتصدى له شباب الصدر من الطلبة الواعين، وناقشوه في كل مرّة يحاول الانتقاص من شهيدنا ومذهبنا، فكانت تحصل ضجة واعتراضات وتعلو الاصوات، فكان يضطر الى قطع محاضراته
وا لهرب وسط حماية امنية مشددة.
وبعد ان ألقى الامام الصدر خطبته رقم 16 الموافقة ليوم }6 من شهر ربيع الآخر{ 1419 التي ذكر فيها سدنة المراقد المشرفة وذكر مساوئهم وفي نفس اليوم عند صلاة المغرب حيث كان السيد يصلّي في الصحن الشريف، قامت قوات الحرس الخاص والطورىء والأمن والحزب العفلقي بتطويق الحرم العلوي وعندما رأى الناس ذلك توجهوا ليزيدوا من عدد المصلّين خلف الامام الصدر بشكل ملفت للنظر، وقبل مجىء السيد الى الحرم جاء محافظ النجف قائد العوادي ودخل الى الديوان الذي كان مسؤول السدنة }حيدر الكلدار{ وأعوانه يتجمعون فيه وطوقت حمايته المصلّين وكان هذا الديوان في مقابله مصلّى الامام الصدر ويقع بابه على مصلاه فجاء السيد وجلس في المصلّى وحدثني أحد خواص الامام الصدر وكان واقف بين الديوان والامام الصدر، قال: فقلت للامام الصدر: سيّدنا هؤلاء يريدون استفزاز المصلّين وقد يخرج المحافظ اثناء الصلاة فيكون مروره من امام سجادتك بل لابد ان يطأ بقدميه السجادة، فهل توافق على ان اقف واحول بينهم وبين هذا الفعل، فقال: بيك حيل تمنعهم}هل تستطيع منعهم{.
فقلت: ان شاء الله. وبعد ان دخل السيد في الصلاة خرج المحافظ ومدير امن النجف وجلاوزتهم يريدون المرور من امامه، فوقفت امامهم وقلت للمحافظ: الوضع متأزم والسيد يصلّي وقد تحدث مشكلة فأرجو ان لا تمر من هذا المكان.
فقال: نعم.
ورجعوا الى الديوان واكمل السيد صلاته وخرج، فمنع السدنة ادخال الفرش التي كان يصلّي عليها المصلّون فحملناها الى جامع الرأس، وفي اليوم التالي قطعوا الكهرباء عن مكتب الامام الصدر، وكادت تحدث مصادمة عند صلاة المغرب، وكان الشباب الذين يصلّون خلف السيد متوترين ومتأهبين لأية مصادمة، وعلت الأصوات بالصلوات.
وفي اليوم الثالث جاء مدير أمن النجف وقال: سيّدنا نحن نعتذر وهذا الامر ليس من عندنا بل تصرف شخصي من السدنة ولكن القيادة تعتبر اهانة السدنة اهانة للقيادة من حيث انها اهانة لوزارة الاوقاف فالواجب عليكم ان تعتذروا عن اهانة السدنة.
فقال السيد : سوف يصلكم الخبر.
وفي الجمعة التالية مباشرة قال السيد في خطبته رقم 17في 13 ربيع الآخر ـ 1419 أنا في الجمعة السابقة ذكرت فئتين أو طبقتين في المجتمع وانتقدتهم بشدة والانتقادات صحيحة لا أتنازل عنها }وما خفي عليك اكثر{ كما انني اتكلم هنا من زاوية قوة لانني لا أطمع بهم ولا بأحدهم ولا اخاف منهم.
وعن أحد خواص الامام الصدر: وفي الخطبة السادسة بتاريخ 25محرم 1419حين أفتى بوجوب الذهاب مشياً على الاقدام الى كربلاء عند حلول اربعينية الامام الحسين(ع) جاء اليه مدير أمن النجف قبل الجمعة السابعة بيوم }يوم الخميس{ فأخبرني(رض) قائلاً: جاءني مدير أمن النجف بصيغة تهديد وقال: السيد الرئيس يقول المشي ممنوع ومادام الصدر هو الذي افتى فعليه ان يمنع ويسحب فتواه ولا يحيل الأمر علينا ولا ينيط المسؤولية الى سواه واذا صار المشي فالعواقب وخيمة، ولكني سوف ارد عليهم بطريقتي الخاصة.
وفي اليوم التالي وفي خطبة الجمعة بتاريخ 2 صفر 1419 هـ قال(رض) ـ تعرضنا في الجمعة السابقة الى قضية السير راجلين الى كربلاء المقدسة وأنا حسب فهمي وعلمي ان المنع حصل وأنا قلت لكم انكم اذا منعتم فامتنعوا انتم ان شاء الله تكونون على مستوى المسؤولية الدينية تجاه الله وتجاه الحوزة
... الخ.
وبعد امره (رض) الجماهير بالسير راجلين الى كربلاء المقدسة في شهر شعبان 1419 حدثت مواجهات بينه وبين النظام من جهة وبين الجماهير والنظام من جهة أخرى وبعدها اصدر (رض) بياناً الى خارج العراق بواسطة أحد وكلائه ذكر فيه أهم الاحداث التي اعقبت أمره ونص البيان مايلي:


احداث شعبان الأخيرة في العراق
1 ـ في يوم الجمعة بتاريخ 23رجب أمر السيد الصدر المؤمنين بالتوجه الى كربلاء مشياً على الاقدام بمناسبة ولادة الامام المهدي(ع) بعد ان بيّن ان المنع انما كان من الدولة العراقية بخصوص زيارة الأربعين دون غيرها.
2 ـ اتصل محافظ النجف بالسيد الصدر بعد انتشار الامر بالزيارة الشعبانية وطلب من السيد التراجع عن هذا الامر في هذا الموسم وفي المواسم الأخرى، لكن السيد اجابه بوضوح: Aأنا أمرت وانتهى الأمر.
3 ـ بعد فشل الاتصال الاول، اتصل مدير امن النجف بالسيد الصدر وأبلغه منع الدولة ورفضها لفتوى زيارة الامام الحسين(ع) وطالب بأن يتراجع السيد عن هذا الأمر، فكرر السيد الجواب السابق مؤكداً ان الامر انتشر ولا استطيع الرجوع.
4ـ زيارة (طاهر جليل حبوش) مدير الامن العامة وبشكل مفاجئ مدينة النجف الاشرف عقيب اجتماع القيادة العراقية، ليزور السيد برفقة العناصر المسلحة ليعلمه بامتعاض بتصميم القيادة العراقية على منع الزيارة الشعبانية وقال مهدداً (ان خرجت الناس الى الزيارة مشياً فسوف تذهب الرؤوس وتُراق الدماء وتتحمل أنت وحدك ماسوف يحصل).
5 ـ اصدر مكتب السيد الصدر في النجف نتيجة لسلسلة الضغوطات المتواصلة وحقناً للدماء بياناً جاء فيه: Aبُلّغنا من الجهات العليا في الدولة بالمنع الشديد والأكيد عن المشي الى كربلاء المقدسة في هذا الموسم وكل موسم ومن هنا وجب العمل بالتقية وترك المسير.
6 ـ تجمع الآلاف من اهالي مدينة الثورة امام مسجد المحسن(ع) في نفس المدينة تهيئاً للانطلاق في مسيرة المشي الى كربلاء، ولم تتمكن السلطات من تفريق هذا التجمع رغم محاولاتها المتكررة، ولكن ما أن وصل بيان السيد الصدر وتُلي على المتجمعين حتى تفرّقوا، وتوجهوا الى زيارة النجف لمؤازرة السيد الصدر هناك وقد اثار هذا الموقف حفيظة بعض المسؤولين في النظام حيث قال:
(اننا لم نستطع بكل ما فعلنا تفريق هذا التجمع وتمكن محمد الصدر من ذلك من خلال ورقة صغيرة اذن خرج الامر من ايدينا واصبح محمد الصدر يفعل ما يشاء).
7 ـ اجتمع (لطيف نصيف جاسم) بشيوخ العشائر من مدينة الثورة وطلب منهم الامتناع عن التوجه الى كربلاء أو النجف أو حضور الجمعة هناك قائلاً لهم وبلغة التهديد:
(لقد أُعذر من أنذر)، فرّده بعض الشيوخ واعترض عليه آخرون وتجاهلت الناس هذا التهديد بما فيهم شيوخ العشائر وتوجهوا صوب النجف الاشرف.
8 ـ وصول اعداد متزايدة من الزوار الى النجف الاشرف ومن كل انحاء العراق وهم يرددون شعارات الوفاء والطاعة للسيد الصدر، رغم انتشار قوات الحرس الخاص وعناصر منافقي خلق على شكل مفارز ونقاط تفتيش في المناطق المحيطة بالنجف وكربلاء.
9 ـ تواجد مجموعات عسكرية مسلّحة وبشكل ملحوظ بالقرب من مكتب وبيت السيد الصدر في منطقة }الحنانة{.
10 ـ توجه السيد الصدر الى الضريح المقدس للامام علي(ع) ليلة 14شعبان (الخميس) لاقامة صلاتي المغرب والعشاء، وكانت الصلاة استثنائية من خلال الحضور الكبير الذي بلغ عدة آلاف وامتدت صفوف المأمومين الى الشوارع الملاصقة للحضرة المقدسة.
11 ـ اصطدام اجهزة النظام ببعض الشباب المؤمنين الذين كانوا يردوون الاهازيج الاسلامية التي تحيي السيد الصدر، وقد تم اعتقال العشرات منهم بعد أن استشهد وجرح البعض منهم.
12 ـ اجتماع ممثلي السلطة بائمة الجمع في بغداد وغيرها وابلاغهم بان يدعوا لصدام، رغم تحريم السيد الصدر الدعاء لغير المعصومين في الخطبة، وقد امتنع جميع ائمة الجمع عن قرار السلطة.
13 ـ ابلاغ ائمة الجمع بمنع انتشار المصلّين خارج المسجد وقد شجب السيد الصدر هذا المنع في خطبة 21شعبان المرقمة .35
14 ـ تصدي السلطة لتشويه السيد الصدر ووصفه بأنه خائن وعميل لاسرائيل وايران، لأنه يستغل منبر صلاة الجمعة لخدمة الاستعمار (بحسب تعبيرهم).
15 ـ ركّز السيد محمد الصدر في خطبتي صلاة الجمعة 21شعبان المرقمة بـ (35) على تحليل موقف النظام من منع الزيارة الشعبانية من خلال سرد نقاط هامة جداً وحساسة للغاية، بعد ان طلب السيد من الحاضرين ترديد اهازيج:
Aنعم نعم للاسلام، نعم نعم للمذهب.
16 ـ اُقيمت صلاة الجمعة بتاريخ 28 شعبان رغم ظروف الضربة الجوية وتكررت نفس الاهازيج الاسلامية.
29 شعبان .1419

الجمعة وأئمة الجمعة
تعتبر حركة الجمعة اهم حركة في مسيرة مرجعيّة الأمام الصدر بل اهم حركة في تاريخ العراق بل في تاريخ الشيعة وذلك لعدة عوامل أو اسباب:
اولاً: لم يتجرأ عالم من علماء الشيعة على مرور التاريخ ان يفتي بوجوبها او يعتني بها ويرى اهميتها إلاّ بشكل غير معتد به كما قام به الشيخ الخالصي حيث صلّى الجمعة في اماكن عديدة ومنها الكوفة ولكن لم تكن على مستوى عموم العراق، وقد لاقى الشيخ الخالصي ألواناً من المعارضة بسبب آراءه، وكذلك فان اقامته للجمعة لم تكن من الشهرة والاستجابة من الجماهير على ما رأيناه في عهد شهيدنا، وإن كانت خطوة الخالصي خطوة جريئة في وقتها، ولكن مفعو لها انتهى بعد وقت بخلاف ماهي عليه في وقت شهيدنا وبعد شهادته واثرها الكبير في الجماهير وصداها الدولي.
ثانياً: تجمع الجماهير بأعداد خيالية حتى رأى البعض ان الأرقام التي كانت تحدد لعدد الحضور في عدد من الجمعات مبالغ فيها، ولكن بمراجعة بعض الصور الفوتغرافية وافلام الفيديو تشاهد الأعداد الغفيرة، بحيث ان صلاة الجمعة في مدينة الثورة كانت تصل في بعض الاحيان الى خمسمائة ألف مصلّي والصلاة المليونية التي اقامها شهيدنا بمناسبة الذكرى السنوية لاقامة الجمعة خير شاهد على ما أقول.
ثالثاً: ان معظم الحضور من الشباب ولم تكن نسبة الشيبة تتعدى نسبة اثنان بالمئة وهذا هو حال مقلّدي الأمام الصدر إذ ان حركته المباركة كانت تستقطب الشباب.
ولا حاجة لذكر دور الشباب في تغيير معالم المجتمع بل والتاريخ وهذا ما حدث في عراق آل محمد(عليهم السلام).
رابعاً: اختيار ائمة الجمعة من الشباب في الأعم الأغلب، وشباب الصدر قد كانوا على قدر المسؤولية بحق على الرغم من المستويات العلمية المتفاوتة، ولم تكن الجمع بحاجة في ذلك الوقت الى فضلاء الحوزة بقدر ما تحتاج الى الشباب الناشيء وذلك لما للشباب من الجرأة والتأثير في القواعد الجماهيرية التي هي أيضاً من الشباب.
خامساً: طابع الحماسة والثورية في معظم خطب الجمعة، وكذلك ما كان يبديه ائمة الجمعة من شجاعة كبيرة }لا توجد عند شيوخ الحوزة{ وقد حدثت احداث مهمة سوف اذكر منها ما تسعفني الذاكرة في ذكره في حينه.
وكان لقوة القلب هذه دور رئيسي في غرس الشجاعة في نفوس الشعب أو قل ابراز هذه الشجاعة اذ ان الشعب العراقي معروف بشجاعته عبر التاريخ ولكنه كان يحتاج الى من يمدّ له يدّ العون، وكذلك فأن الشعب شجاع مادام قائده شجاعاً. والعكس بالعكس طبعاً.
سادساً: تثقيف الجماهير بالثقافة الاسلامية التي كانت تغذيها خطب الجمعة، والتي كانت في وقت ما مركزية كما سوف اذكر، ومع مرور الزمن اصبح الشعب العراقي اثقف الشعوب الاسلامية، في العقائد والفقه والتاريخ وغير هذه العلوم، ولا ينافسه شعب في ذلك اطلاقاً في الوقت الحالي على الأقل.
سابعاً: ابراز النساء الى ساحة المنازلة بعد أن كنّ يقبعن في الجهل حيث اكدّ شهيدنا على ضرورة حضور النساء الى صلاة الجمعة فكانت الاعداد تتزايد باستمرار مما ادى الى تثقيف اهم طبقات المجتمع اذ في اكثر المناطق كان ائمة الجمع يلقون دروساً اما قبل أو بعد الصلاة وقد حضت النساء بحصة من هذه الدورس، وقد تنامت ظاهرة الحجاب بحيث ان المرأة السافرة كالنقطة السوداء في الثوب الأبيض، وهذه المخالفة لا توجد حالياً إلاّ في بعض الاماكن في بغداد وبشكل ليس بالكثير فحتى في اماكن عرفت بوجود اماكن مبتذلة ومسارح وصالات للعرض السينمائي، توجد نسبة اعلى من المحجبات بين النساء بحيث كما قلت ان المرأة السافرة صارت هي الملفتة للنظر وليس المحجبة كما هو في العقود السابقة ومقتصر ذلك على اماكن قليلة كما ذكرت كبعض المناطق في المنصور والكرادة.
ثامناً: كانت الجماهير بعد انتهاء كل صلاة جمعة تبقى في شوق عارم للجمعة الآتية وكانوا يحضرون الى المسجد الذي تقام به قبل وقت طويل لكي يستطيعوا ان يحصّلوا على مكان قريب من امام الجمعة قدر الامكان.
تاسعاً: ا لهتافات التي كان يرددها الحضور مع امام الجمعة والتي كانت تبعث الحماس والثورية مرّة، وأخرى الخشوع والتذلل لجبار السموات والارض، والمشاركة في الدعاء بصوت واحد أرهب النظام حتى صار يؤكد على منع ا لهتافات.
عاشراً: المطالبة من على المنابر بحقوق الشعب واطلاق سراح المعتقلين من المؤمنين، والتنديد بمنع بعض المدن من اقامة الصلاة.
احد عشر: حضور اعداد غفيرة من الاطفال من السن السادسة فما هو اكبر حتى انك تجد العشرات من الاطفال ممن يحفظ الكثير من الاحكام الشرعية وعلى مستوى بحيث انهم يقولون هذا حرام وهذا واجب في حال وجود مخالفة أو ما يستدعي الوجوب.
اثنى عشر: توحيد الصلاة في مرات عديدة مع أبناء السنة وهذا ما حدث في اكثر من محافظة وقد تفاعل أبناء السنة مع أخوانهم من الشيعة بشكل كبير ومؤثر، وفي اكثر من جمعة كان الخطيب السني يخطب والشيعي يصلي. ومن أهم الأماكن التي حدث فيها التوحد في مسجد Aابي حنيفة ومرقده في الأعظمية.
ويمكن ذكر نقاط وفوائد عديدة للجمعة لا مجال لحصرها في هذه العُجالة وفي هذا المختصر.
المهم انه في تاريخ 23جمادى الآخرة 1418هـ افتى سماحة الامام الشهيد بوجوب اقامة صلاة الجمعة وذلك بعد ان أشار الى كافة وكلاءه بنشر اهمية صلاة الجمعة بين الجماهير، وان ابناء العامة يقيمونها فلماذا لا نقيمها، وبعد ذلك راجعه بعض الطلبة فنفى بشدة انه ينوي اقامتها واقتصر على عدد من الخواص في بادىء الامر.
وبعد اقامة اول صلاة جمعة في العراق جاء مدير امن النجف الى مكتب الامام الصدر مستوضحاً عن الصلاة ودوافعها فبيّن له الامام الصدر انه لا دوافع وراءها وانها مجرّد فريضة معطّلة واننا نريد اقامتها كما يقيمها ابناء السنة.
وبعد ذلك اوعز(رض) الى وكلاءه وائمة الجمعة عدم نشر اهمية صلاة الجمعة وذلك بعد أول صلاة جمعة أقيمت بشكل يلفت نظر النظام حتى تثبت فلم يجد النظام مسوغاً لمنعها.
مشاهد من صلاة الجمعة
وفي أول جمعة كانت المشاهد التي كنت اراها واسمع تأثيرها مؤثرة جداً فمن النادر ان تجدّ بين الحشود التي تجمعت بعشرات الآلاف احداً إلاّ وهو باكي العين أو دامع من الفرح بهذا النصر الا لهي وكنت ارى ان الشوارع قد نظفت وفرشت، وهناك اعداد من الشباب تعلو أصواتهم بالصلوات وهناك عدد آخر يستقبل المصلّين بالصلوات، وكانت المنازل القريبة من المسجد قد وضعت الكثير من الأواني لمياه الشرب وآخرون قد مدّوا الأنابيب البلاستيكية الى خارج البيت لكي يتوضأ من يريد الوضوء.
وقد ازدحمت الشوارع بمختلف انواع السيارات التي كانت قد امتلئت بالشباب وهم ذاهبون الى صلاة الجمعة حتى سيارات الحمل الكبيرة اذ ان الحافلات المخصصة لنقل الركاب لم تكن تستطيع استيعاب الجماهير الغفيرة، وهناك اعداد كبيرة أيضاً ذهبت مشياً على الاقدام وقطعت كيلو مترات عديدة، وكان من بين هؤلاء العديد من الذين لا يستيطعون الخروج من مناز لهم بسبب طلب اجهزة النظام لهم لهروبهم من خدمة النظام في الجيش ولكنهم خرجوا لاقامة صلاة الجمعة.
ومع افتتاح المؤذن بايات من القرآن الكريم وخصوصاً سورة الجمعة علت الاصوات بالبكاء والدعاء، وعند الاذان كان ملاحظاً حشرجة صوت المؤذن لانه قد اختنق بعبرته، وكانت الجموع تنتظر لحظة فأخرى أن يعلو الخطيب المنبر بانتظار اول كلمة حق منذ شهادة أمير المؤمنين(ع) والى هذا اليوم، وما ان اعتلا الخطيب المنبر حتى عادت الجماهير الى بكاءها وتضرعها.
وكنت من بين الجموع لا أُصدّق ما تراه عيناي، هل حقاً أقيمت الجمعة؟.
هل حقاً علا صوت الشيعة بعد سكوت طويل؟.
وشرع الخطيب بخطبته بعد الحمد والثناء والقى كلمة للامام زين العابدين(ع) وبعد انتهاء الصلاة صافح المصلّون بعضهم بعضاً وتعانق آخرون والفرحة مشرقة من اعينهم وعلى شفاههم.
بعد اقامة اول جمعة استدعت اجهزة النظام ائمة الجمعة او بعضهم وكان الموقف حرجاً اذ ان هذا الحدث هو اول مواجهة بين النظام والجماهير وائمة الجمعة وكانت اجهزة النظام الامنية والحزبية في حالة استنفار ولكنهم لم يجرأوا على مضايقة أحد منهم لأنهم لا يعرفون الى الان ماهو الحدث الذي سوف يعقب الصلاة وبعد تفرق المصلّين عادوا الى ثكناتهم ينتظرون الاوامر وكان التحقيق مع ائمة الجمعة حول بعض الأسئلة الروتينية، وقد سألوهم عن الدعاء للنظام وراسه فلم يكن الجواب حاضراً عند ائمة الجمعة في تلك الحال، وكان الامام الصدر قد منع بشكل قطعي ذكر النظام.
وبعد ذلك أصدر السيد فتواه بتحريم الدعاء لغير المعصوم في صلاة الجمعة حتى لمحمد الصدر لكي لا يبقي للنظام عذراً.

الجمعة في بغداد
اقيمت صلاة الجمعة في بغداد في مناطق عديدة منها:
1ـ الثورة: وهي اكبرها واهمها. 2ـ الكاظمية. 3 ـ الأمين. 4ـ الشعلة
5ـ البياع. 6ـ المعامل. 7ـ الزعفرانية. 8ـ الشعب. 9ـ العبيدي.
10ـ المحمودية. 11ـ الراشدية. أقيمت فيها ولكن منعت من قبل النظام.
12ـ قرية الذهب الأبيض. وقد منعت في هذه المنطقة لانها تعتبر من المناطق الغنية حيث ان سكانها من اصحاب المواشي وكان لحسين الصدر فيها علاقات ومطامع فحال دون اقامة الصلاة فيها.
وكانت اهم المناطق التي اقيمت فيها الصلاة في العراق بعد صلاة الكوفة بأمامة الامام الصدر، هي صلاة مدينة الثورة حيث تسكن غالبية الشيعة في العراق، وقد كانت هذه المدينة ولسنوات طوال محور التركيز من قبل النظام بعد احداث السبعينات حيث كانت هذه المدينة السند القوي للسيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) ومنها خرجت انتفاضات وتظاهرات عديدة وقدمت من الشهداء ما لا يسمح المجال لذكرهم.
وفي الثمانينات شوهت صورة هذه المدينة بالمرة، وأصبح الطابع العام لها هو التفسخ والاتجاه نحو الملذات الشخصية، وأغلب المشاكل في بغداد كانت فيها، ولم يكن التوجه نحو الدين بنسبة معتدّ بها، وفي انتفاضة شهر شعبان خرجت جماهير الثورة بانتفاضة عارمة ولكنها اخمدت نتيجة وحشية النظام وخذلان الغير الذين وقفوا يتفرجون على معاناة الثورة كما تفرجوا على معاناة باقي ارجاء العراق.
وبعد ان سطع نجم الامام الصدر التف شباب الثورة حول مرجعيته الخالدة، وظهر هذا الولاء بشكل واضح في أول صلاة جمعة تقام فيها، فزحفت مئات الآلاف منهم لاجابة النداء المقدس وكانت الاعداد تتزايد رجالاً ونساء.
وكما قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر Aالثورة تنطلق من الثورة فقد تحققت هذه المقولة بعد استشهاده بسبعة عشر عاماً، وثارت الثورة ليس بوجه النظام فحسب بل بوجه كل التوقعات الباطلة التي كانت تدور حول مستقبل هذه المدينة وبوجه الساكتين والذين حاولوا ان يجعلوا الثورة ذيلاً من الذيول، إذ ركزت الجهات الأخرى بشدة لاستيعاب هذه المدينة بواسطة عدد ممن يعملون لهم، وكانت الثورة فرس الرهان التي كانوا يعقدون الآمال عليها في المستقبل.
ولكن ما حدث هو ان الثورة تركت كل المغريات وسارت وراء مرجعها المظلوم لتسطر من جديد امجادها بدماء ابناءها.
احداث الثورة
لا يكفي في هذه العجالة ان استوعب احداث هذه المدينة خلال فترة زعامة الامام الصدر ولكني اذكر نزراً يسيراً منها مراعاة للاختصار ومن اهمها ما حدث سنة 1996وما عرف بأحداث اليماني.
كان في الثورة رجل دين معروف هو الشيخ عبد الزهرة البديري، قد درس المقدمات الحوزوية في سامراء وهو يصلّي في مسجد (سيدي شباب اهل الجنّة) الكائن في الثورة ـ الكيارة قطاع ـ 23 وابتدأ نشاطه الفعلي سنة 1992 ـ 91م وتجمع حوله المئات من الشباب من مختلف مناطق بغداد وبعد مدة ظهر له بعض الأنصار يدّعون بأن الشيخ هو اليماني الذي تبشر به الروايات والذي يسبق ظهور الامام(ع)، وكان قائد هذه الدعوة هو الشيخ المعروف بأبي مهيمن والذي أسمى نفسه(شعيب بن صالح)، وكان الشيخ البديري في بادىء الامر يلمّح لهذا الادعاء ولكن بطرق غير واضحة كأن يقول: انه رأى في المنام انه قائد بين يدي الامام(ع)، او انه يقتل الآخرين، ولم يفصح عن اصل الدعوى صراحة إلاّ بين عدد من خواصه، وعندما انتشرت هذه الدعوة تأثر بها عدد كبير من الناس.
وكان أبو مهيمن يوزّع المناصب في جيش الامام المزعوم، فهذا حامل الراية وذاك الساقي وهكذا.
وقد احتج البعض على هذه الحركة المشبوهة فهددوه بالقتل فأصبحت هذه الحركة قوة لا يستهان بها.

بعد وفاة السيد السبزواري عرض عليه احد اتباعه بطبع رسالة عملية بأسمه، فقال: الساحة غير محتاجة اليّ الآن ولكن عندما تقل العلماء فسوف اطبع رسالتي. وكانوا يخاطبونه ـ بآية الله العظمى المرجع الديني الكبير عبد الزهرة البديري وكانت عند هذه الحركة أوامر بالاستعداد للصيحة في كل يوم 23من شهر رمضان فكانوا يجمعون الخبز اليابس وغيره من الأغذية.
قامت الحرب بينهم وبين عدد من الطلبة في الحوزة في مدينة الثورة فهاجمهم طلبة الحوزة من على المنابر فاهدروا دم احد الطلبة من مقلّدي الامام الصدر.
حاصره بعض الطلبة ممن له علاقة مسبقة معه حول إدعاء كونه اليماني فأنكر بشدة، فهدده بأن هذه الدعوى سوف تصل الى النجف وسوف تصدر فيك فتوى بتفسيقك وطلب منه أن يرتقي المنبر ويكذّب هذا الادعاء ويتبرأ منه.
ولما جاء الموعد ارتقى المنبر وتبرأ من كونه مجتهداً فحسب ولم يذكر دعوى اليماني.
كانت عندهم شعائر غريبة، وكان ابو مهيمن مساعد الشيخ مقدّساً يقبّلون يديه ورجليه ويجلسون بين يديه ساعات عديدة ولا يحق لاحد الاعتراض على اي امر مهما كان.
اعتقلهم النظام فحكم على البعض بالسجن وهرب آخرون وأما الشيخ البديري وأبو مهيمن فقد سلم النظام الى ذويهم اوراقاً فيها اخبار باعدامهم ولكن لم يسلّموا جثتيهما الى الآن.
وانتهت هذه الحركة بصورة تامة في الثورة.
من الحوادث المهمة حادثة مسجد الرشاد أو (الحسن المجتبى) الذي استولى عليه الوهابيون وقد سبقتها حادثة مشابهة وقعت في مدينة مسجد الامام علي(ع).الكمالية ومسجدها
وذلك ان احد الاشخاص من الشيعة بنى مسجداً اسماه مسجد الامام علي(ع) وبسبب الاهمال الذي كان هو الاصل في عقد الثمانينات فقد استحوذ عملاء الوهابية على المسجد وفي هذه السنة 1996عندما بدأت الوهابية بالتحرك في العراق اخذ خطيب هذه الحركة بمهاجمة الشيعة وعقائدهم وتكفيرهم من على منبر هذا المسجد.
فراجع عدد من طلبة الكمالية وشبابها مرجعهم الامام الصدر وذلك في الشهر السادس لنفس السنة فأمر باسترجاع المسجد والصلاة فيه ولو بالقوة فاتجه العشرات من شباب الكمالية والفضيلية وأعانهم عدد كبير من أهالي الثورة وأصبحت الصلاة في هذا المسجد يحضرها المئات، وحصلت مصادمات انتهت بأعتقال الشباب، ومنع الآخرين من الدخول الى المسجد وأعانهم الخطيب وثلته القذرة على ذلك، وقد سبقت هذه الحادثة ما وقع في الثورة بخصوص مسجد الحسن المجتبى(ع) بأيام قليلة.
مسجد الحسن المجتبى(ع)
هذا المسجد الذي سيطر عليه واحتله الوهابيون ومن قبلهم ابناء العامة قبل وقت طويل لا يقل عن عشرين عاماً. وغيّروا اسمه الى مسجد الرشاد وهو يقع في الثورة/ داخل.
وحينها لم يتحرك احد بخصوصه لا من الحوزة ولا من غيرها. وعندما بزغت شـمس الامام محمد الصدر في سماء العراق توجه اليه ثلة من شباب هذه المدينة لا للوهابية ولا لغيرهم مسجد، والصلاة في هذافحدثوه بقصة هذا المسجد فأجاب(رض) وعندما وصل هذه الاستفتاء الى مدينة الثورة ضجت بأهلهاالمسجد من اكبر المستحبات وتوجهت المئات للصلاة فيه وذلك يوم 22/6/1996م فأصبح المسجد لا يسع المصلّين حتى مع ساحته.
ولم تكن الفتوى التي اصدرها الامام الصدر قد تجاوب معها مقلدوه فقط بل كافة مقلدي باقي المراجع ولكن حدث شق لهذا الصف وذلك بسبب المدعو (علي الفريجي)الذي قام بتزوير استفتاء على لسان السيد الخامنئي وتزوير ختمه وتوقيعه يقول فيه مامؤداه (التزموا البيوت فهذه فتنة حتى تنقضي وان علينا توحيد الصفوف بين السنة والشيعة).
فانسحب عدد وان كان قليلاً من المواجهة مع الوهابيين.
استمرت الصلاة في هذا المسجد لمدة ثلاثة ايام وكان الطلبة من مقلدي الامام الصدر يتناوبون امامة الجماعة فيه والحشود تزداد وهكذا الى يوم
26/6/1996حيث تم اعتقال حوالي مائة مصلّي بما فيهم خمسة شيوخ من طلبة الحوزة، ولكن بقي منهم في مديرية امن صدام ثلاثة شيوخ وأربعون من باقي المصلّين، وقد سلّطوا عليهم الوان العذاب التي تشتهر بها المنطقة عموماً وأخيراً القوا عليهم كتاباً موقعاً من صدام يأمر فيه بحجزهم لمدة سنة ولكن حجزهم في (أبي غريب) استمر لمدة سنتين وخمسة اشهر.
الجمعة في الثورة
المعروف عن شباب الثورة انهم يمتازون بشجاعة فائقة وعندما أقيمت صلاة الجمعة زادتهم بشجاعة، وقد كان ائمة الجمعة في هذه المدينة مستبسلين وصامدين امام النظام بشكل لم يسبق له مثيل.
وكانت نسبة التقليد للامام الصدر لا تقل عن خمس وتسعون بالمئة والغالبية من الشباب كباقي المناطق.
وقد حققت الجمعة انجازات كبيرة منها:
1 ـ كان عدد الحضور من النساء لا يقل عن خمس وعشرين ألف امرأة وكانت هذه النخبة من النساء رائدات العمل الاسلامي في الثورة من جانب التوعية واعطاء النموذج السليم للمرأة المسلمة.
2 ـ تحول تسجيلات سابقة للغناء الى تسجيلات اسلامية صرفة.
3 ـ اقامة الشعائر الاسلامية كمناسبات الوفيات، وخصوصاً في شهرم محرم، وكذلك في شهر رمضان وكانت هذه المجالس تعقد في الساحات وسط الاجراءات القمعية التي لم تستطع الحؤول دون اقامتها، وقد حدثت مصادمات كثيرة مع قوات الطوارىء والحزب العفلقي ولكن المجالس استمرت رغم انوفهم.
4 ـ كانت نسبة الحجاب في الثورة قبل صلاة الجمعة حوالي عشرون بالمئة وبعد الصلاة تصاعدت الى مالا يقل عن ثمان وتسعون بالمئة.
5 ـ كانت المدرسات والمعلّمات في المدارس الحكومية يلقين المحاضرات الاسلامية بصورة مكثّفة.
6 ـ اصبح من النادر ان يركب الفرد في سيارة فيستمع الى غناء بل تجد اصوات المسجل تصدع اما بالقرآن أو بالحسينيات.
واما السافرات فلم يكن احد من السائقين يسمح لهن بالركوب إلاّ من شذ وهم قلّة جداً.
وكانت خطب الجمع تتسم بطابع التحدي للنظام منذ الاسابيع الأولى ولم يترك ائمة الجمعة أمراً أو قضية أو مشكلة اجتماعية إلاّ وتناولوها بشكل جرىء وحدث في احدى الجُمع ان كانت سيطرات النظام تمنع الناس من التوافد الى (جامع المحسن) حيث تقام الصلاة وكان امام المسجد واقفاً وراء المنصّة يشاهد ما يجري فقال: ان هؤلاء الذين يمنعون الناس من الحضور الى الصلاة الأجدر بهم ان يبحثوا عن نساءهم في ملاهي الدعارة.
وامثال هذه الكثير الكثير وكان ائمة الجمعة في الثورة يعتقلون اسبوعياً قبل الجمعة بيوم ويطلقون قبل الصلاة بساعات بعد التهديد والوعيد الذي لم يغيّر من حا لهم شيئاً.
وكان يحضر الى صلاة الجمعة عدد من مسؤولي النظام لمراقبة الاوضاع منهم ضابط التوجيه السياسي ومدير امن بغداد ومدير امن صدام.
وبعد مرور سنة على اقامة صلاة الجمعة وتوجه أغلب اهل العراق الى الكوفة للأقتداء بالامام الصدر. قلّت نسبة الحضور في المناطق الاخرى نتيجة لذلك. فظن النظام ان هذه فرصة مناسبة لمنع صلاة الجمعة في الثورة فنزلت قوات الطوارئ بالشوارع المحيطة بجامع المحسن(ع) محاولة منع الناس من التوجه الى الصلاة فلم يتمكنوا من ذلك وبعد الصلاة ثار المصلّون بهتافات الامام الصدر المشهودة وهم غاضبون من هذه المحاولة فهدأ الموقف امام الجمعة.
الثورة بعد الشهادة
كان خبر الشهادة قد وصل الى الثورة في نفس الليلة ولكنه اقتصر على فئة معيّنة وفي الصباح كان الخبر الشائع بأن السيد قد جرح، وعند الساعة العاشرة اتجه الناس الى جامع المحسن(ع) فتجمعت اعداد هائلة داخل وخارج المسجد وأخذوا بالدعاء والتضرع الى الله بشفاءه وكان بينهم من يعرف بخبر الشهادة فبدأ بتسريب الخبر اليهم فهاجت الجماهير وخرجوا الى الشوارع وهم يهتفون عاش عاش عاش الصدر الاسلام يبقى منتصر وغيرها من هتافات الامام الصدر. وكانت بالقرب منهم مفارز تابعة للشرطة حاولوا ان يهدأوهم فهجموا عليهم وأحرقوا سياراتهم.
وكان بالقرب من المكان احد مرتزقة الحزب العفلقي معه مدفع رشاش فأخذ يطلق على الجماهير الثائرة فسقط عدد من الشهداء ولكن الناس تكاثروا عليه فقتلوه شر قتله تحت الاقدام.
فطوقت قوات الطوارئ والحرس الخاص وفدائيو صدام المنطقة وأخذوا يطلقون الرصاص على الجماهير الثائرة فسقط العشرات من الشهداء والجرحى، واستمر اطلاق النار بعد ذلك لمدة ثلاث ساعات في سائر انحاء المدينة وحضر الى المدينة كل من قصي نجل الطاغية وعزت ابراهيم الدوري.
واستمر الغضب الجماهيري يغلي وانقض شباب الصدر في تلك الليلة وما بعدها على ازلام النظام فقتلوا منهم المئات. ولاحقوهم في كل مكان فأقفلت الفرق والشعب الحزبية فهاجموهم في البيوت ومات عدد منهم خوفاً.
واستمرت اقامة صلاة الجمعة في الثورة في مسجد الحكمة ولكنها صلاة الغضب حيث ان الجماهير تهتف باسم الصدر قبل وبعد الصلاة وهكذا الى يوم الحادثة الدموية حيث اشيع بأن النظام عازم على منع اقامة الصلاة بصورة نهائية وذلك بعد اربعينية الامام الصدر فحمل الشباب ما يستطيعون من اسلحة وقنابل يدوية وكانت النساء قد خرجن الى الشوارع تحث الرجال على الانتقام لدم الامام الصدر بأهازيج عديدة. وقد خُبأت الأسلحة تحت العباءة أ و لفت في سجادة الصلاة. وكانت جماهير المصلّين من سائر انحاء بغداد قد توجهوا الى الثورة ليعلنوا استعدادهم للموت من اجل اقامة الصلاة وكان الموقع الذي يقع فيه المسجد (القطاع) قد طوق بالكامل من قبل قوات النظام وتجمع الشباب هناك قبل الصلاة بساعات وازلام النظام يهددون ولكنهم يرتعدون خوفاً، والشباب متحمسون ومتهيأون الى ان اقترب الاذان فزحفت الجماهير تجاه المسجد فشرع كلاب النظام باطلاق النار تحت الارجل فهجموا عليهم وأخرج الشباب الاسلحة وهم متفرقون بين الازقة واسقطوا العشرات من البعثيين والحرس الخاص، واستمرت المعركة قرابة ست ساعات وعزز النظام من قواته فحملوا قتلاهم واقتادوا الجرحى والمعتقلين الى المستشفى المعروف بـ (الكندي) والسجون، وما أن حل الظلام حتى انقض الصدريون على اوكار البعثيين وبيوتهم بكافة الاسلحة المتوفرة فقتلوا مجموعة كبيرة منهم.
وفي اليوم التالي بدأت الاعتقالات فشملت المئات من شباب بغداد والذين مازال معظمهم في سجون الطاغية واعتقل كذلك عدد من الطلبة وائمة الجمعة.
ولكن الثورة لم تهدأ الى هذه الساعة ومازالت دماء آل الصدر تغلي في عروق هذا الشعب ولن تبرد ابداً. وأيضاً خذلوا من قِبَل ما يسمى بالمعارضة الاسلامية واي خذلان حيث ان الشعب كان ينتظر ولكنه الانتظار الطويل الذي أستمر منذ انتفاضة شعبان ولكن بدون جدوى.
وقد كان المرجو على الاقل ان يمدوهم بالسلاح فقط فلم يروا شيئاً بل الادهى من ذلك ان العمليات الجهادية التي قام بها الصدريون نسبتها المعارضة لنفسها كما فعلت مثلاً منظمة العمل الأسلامية حينما ادعت بأن عمليات انتفاضة الكوت قام بها عدد من اعضاء هذه المنظمة وهكذا عمليات بغداد والثورة والكمالية والفضيلة وحي العامل والمعامل والشعب ادعاها ما يسمّى بالمجلس الأعلى أو (القراركاه) وغيرها كذباً وزوراً ولكن ا لهدف الذي اراده هؤلاء لم يتحقق وهو القضاء على الامام الصدر وقاعدته وثورته، والشعب اصبح يعي وعياً تاماً وعرف العدو حق المعرفة فالويل لمن عادى الصدر ويحدّث نفسه بأن تطأ قدمه ارض العراق.

الجمعة في محافظة العمارة
اُقيمت صلاة الجمعة في هذه المحافظة بعد ان افتى شهيدنا بوجوبها مباشرة وعيّن فيها اماماً للجمعة ـ الشيخ حسين المحمداوي وكانت الصلاة في مركز المحافظة في حيّ(المغربة) في ـ مسجد الامام الحسين(ع) كان عدد الحضور لا يقل عن ستين ألف مصلّي وقد اكتظت بهم الشوارع المحيطة بالمسجد وكان عدد النساء لا يقل عن ستمائة امرأة ومن كافة الأعمار والمستويات وكان الغالب على النساء ارتداء الخمار الذي انتشر في أغلب محافظات الجنوب والوسط.
وقد افتتح امام الجمعة دورات فقهيّة واخلاقية خاصة بالنساء وأول دورة كانت في كراس(فقه الدماء الثلاثة) المقتبس من الرسالة العملية للامام الصدر واقام امام الجمعة مسابقة في هذا الباب من ابواب الفقه وخصص جوائز مع شهادات تقديرية.
كما انه قد طلب من المصلّين ممن يمتلكون قدرات ثقافية بكتابة بحوث اسلامية عامة وشاملة في الاصول والفروع وقد شارك فيها عدد معتدّ به من الشباب كما قام بتوزيع الرسالة المختصرة (الصراط القويم) تأليف الامام الصدر على النساء.
كانت طبيعة خطب الجمعة ـ كما في غيرها من المحافظات الثورية والحماسة والتأكيد على عامل موحد هو عامل رفع حاجز الخوف والتنديد بالكثير من الممارسات الاجتماعية المنحرفة وطرح المشاكل الرئيسية بصورة واضحة وعندما استفحلت ظاهرة الحجاب في المحافظة بنسبة لا تقل عن ثمان وتسعون بالمئة وجه المجرم ـ عزيز صالح النومان توبيخاً لرئيسة اتحاد النساء في المحافظة وكان كلامه منصباً على الحجاب في الدوائر والمؤسسات والمدارس الحكومية وعلى النسبة الغالبة والمتزايدة في النساء اللواتي يحضرن الى صلاة الجمعة فقامت هذه المرأة بعقد الندوات والاجتماعات بالأمهات والطالبات وبذل كل ما تستطيع من أجل تثقيف النساء ثقافة بعثية معادية للاسلام ولكن لم تثمر محاولاتها شيئاً يذكر.
فعلم بهذه المؤامرة امام الجمعة فبادر في خطبته فقال: اذا كانت هذه المرأة من واجبها مهاجمة الحجاب فمن الاولى ان تهاجم السفور في شارع التربية (وهو شارع معروف في العمارة) واذا كانت تتحرج من اجتماع النساء بالرجال (تقصد في صلاة الجمعة في الساحة) فمن الاولى ان تتحرج من الأجتماع مع الرجال في منتزه السندباد (وهو متنـزه في العمارة) فاشجبوها بالصلاة على محمد وآل محمد.
وكان يوجد مستشفى خاص بالمصابين بالجذام وهم أحد عشر رجلاً وأمرأة فقام المحافظ بهدم المستشفى وبنى لهؤلاء المرضى غرفاً من الطين في مكان بعيد عن السكن فقام أمام الجمعة بزيارتهم وحمل معه مواداً غذائية وملابس وادوية وبعض الاطباء فرأوا ان حا لهم أسوأ حال صحياً ومعنوياً.
فبادر في الجمعة التالية وطالب بشدة بتحسين اوضاعهم وحمّل مسؤولية ما حل بهم على المسؤولين.
فحدثت ضجة في محافظة العمارة اذ هاجم الشيخ كلاً من مدير الصحة والبلدية والكهرباء وناشد مجتمع العمارة بمساعدة هؤلاء المساكين.
وفي اليوم التالي قام المحافظ بمحاولة لتحويل الانظار عنه بمعاقبة أولئك المسؤولين الذين ذكرهم الشيخ فقام بتعبيد الطريق المؤدّي الى مكانهم وايصال بعض الخدمات اليهم كما ان مصلّي الجمعة قاموا بزيارتهم مع حمل المساعدات الممكنة لهم.
عندما أمر شهيدنا بالمسير الى كربلاء المقدسة في شهر شعبان استجاب اهل العمارة لنداءه المقدس وزحفوا الى كربلاء وعندما حصل المنع توجهوا الى مكتب الامام الصدر وهتفوا هناك (ابحر بينه يا صدر الشيعة)، فقال الامام الصدر في حقهم: أسأل الله ان يعطيهم في الدارين بكل ما تقرّ به العين. كان امام الجمعة الشيخ المحمداوي يعتقل في كل اسبوع اكثر من مرة وكانوا يحققون ويدققون معه في كل كلمة يقو لها ويطلبون منه تفسير كلامه في انه هل يقصد النظام؟ اذ يرون أنه لا يعني غيرهم بكلماته، وطلبوا منه التقليل من لهجة الحماسة والشدة في خطبه فلم يستجب لهم.
افتتح مكتب للامام الصدر في العمارة باشراف الشيخ المحمداوي في شهر شعبان1419وكان عمل المكتب كالتالي:
1 ـ فتح دورات فقهيّة.
2 ـ بيع الكتب الاسلامية بسعر التكلفة.
3 ـ التصرف بمجهول المالك وفق المصلحة.
4 ـ استلام الحقوق الشرعية واعطاء وصولات بختم المكتب.
5 ـ الاعلان عن الفتاوى المهمة والمستحدثات للامام الصدر(رض).
وان يكون المكتب هو المركز الاسلامي الاول في المحافظة سواء لطلبة الحوزة أو الوكلاء أو العوام. اذ ان شهيدنا خوّل وأعطى للمكتب صلاحية عليا وكان هناك مشروع افتتاح محكمة شرعية على غرار محكمة النجف الاشرف ولكن الشهادة حالت دون هذا الأمر.
أغلق المكتب بعد حوالي اسبوعين من افتتاحه واعتقل الشيخ المحمداوي مدير المكتب وامام الجمعة وابلغوه ان المكتب يتعارض مع سياسة النظام.
اقيمت صلاة الجمعة في محافظة العمارة في كل من:
1ـ مركز المحافظة. 2ـ قضاء المجر الكبير. 3ـ قضاء كميت. 4ـ قضاء الميمونة. 5ـ قضاء علي الغربي. 6ـ قضاء علي الشرجي ولكنها في هذا القضاء اُقيمت لجمعة واحدة ثم مُنعت من قبل النظام.
وبعد الشهادة اعتقل امام الجمعة الشيخ المحمداوي وصلى مكانه السيد هادي الشوكي الذي لم يكن مرغوباً به في العمارة وكانت خطبته تقليدية وأمر المصلّين بعدم حمل السلاح وطالب با لهدوء وفي ثالث جمعة بعد الشهادة لم يصل الجمعة بل الظهرين.
فضربه المصلّون بترب الصلاة وهتفوا (كل العمارة تنادي مانريد سيد هادي) وكان أزلام النظام قد قطعوا الجسر ولم يسمحوا لهم بالعبور لاداء الصلاة فعبروا سباحة وتوجهوا الى المسجد.
واقيمت صلاة الجمعة ثلاثة أسابيع بعد الشهادة وقاموا بعد ذلك باغلاق المسجد الذي كانت تقام فيه الجمعة وحوّلوه الى مسجد آخر وفي الجمعة الرابعة توجه المصلّون الى المسجد لاقامة الصلاة فمنعوهم وحاصروهم على جسر(اليوغسلافي) وما حوله فهتفوا (مداس السيد يسوه العوجه وما بيهه) ففتحوا النار على الجماهير وكانت قوات النظام متكونة بالدرجة الرئيسية من منظمة (منافقي خلق) واعضاء الحزب العفلقي والأمن فاستشهد قرابة خمسة وثلاثين شاباً واعتقل عدد منهم وجرح آخرون فبادرت اجهزة النظام بعد ذلك بهدم حوالي خمسة عشر بيتاً فتم انهاء صلاة الجمعة في العمارة.
كان في العمارة ثلاثة محاور تعادي الامام الصدر وصلاة الجمعة.
المحور الاول: وكلاء الحوزة التقليدية ومن سار ورائهم من الملالي وعلى رأس هؤلاء الشيخ عبد الغفار الانصاري.
المحور الثاني: اصحاب التناقضات وهم فئة تحركهم اصابع خفية من النجف وكانوا يعقدون الجلسات في سائر انحاء المحافظة لزرع الشبهات ضد الامام الصدر وحركته واستنساخ منشورات تهاجم الامام الصدر وقد ألَّفوا كتاب (الصدر في الميزان) يشتمل على تناقضات مزعومة في الرسالة العملية للامام الصدر فردّ عليه الامام الصدر بكتاب (الافحام).

وكان على رأس هذه المجموعة الشيخ محمد مجبل الساعدي الذي فرَّ الى
هولندا.
المحور الثالث: النظام بشكل واضح كما ذكرت.


الجمعة في الناصرية
أُقيمت صلاة الجمعة في هذه المحافظة أيضاً منذ اول جمعة بعد افتاء شهيدنا بوجوبها وتناوب على امامة الجمعة فيها اكثر من امام جمعة وكان الحضور فيها فعالاً وقوياً وكبيراً اذ كانت عشرات الآلاف تحضر فيها وكانت تقام في مسجد الامام الجواد(ع) في مركز المحافظة وكانت الشوارع تقطع كالمعتاد وتغص بالمصلّين وقد نصبوا خياماً كبيرة لاستيعاب اعداد النساء اللواتي شاركن وببطولة فائقة.
وكانت خطب الجمعة في هذه المحافظة لا تقل عن غيرها شجاعة ووضوحاً وقد تناول ائمة الجمعة فيها العديد من المواضيع، وكان لصلاة الجمعة الكثير من المنجزات منها:
1 ـ مهاجمة النظام بشكل واضح لا يحتاج الى تأويل.
2 ـ شجب الافعال غير الاخلاقية ومن اهمها ما حدث في مستشفى ظهر فيه فساد اخلاقي فذكره امام الجمعة بصراحة.
3 ـ طرح مسألة اخذ الاموال غصباً من قبل اجهزة النظام من الناس.
4 ـ مهاجمة مهرجان بابل المشهور بمجونه وشتم امام الجمعة القائمين به والمشاركين فيه.
5 ـ مهاجمة اللجنة الاولمبية (التي يديرها عدي نجل الطاغية) والتي تعد مصدراً للفساد في العراق.
6 ـ تنامي ظاهرة الحجاب الى درجة أن الكثير من نساء الصابئة تحجبن نظراً لان السفور اصبح شذوذاً غير مقبول في مجتمع الناصرية خصوصاً والعراق عموماً.
7 ـ اسلام فئة من طائفة الصابئة وهذا من منجزات صلاة الجمعة في محافظة الناصرية الفيحاء.
8 ـ مهاجمة حانات الخمور.
9 ـ تحجيم التسجيلات الغنائية وذلك بضغط من امام الجمعة ومقلّدي الامام الصدر بعد ان حرّم كل اشكال التعامل مع هؤلاء وغيرهم.
10 ـ كانت الناصرية كباقي محافظات الجنوب تعاني من القطع المتواصل للكهرباء وعدم العدل في توزيع اوقات القطع فتحدث امام الجمعة بصراحة عن هذا الامر.
11 ـ بعد ان اصدر الامام الصدر(رض) السنينة العشائرية اكد عليها امام الجمعة واتصل بكبار رؤوساء العشائر في المحافظة وأخيراً ذهب بهم الى النجف والتقوا بالامام الصدر وأعلنوا ولاءهم له والتزامهم بأوامر السنينة العشائرية التي اصدرها وكذلك في باقي الأقضية.
12 ـ اقامت محافظة الناصرية ثلاثة احتفالات اسلامية وقد بذل امام الجمعة والطلبة الصدريون مجهوداً جباراً لكي تكون هذه الاحتفالات بمثابة الوجه الناصع والحقيقي لحوزة الأمام الصدر وكان اهم هذه الاحتفالات مناسبة مولد سيد الشهداء(ع)، وأُقيم الأحتفال يوم الجمعة وقد حضر فيه السيد مؤمل الصدر(رض) ممثلاً عن المرجع الأعلى والحوزة في النجف وقد حضر اغلب ائمة الجمعة في باقي الاقضية في محافظة الناصرية وحضر معهم عشرات الآلاف من شتى انحاء المحافظة اذ كانت تلك الجمعة مركزية في مكان واحد وهو مركز المحافظة.
وقد القيت في الاحتفال كلمات في المناسبة الشريفة اضافة الى خطبتي صلاة الجمعة المقدسة.
كما ان الشعراء قد القوا قصائد شعرية تمجّد الاسلام وتشيد بزعيم الحوزة الأعظم الامام الصدر وقد كانت هذه القصائد تحوي جرأة على مسّ النظام بشكل واضح.
وكان احد اهم مميزات هذا الاحتفال حضور ـ الشيخ عبد السلام امام جماعة مسجد(فالح باشا الكبير) وهو احد خطباء اخواننا من ابناء السنّة، وقد القى الشيخ عبد السلام كلمة هامة في توحيد الصفوف واشاد بصلاة الجمعة التي يقيمها الشيعة بعد مقاطعة طويلة.
وهذا الشيخ قد حضر الاحتفالات الثلاثة وصلّى خلف امام الجمعة المرات الثلاث وقد اعتقل الشيخ من قبل اجهزة النظام واعتدوا عليه في مديرية امن الناصرية وكان محور التحقيق معه عن السبب في حضور الصلاة مع الشيعة وعدم أخذه الموافقة من الجهات المختصة ولكنه اجاب: اسلامنا واحد وكتابنا واحد وقد دعوني الى الحضور في الاحتفالات فحضرت إذ لا خلاف بيننا.
وكانت نسبة التقليد في الناصرية على ثلاث درجات.
الغالبية العظمى وهم من الشباب الذين يقلدون الامام الصدر والباقي وهم القلّة موزّعة على أكثر من متصدي.
وقد كان اعضاء حزب البعث الكافر والأمن يستفزون الناس ويسيئون اليهم باكبر قدر يستطيعونه وقد أقام احدهم بحفلة غنائية وذلك رداً على (نشر استفتاء للأمام الصدر بحرمة الحفلات والمشاركة فيها أو الاستماع) فهاجمها مجموعة من الشباب بقنبلة يدوية فجرح فيها العديد منهم ونتيجة لهذه الحادثة ارتدع الكثير عن اقامة مثل هذه الحفلات إلاّ في الخفاء.
كانت المساجد والحسينيات تكتظ بالآلاف من الشباب ايام المناسبات في محرّم أو شهر رمضان للاستماع الى المحاضرات والمواعظ واصبحت ظاهرة التسيب اللاأخلاقي شاذة ونادرة اذ في السنوات العشرين السابقة كان الغالب على الشباب هو الانخراط وراء الموديلات والتسيب اما في }عقد الصدر(رض) { عقد التسعينات فان المظهر الطبيعي هو التدين، والشذوذ هو عدم التدين ومحافظة الناصرية بشبابها من السبّاقّات في هذا المجال وهذا حال العراق بكافة مناطقه وسطاً وجنوباً.
احداث ومواقف الناصرية
بعد ان شهدت الناصرية هذه التطورات والتوجه الجماهيري نحو الاسلام قامت اجهزة النظام باعتقال امام الجمعة قبل يوم الجمعة وكان الخبر قد انتشر في المحافظة وفي يوم الجمعة تجمع الناس عند المسجد التي تقام فيه الصلاة وعلت الأصوات بهتافات الامام الصدر
كلا كلا أمريكا × كلا كلا اسرائيل
كلا كلا للباطل × كلا كلا يا شيطان
نعم نعم للحوزة × نعم نعم للجمعة... وغيرها
وكانوا اثناء هذه ا لهتافات واقفين ووجوههم تجاه مديرية أمن الناصرية وعلا صوت أحد المصلّين قائلاً
(أرجموا قائد القوات المسلحة الشيطانية بالصلاة على محمد وآل محمد) فلبّته اصوات المصلّين وقد ارتجت المحافظة من هديره، وقد رفعوا ايديهم تجاه المديرية، بعد ذلك توجه المصلّون الى القبلة رافعين ايديهم بالدعاء وبصوت واحد قرأوا: ـ أمّن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء. وفي اثناء هذا الوقت اقبلت قوات الامن فأحاطت بالمصلّين وقد شهروا اسلحتهم، وفي وسط هذا التفاعل وتأزم الحدث قام احد الطلبة المعروفين ووقف امام منصّة خطيب الجمعة فقال: خلال ربع ساعة اذا لم يطلق سراح امام الجمعة فسوف أذهب الى مديرية الامن لأعرف الخبر، ـ وبعد انتهاء الربع ساعة قام وقال: انا سوف أذهب الى المديرية وأرى ما حدث اما انتم فتفرقوا. فجاءوا بسيارة ركب فيها عدد آخر من طلبة المحافظة فأحاطت الجماهير بسيارته فوقف ازلام النظام ليقطعوا الشارع على المصلّين، ولكن الزحف استمر فاطلقوا النار في ا لهواء وطالبوا بالرجوع فلم يتراجعوا وفي هذه الاثناء تجرأ احد ضباط الأمن وضرب احدى النساء فتقدم احد المصلّين فرفع صخرة بكلتا يديه وضرب بها مقدمة سيارة كان يجلس فيها احد ضباط الامن فهشّم الزجاجة الامامية وجرح الضابط في وجهه فرماه احد حراس هذا الضابط فأصابه في فخذه وأعتقلوه، ولما لم يرجع المصلّون قاموا باطلاق النار عليهم فسقط اربعة شهداء وأكثر من تسعة جرحى.
وتقدمت الجموع حتى وصلوا الى الساحة المواجهة لمديرية الأمن فحاصرتهم قوات فوج طوارىء الأمن، وقوات فوج طوارىء المحافظة، وأعضاء الحزب العفلقي، وأنهالوا عليهم ضرباً ورمياً فجرح عدد من الشباب.
وكانت السيارة التي تقل الطلبة قد توجهت الى المديرية فاعتقلوهم ورحلوهم الى مديرية الأمن العامة في بغداد، وفي اليوم التالي جاء بعض اهل الناصرية وأبلغوا الامام الصدر بالحادث فقال: عفارم عفارم عفارم أهل الناصرية( )، وأمر اهل الناصرية با لهدوء حتى يأتيهم أمره فطالب(رض) بعد ذلك بمطالبه المشهورة باطلاق سراح المعتقلين.
* * *
من الاحداث المهمّة في الناصرية انه قد بُني مسجد كبير في ناحية الغراف وكان المسجد حديثاً في بناءه ويتسع لأكثر من خمسة آلاف مصلّي وكان بالقرب من هذا المسجد مسجد آخر يصلّي فيه الوهابيون فطمع الوهابيون بالاستيلاء على هذا المسجد بمساعدة اجهزة الامن فكان ائمة الجمعة من كافة ارجاء المحافظة يأتون الى هذا المسجد لالقاء المحاضرات الاسلامية في ايام الاسبوع عدا يوم الجمعة فتحرك الوهابيون وبدأوا بأول خطوة وهي اعطاء أموال الى ضباط الأمن في هذه الناحية فأمر الامن المؤذن بأن لا يذكر الشهادة الثالثة بالولاية لامير المؤمنين(ع) وفي ذلك اليوم كان احد ائمة الجمعة موجوداً في المسجد وعندما أذن المؤذن ووصل الى الشهادة الثالثة خفف صوته بحيث لا يُسمع في خارج المسجد فاستغرب أمام الجمعة فأعلموه بضغط الأمن فأمر المؤذن بالتنحّي وأذن بنفسه وشدد في ذكر الشهادة الثالثة.
وبعد ذلك كان الوهابيون يأتون مجموعة بعد مجموعة ويقيمون الصلاة جماعة منفصلين عن الجماعة في المسجد وذلك تمهيداً للاستحواذ عليه فأرسل امام جمعة (الغراف) تهديداً عبر مكبرات الصوت انه اذا دخل الى المسجد وهابي واحد فسوف يحشد محافظة الناصرية جميعاً فيه فارتدع الوهابيون وقد اعتقل امام الجمعة هذا بعد أن طرد أحد مخبري الأمن من المسجد لمدة سبعة أيام.
وكان احد ائمة الجمعة في الناصرية قد استدعي من قبل مديرية الأمن في منطقته وقال له مدير الأمن: شيخنا هذه ورقة اكتب فيها اسمك ومواليدك وسكنك مع صورة لك. فأخذ امام الجمعة الورقة وجمعها بيده ورمى بها بوجهه وقال: لم تبعثني وزارة الاوقاف بل بعثني محمد الصدر فاذا اردت معلومات فاذهب الى محمد الصدر.
فأعتقلوه وبقي في السجن قرابة اسبوعين.


صلاة الجمعة في كربلاء المقدسة
كانت حركة شهيدنا ضعيفة نسبيّاً في كربلاء المقدسة وذلك لعدة عوامل او اسباب من أهمها:
1 ـ كثرة الحركات والاتجاهات الدينية التي عصفت بهذة المدينة والتي مازالت بقية منها متغلغلة فيها كالبابية والبهائية والشيخيّة والكشفية ... وغيرها.
2 ـ تواجد جنسيات مختلفة فيها ومنذ عصور قديمة بحيث اثّرت في كربلاء ثقافياً واجتماعياً بحيث تجد ان مركز المحافظة في الغالب يتكلّمون باللغة الفارسيّة في الاسواق بصورة طبيعية وكان هؤلاء حاملي لواء الحرب ضد شهيدنا كما سوف ترى.
3 ـ تركيز النظام على هذه المدينة المقدسة وتشويه معالمها الدينية والاخلاقية.
4 ـ قلّة سكان هذه المدينة بالقياس الى باقي المحافظات مما ادى الى شكل من اشكال التكتل والتعصب وخصوصاً للمراجع غير العرب وهذا يؤثّر بشكل واضح على حركة الامام الصدر.
ولكن اهم هذه العوامل ما ذكرته في النقطة الثانية حيث ان الاجانب الذين قطنوا كربلاء كانوا ينظرون الى انفسهم على انهم شعب الله المختار والباقي همج رعاع وهذه النظرة موجودة في مدن أخرى مثل النجف والكاظمية حيث ان اهل الجنوب يعتبرون من الطبقة المتدنية في نظر هؤلاء وهم (المعدان) كما هو المشهور فأصبح الحكيم والخوئي والشيرازي مرجعاً لهؤلاء ومحمد الصدر مرجعاً لاهل الجنوب حسب تصورات هؤلاء.
كما ان المرجعيات الأخرى ساهمت بشكل فعال في الحد من حركة شهيدنا في بادىء الامر بواسطة وكلائها هناك كما سوف اذكر.
كانت نسبة مقلدي الامام الصدر خمس وتسعون بالمئة من الشباب و خمس بالمئة من كبار السن وكما قلت فان قلّة مؤمنة من الكربلائيين ناصروا شهيدنا واما الكثير منهم من اطراف كربلاء وهم بالأصل من جنوب العراق إلاّ انهم سكنوا كربلاء بسبب ظروف الحربين وكان الكربلائيون الاصليون (كما يسمونهم) من العرب ولم تكن فيهم اصول اخرى فلا عجب ان يناصروا شهيدنا وكانوا ينظرون الى أخوانهم من باقي المحافظات بمنظار اسلامي يفتقده الغير أكيداً وكان هؤلاء الكربلائيون يعقدون الجلسات والمناظرات والحلقات العلمية لنصرة الامام الصدر، وكان للنسوة دور لا ينسى حيث واكبن صلاة الجمعة وواظبن عليها وشجعن الأخوة والابناء على الحضور.
* * *
اقيمت صلاة الجمعة في جامع المتقين(في حي الحر) وكان المفترض أن تقام في جامع المخيّم حسب ما أعلن في وقت سابق ولكنها نقلت الى الأول في وقت متأخر مما حصل ارباك بالنسبة للمصلّين فكان عدد الحضور قليلاً بسبب تشتتهم بين المسجدين ولسبب مجهول لم يحضر امام الجمعة وهذا في أول صلاة جمعة فتقدم احد الطلبة فخطب الخطبتين وقام آخر فصلّى بالناس وفي الجمعة التالية عُيّن السيد مصطفى الصدر اماماً للجمعة في كربلاء وبقي حوالي ثلاثة اشهر وقد اقام الصلاة في مسجد ابي ذر الغفاري (في العباسية) وبعده صلّى الشيخ علي النعماني في شوال 1418وبعده الشيخ كاظم العبادي الى يوم الشهادة حيث كانت صلاة الشيخين في مسجد المخيّم. وكان الحضور الى الصلاة في معظمهم من الشباب وكان أغلبهم من ا لهاربين من الجيش ومطاردين من قبل اجهزة النظام ولم تكن جمعة كربلاء اقل انجازات من غيرها من المحافظات إلاّ أنها وقفت موقفاً مشهوداً سوف يُخلد في التاريخ وذلك في حادثة مقتل الشيخ الغروي(قدس).
في الليلة التي جرت فيها حادثة اغتيال الشيخ الغروي كان الخبر قد بدأ يتسرّب من المستشفى الذي وضعوا جثمان الشيخ فيه وقد حاولت اجهزة النظام التعتيم على الحادثة ولكنها تحسباً لحدوث هيجان جماهيري في كربلاء المقدسة وضعت سيطرات في الطرق المؤدية الى المستشفى وفي صباح يوم الجمعة تحقق صدق الخبر عند الناس وعند امام الجمعة فأرتقى المنبر وألقى خطبة تأريخية أبّن فيها الشيخ الشهيد وذكر في خطبته مقاطع خطيرة من اهمها (انهم قتلوا الغروي اليوم وغداً يقتلون الامام الصدر وبعدها انا وأنتم) فضج المصلّون بالبكاء وا لهب في ضمائرهم الصدرية الحماس وبعد ان انتهت الصلاة أمر امام الجمعة كافة المصلّين بالتوجه الى المستشفى لانتزاع جثمان الشيخ وتشييعه فأتجهت الجماهير الغاضبة الى المستشفى وهم يهتفون، فتعرضت لهم السيطرات وحاولوا التمويه على الجماهير فلم يفلحوا فأتجهت الجماهير بعد ذلك الى ضريح سيد الشهداء(ع) وعلت ا لهتافات المنددة بالنظام المجرم فهاجمتهم كلاب النظام باطلاق الرصاص فأصيب عدد منهم بجروح واعتقل حوالي مائة وخمسون مصلّي وأعتقل امام الجمعة فوراً ولكن النظام اضطر الى اطلاق سراحه بعد ان اصبحت كربلاء تغلي غضباً.
ومما تجب الاشارة اليه انه لم يشارك في هذه التظاهرة احد سوى مقلدي الامام الصدر واما غيرهم فقد خبأوا رؤوسهم وعلى رأسهم وكلاء الحوزة التقليدية الساكتة ولا عجب ان يصدق عليها انها ساكتة فعلاً.
الحوادث المهمة في مدينة الحسين(ع)
عندما طالب الامام الصدر بأطلاق سراح المعتقلين من ائمة الجمعة وطلبة الحوزة والمؤمنين وأمر ائمة الجمعة بالمطالبة وذلك في الجمعة السوداء التي وقف امام جمعة كربلاء متوسطاً جماهير المصلّين وكاناسد العراقًشهدت استشهاد ً المسجد مطوّقاً بطوق عسكري متكون من (منافقي خلق وفدائيي المجرم عدي والحزب والامن وطوارىء الامن) وكذلك فقد اعطيت أوامر لكتيبة مدفعية بتوجيه مدفعيتها تجاه كربلاء وبالذات المسجد الذي تقام فيه الجمعة وبأنتظار الأوامر وموقعها في طريق المسيب والرزازة فقال امام الجمعة بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي وآله عليهم الصلاة والسلام ـ باسم الاسلام وأسم المسلمين جميعاً واسم الحوزة المجاهدة الناطقة وباسم الامام الصدر وباسم جميع كربلاء نطالب باطلاق سراح جميع المعتقلين من ائمة الجمعة والمؤمنين وكما قال الامام الصدر انه لا داعي لاعتقا لهم وفي اطلاق سراحهم الخير الكثير لهداية الأمة ثم قال رددوا معي ثلاثاً: نريد نريد نريد ـ فوراً فوراً فوراً ـ يالله يالله يالله. واهتزت كربلاء المقدسة لهدير الجماهير وظلت تكرر ا لهتاف مرات عديدة.
وبعد استشهاد الامام الصدر ومنع صلاة الجمعة اصبح مقلدوا الامام الصدر يمرون امام مسجد المخيّم وهم يفتخرون بانهم من على ارض هذا المسجد عبّروا ذات يوم عن تنديدهم بالنظام الكافر بعد طول سبات.
وبعد الشهادة فرضت اجهزة النظام على امام الجمعة وغيره من طلبة الامام الصدر الاقامة الجبرية وبعدها بقليل اعتقلوهم لمدة شهرين فتدخلت العشائر واطلق سراحهم بعد ان اجبر امام الجمعة على توقيع تعهد بالأعدام في حال صلّى في أي مكان أو القى أي كلمة أو خطبة وعظية.
فتصدى السيد بحر العلوم للأمر وأمر احد طلبته بالصلاة في كربلاء فأساء هذا الأخير التصرف مما ادى الى حدوث بلبلة في كربلاء ودعا الناس الى تقليد بحر العلوم وكانت اعداد المصلّين قد بلغت الآلاف ولكن الناس لم تستمع الى نداء هذا الشيخ وبقيت وفية لمرجعها الاعظم(رض) ومنعت الصلاة بعد ذلك بصورة رسمية.

مكتب الأمام الصدر في كربلاء
لم يبدأ المكتب في كربلاء بصورته الرسمية بل بدأ على شكل مكتبة لبيع الكتب في مسجد(أبي ذر الغفاري) وكان المسؤول عنه احد الطلبة ومعه بعض المساعدين وذلك بالتنسيق مع امام الجمعة ومكتب الامام الشهيد في النجف الاشرف.
وبعد مرور وقت مناسب اعلن انه افتتح مكتب الامام الصدر بصورة علنية وعلقت لافتة على الباب (مكتب سماحة ولي امر المسلمين في كربلاء) وكان المكتب يحتوي على ثلاثة أقسام:
الاول: قسم المكتبة وتحتوي على الكتب واشرطة التسجيل الخاصة بخطبه(قدس) واللقاءات.
القسم الثاني: خاص بالاستفتاءات وفق فتاوى الامام(رض).
القسم الثالث: استلام الحقوق الشرعية وتسليم الوصولات بالمبالغ الواصلة.
وبعد ان انتقلت صلاة الجمعة الى مسجد المخيّم نُقل المكتب اليه ايضاً، وكان المكتب يتصدى لهجمات وكلاء الحوزة الساكتة ورفع الشبهات التي الصقوها بشهيدنا، وقد حدثت مناظرات ومناقشات مع باقي الاطراف في هذا المكتب اثبت فيه المشرفون على المكتب وطلبة الصدر جدارة في الرد والأفحام وكانت نشاطات المكتب كثيرة ومهمة منها اجتماعية وعلمية وانسانية وتطوير الوعي الجماهيري. كما قام المكتب بالاتصال بعدد من الاطباء والصيادلة وبعض اصحاب الاعمال الحرّة وذلك لمساعدة الفقراء الذين لا يستطيعون دفع اجور الأطباء أو الادوية أو بعض الحاجيات الضرورية المنزلية.
كما قام المكتب بجمع اموال على شكل تبرعات من المصلّين لمساعدة الشباب الذين لايملكون ما يتزوجون به.
وقد بادر المكتب الى اقامة دورات دراسية داخل المسجد وتدريس العلوم الحوزوية، وكان الترتيب بحسب المستوى الدراسي الاكاديمي.
وقد قام المكتب بمسابقات يشترك فيها الجميع وهي عبارة عن اسئلة تخص القضايا الدينية والثقافية العامة. وكانت الجائزة مجموعة من مؤلفات الامام الصدر مع شريطي تسجيل لخطب الامام الصدر.
حاولت اجهزة النظام غلق المكتب لمرات عديدة فلم تفلح واتخذت اساليبها القذرة مراراً وتكراراً وفي احدى المرات دخل المكتب امين سر الحزب البعثي في الوسط المدعو(أبو نيزك) فأخذ يتصفح المكتب فأخذ كتاب(ولاية الفقيه) وهو بحث مستل من كتاب ماوراء الفقه.
فقال: ماذا تعني كلمة ولاية الفقيه. وكان مسؤول المكتب موجوداً فأجابه: انها مسألة خلافية بين الفقهاء فنظر أليه وخرج.
أعداء الصدر في كربلاء
كغيرها من مناطق العالم الاسلامي الشيعي، كان في كربلاء أوكار عديدة لضرب حركة المستضعفين بقيادة الامام الصدر وكان قادتهم متصلين ومنتمين الى الحوزة الساكتة ووكلائها وعلى رأسهم:
1 ـ الشيخ علي أبو حسان: وهو وكيل السيستاني وأمام للجماعة في حسينية بلد في كربلاء، وكان يتبنى التقية المكثفة وانه احد طلبة السيد محمد باقر الصدر(قدس) حسب دعواه، وهذا من المفارقات ان يكون تلميذاً للصدر ووكيلاً للحوزة التي قتلت الصدر(وهذا من العجائب التي رأيتها في أكثر من حوزة فأن طلبة السيد محمد باقر الصدر يتهمون الحوزة الأخرى بدم السيد الشهيد وهم الآن أتباع مطيعون لهذه الحوزة وهذا هو (المضحك المبكي) وكان له دور مهم في الدعاية الاعلامية ضد شهيدنا.
2 ـ الشيخ زهير: وكان هذا الشاب شديد العداء لشهيدنا ويسبه سباً مقذعاً وغير مؤدب أقله ان محمد الصدر عميل وغير عادل وانه ينفذ مخططاً للنظام.
3 ـ الشيخ علي أيوب: وهو من أهالي البصرة ويسكن كربلاء وكان ذيلاً مشهوراً لحسن الكوفي كما سوف اتعرض له في احداث مدرسة اليزدي الكبرى.
4 ـ السيد أحمد الصافي: وهو من اساتذة الحوزة وقد خذل هو وأتباعه شهيدنا في كربلاء وكان يدعو الى الحوزة الساكتة ومن ضمنها بشير الباكستاني.
5 ـ الشيخ عبد المهدي: وهو احد طلبة النجف وامام جماعة في مسجد البلوش في شارع الامام علي(ع) في كربلاء وكان هذا الشيخ يعقد المجالس للطعن في مرجعية الامام الصدر(رض) وكان قد تصدر لائحة المعترضين على شهيدنا في حادثة المدارس في النجف وملخص هذه الحادثة: ان شهيدنا قد أمر بأن كل من يمتلك بيتاً في النجف ويسكن في المدارس فعليه اخلاء غرفته لغرض اسكان احد الطلبة الجدد ومن لا يسكن في النجف فعليه تقديم تزكية الى المكتب لابقاءه في الغرفة فكان هذا الشيخ من المعترضين على هذا الأمر وأعلن الاضراب عن الدرس لأكثر من اسبوع احتجاجاً على قرار السيد وقد علّق شهيدنا قائلاً:
(فليضربوا ضد الدولة لماذا ضدي)
وقد تشكلت في كربلاء لجنة لأشخاص مرتبطين بمكتب السيستاني وهم من العوام وكانت مهمتهم توزيع الاموال التي تصل اليهم من المكتب وكانت الاموال توزع على المقرّبين والذين يقدمون عملاً جيداً لصالحهم أو ضد الامام الصدر وأصبحت هذه الثلّة تمتلك العقارات والمزارع والسيارات بشكل ملفت للنظر وصرفوا الاموال على ملذاتهم الشخصية حتى ان احدهم تمتع بنساء لفترات معيّنة بمبلغ وصل الى ثمانية ملايين دينار عراقي وكانت هذه اللجنة تقوم من باب الظاهر بزيارة العوائل الفقيرة وهنا أذكر رواية مؤكدة انهم زاروا احدى العوائل الفقيرة وكانت ابنتهم تحتاج الى عملية جراحية بصورة مستعجلة وعندما دخلوا الى منز لهم رأوا صورة الامام الصدر معلّقة على الجدار فاعتذروا بانهم لا يستطيعون توفير المبلغ المطلوب واعطوهم مبلغاً يكفي ليوم واحد للطعام لا غير.
وكان رئيس هذه اللجنة هو المدعو: (أكرم ابو مصطفى).
المهم ان حركة الامام الصدر استقطبت الشباب الفقراء المستضعفين اما العوائل الغنية والأسر العلمية في كربلاء فهم قد استصحبوا الحالة السابقة واعانوا الظلمة ضد سيد العراق(رض)


الجمعة في البصرة
أقيمت الصلاة في هذه المحافظة في أول أفتاء الامام الصدر بالوجوب في كل من: 1ـ الحيانية 2ـ الجمهورية وبعد ذلك توسعت وشـملت المناطق التالية .
التنومة لجمعة واحدة فقط وبعد ذلك أقفلت لتنظيم الأماكن الاخرى. فأقيمت في: (محلة أبو الحسن) في البصرة القديمة وفي الأبلة وفي القبلة.
واستمرت أخيراً الى يوم الاستشهاد وفي كل من:
1ـ العشار 2ـ الأبلة 3ـ الحيانية 4ـ القرنه 5ـ الدير 6ـ المدينة
7ـ أبوالخصيب.
شن وكلاء ومقلدوا الحوزة الساكتة حملة ضد هذه الصلاة في البصرة وقد ذكرتهم في فصل (أسماء ومواقف) في نهاية هذا الكتاب.
ولم تقل أنجازات البصرة من غيرها بل قد تعد من الاوائل فيما حققته من أنجازات كالأعداد ا لهائلة التي كانت تحضر الى مساجد الصلاة وغيرها مما ذكرته في المحافظات السابقة.
وكانت خطب الجمعة تكتسب جرأة عالية ومنها:
1 ـ المطالبة بتغيير المنهج الدراسي الاكاديمي وإدخال مناهج أسلامية.
2 ـ المطالبة بتغيير الدستور المؤقت في العراق الى دستور أسلامي دائم.
3 ـ مطالبة نساء موظفي الدولة بالالتزام بالحجاب الاسلامي.
4 ـ إنتقاد التقارير التي كان يرفعها المنافقون ضد أبناء الشعب.
5 ـ مطالبة أعضاء الحزب العفلقي بأن يكونوا كالحر بن يزيد الرياحي قبل فوات الأوان.
أهم الأحداث في البصرة
أمر الامام الصدر(رض) أئمة الجمعة بوجوب أرتداء السواد وأغلاق المحلات في يوم شهادة أمير المؤمنين(ع)، ولكن أمرهم بكتمان الأمر الى يوم قريب من الجمعة حتى لا تتخذ الدولة أجراءات مضادة.
وفي يوم الجمعة طلب أمام الجمعة في أحدى جمع البصرة. أن يتوجه المصلون يوم السبت الى مسجد أمير المؤمنين(ع) (الخطوة).
وفي يوم السبت عند الساعة العاشرة صباحاً، وكانت السماء ممطرة، ومع ذلك توجه المصلون بحشود عظيمه الى هذا المسجد وكان الزائرون رجالاً ونساءً. وأمتلأت الشوارع بهم وعلت الاصوات بالصلوات، وعند المسجد بدأت أصوات البكاء وأشتد اللطم.
وفي هذا الوقت طوق المكان من قبل قوات الطوارئ، وكان العقيد ضاري مسؤول الشعبة السياسية في أم