الفصل 1

18 4 9
                                        

تلك رائحتها كالبخور
كانت رائحتها تمزج كل أنواع البخور...
مرت تلك الحورية من رواق البيت السفلي،
فهرعت أبحث عنها،
سمعت دقات أقدامها الخفيفة تتلاشى في الرواق الآخر،
التفتّ،
لم أجدها...
أين هي؟
رائحتها ما زالت عالقة في أحضان الهواء العابر...

فتح عينيه فجأة،
وجد نفسه ما زال في مكانه،
كأنه لم يكن في استراحة، بل في غيبوبة...
نظر من نافذة الغرفة،
نسيم ربيع أيار يداعب وجهه،
تنفس بهدوء،
ونهض كالمعتاد نحو الحمام."**
الماء بارد يشعر برتباك ماذا عساه أن يفعل صارت تزور كل أحلامه ماذا عساه أن يفعل هل يتنساها
ذلك الرجل ذو الملامح العربية الحادة ذو العينين السوداء و القامة الطويلة قمحي البشرة سواد شعره كا سواد ليالي الشتاء
يمتلك بنية ضعيفة ولكن لاقت به
‎الماء بارد...
حين لامس وجهه شعر بارتباك داخلي، كأن شيئًا غريبًا استقر في قلبه.
حدّق في انعكاسه في المرآة، لكن ملامحه بدت غريبة، بعيدة عنه وكأنها لرجل آخر.

ماذا عساه أن يفعل؟
هي تزور كل أحلامه،
كلما أغمض عينيه وجدها هناك،
تسير بخفّة، تترك خلفها أثرًا لا يُنسى.
هل يحاول نسيانها؟
لكن، كيف ينسى شيئًا لم يعرفه حقًا؟
كيف ينسى امرأة لا يعرف إن كانت حلمًا أم ذكرى ضائعة؟

جلس على حافة السرير،
وهو يتأمل قطعة القماش التي وجدها منذ قليل،
ضمّها إلى صدره،
وراح يفكر:
هل هي حقيقية؟
أم أن الجنون بدأ يتسلل إليه على مهل

خرج إلى مكانه المفضل الاسطبل ليث و هو يكلم حصانه...                         ليث : لقد رئيتها اليوم أيضا يا جواد ولكنها كانت كالظل إنتطى حصانه بعد تجهيزه و إرتداء خوذته و إنطلق في جولة ليشتت أفكاره
امتدّت الأرض أمامه بلا نهاية، والريح تعصف بوجهه كأنها تشاركه اضطرابه. كان الليل قد بدأ يزحف، لكن القمر تأخّر في الظهور، وكأن السماء أيضًا مرتبكة مثله.

كان صهيل جواد يرافق خطواته السريعة، والأرض تحتهم ترتجف كأنها تعرف سرّه.

ليث (بهمس): "أتعلم يا جواد؟ كلما ركضنا بعيدًا، أشعر أنني أقترب منها أكثر. هي لا تفارقني، حتى في صمت الريح... كأنها نُسجت من داخلي."

توقف فجأة، رفع نظره نحو التلال البعيدة، ورآها هناك... أو هكذا خُيّل له. ثوبها الأبيض يلوّح كأمنية، ثم... اختفت.

شدّ لجام جواد، وعيناه تبحثان، لكن لا أثر... فقط رائحة بخور خفيفة، كأنها كانت هنا قبل لحظة.

عادا إلى منزله خوفا من مواجهة حقيقة ما و عند وصله أدرك أن أحدهم كان هنا صوت غناء خافت يأتي من بعيد هل من الحديقة الخلفية
تقدّم نحو باب الحديقة الخلفية، يده ترددت للحظة على المقبض، ثم فتحه ببطء، وصوت الصرير الخافت بدا كأنه يوقظ شيئًا نائمًا بين الأشجار.

الهواء كان أثقل هنا، مشبع برائحة البخور والندى، وصوت الغناء... أوضح، أقرب، لكن بلا كلمات مفهومة، كأنه بلغة لم يسمعها من قبل، أو نسيها مع الوقت.

كانت الحديقة مظلمة إلا من ضوءٍ ناعم، يصدر من المصباح المعلّق على الجدار الحجري، لكن هناك، تحت شجرة التين القديمة، بدا ظلٌ يتحرك.

أنثى.

جالسة على المقعد الخشبي، تُغني بهدوء، ظهرها إليه، وشعرها منساب على كتفيها كستارٍ يحجب كل إجابة.

ليث وقف هناك، لا يجرؤ على الاقتراب، ولا يملك الشجاعة للهرب.

قال في نفسه: "هل هي...؟ لكن كيف؟ ولماذا هنا؟"

مدّ قدمه الأولى نحوها، فصمتت.

سكت كل شيء، حتى الريح توقفت، وكأن العالم نفسه ينتظر ما سيحدث.

استدارت ببطء، لكن وجهها ظلّ في الظل، ومع ذلك... عيناه عرفتاها.

هي.

لم تكن حلمًا هذه المرة، ولا ظلًا... كانت هنا، في قلب ليله، في حديقته، في واقعه.

لكن قبل أن ينطق... قالت بصوت خافت، عميق، يشبه الحديقة الغناء:

"تأخّرت يا ليث..."
تجمدت عروقه هل هي فعلا إرتجت عينيه هلعا سكون عمَ المكان ليرمش و ترحل برمش عين
تأخرت يا ليث صوتها لزال في أذنه مريح غريب مربك ماذا صوتها
تراجع خطوة إلى الوراء،
يده على صدره،
كأن صوتهـا اخترق أعماقه،
وأيقظ شيئًا كان نائمًا فيه منذ سنين.

همس لنفسه:
"صوتها...
هل يمكن لصوت أن يوقظ ذاكرة؟
أم أنني أتوهم؟
لكنني... أعرف هذا الصوت،
لا من حلم،
ولا من خيال...
بل من مكان أعمق."

نظر إلى المقعد الخشبي،
كان فارغًا،
لكن الهواء ما زال يحتفظ بحرارة وجودها،
ورائحة البخور ما زالت تداعب أنفه،
كأنها ترفض أن تختفي.

"من أنتِ؟"

  بَخورStories to obsess over. Discover now