شؤم الثامنة عشر.

By hanakohanaro

136K 9.9K 5.3K

لقيط عائلة إيڤالوس.. أو هذا ما يكررونه. ابن عائلة إيڤالوس مجهول الأم الذي حتم عليه التبرؤ بعد سن الثامنة عشر... More

1
2
3
4
5
6
7 | الابن الثالث.
8
9
10
11
12
13
14
15| مَاضِي الوَرِيث.
16
17
18
19
20| أكسروا قلبك الهش؟
22
23
24
25| نهاية جحيم آل إيڤالوس.
26
27
28
29| لقاء سلڤيا.
30
31
32
33
34
35
36
37
38
39
40
41
42
تعريف
43
44|جانح في لعبة السذاجة
45
46
47
48
49
50
51|رمان مخملي.
52|حب بالرصاص.
53|سقوط.
54|لقاء¹
54|لقاء²
55|فتيل
56|خدع
57|لا يخسر.
58
59
60|يقظة
61|شمل
62|أول نظرة
63|لامبورغيني
64|الثامنة عشر
65|كازينو
66|تجديد عقود
67|النهاية
67|ما بعدها

21

2.5K 201 64
By hanakohanaro

صلِّ على النبي.
ــــــــــــــــــــــــــــ


«افتح فمك سيدي الصغير».

فتح بارسيفال فمه واستقبل ملعقة مملوءة بحبوب الفطور والحليب.

«يمكنني مساعدتك لو أردت».

نظر للخادمة التي تجلس أمامه على السرير كما طلب منها، وبينهما سفرة مشكلة بأنواع مختلفة من الأطعمة.

إنه فطور متكامل.

لقد استيقظ عند الخامسة صبحًا، وبقى في سريره يتأمل السقف فوقه إلى أن أتت الخادمة لتتفقد حاله.

فطلب منها أن تحضر له الفطور، ثم تجهز له حمامًا دافئًا وتساعده في ارتداء ملابسه المدرسية.

لا يعلم كم الساعة الآن، لكنها قالت له أن عنده متسع من الوقت ليفعل كل ما يريده، فامتثل لكلماتها، وقرر الاستماع لها.

فتح فمه واستقبل الملعقة التالية، وواصلت إطعامه إلى أن انتهت الحبوب، أعادت الصينية لسفرة، ورفعت كوبًا زجاجيًا مملوء بالحليب ومدته له.

أخد الكوب منها، وبدأ يشربه بسرعة بسيطة حتى يستعيد عافيته سريعًا، أعاد الكوب لسفرة، فرفعت له صحنًا صغيرًا يحتوي على مكعبات الفواكه المتنوعة.

أعطته له وأعطته الشوكة معه، فغرز الشوكة في شريحة الموز وبدأ يتناول المكعبات بتركيز، وهنا تأكدت أنه استعاد جزءً من عافيته، فهو يحس بحركة يده على عكس قبل ساعة.

عندما أنهاه وضعه في السفرة، ونظر لها بشحوب، ونبس بصوته الخافت شبه المسموع:
«أريد أن استحم الآن، هل جهزتي الحمام لي؟».

«نعم سيدي الصغير».

«أشكرك ميليسا».

«لا داعِ، فهذا واجبي تجاهك».

نزل من سريره باختلال بسيط لكنه سرعان ما توازن، فقد جرب المشي بمساعدتها قبل أن يبدأ بالأكل.

لبس خفيه، واتجه لباب الحمام المفتوح، فلحقت به حتى تتأكد من سلامته، فهي المسؤولة عنه بما أنها لم تخبر أفراد العائلة أنه استيقظ.

خطا خطواته ناحية حوض الحمام العالي المملوء بالمياه التي حجبتها رغوة الصابون.

بدأ يخلع ملابسه فابتعدت عن الباب تعطيه الخصوصية قليلًا، وعندما سمعت صوت تحرك المياه أعادت نظرها لداخل الحمام، لتجده يجلس في المياه باسترخاء، يرجع رأسه للخلف.

«سيدي، هل تستطيع الاستحمام بنفسك أم أساعدك؟».

«استطيع».

...

أغلقت الخادمة غرفة بارسيفال، وهي تضع شريط حقيبته على كتفها، وهو واقف بجانبها بهيته المدرسية، مع اختلاف تسريحة شعره المعتادة.

فهذه أظرف فهو ينزل كامل شعره للأسفل، إلَّا خصلة واحدة يمين جبينه.

اتجه معها ناحية الدرج، غير منتبه لتلك العيون التي تراقبه بصدمة، وليس بعيدًا إنهم الخدم.

ففي البارحة نام بلا عشاء وأغمي عليه من التعب، لهذا لم يضعوا في أعلى أحلامهم أنه سيذهب للمدرسة ليقوم بامتحان آخر العام الدراسي.

لكنه استيقظ وفكر بعقلانية، كيف يدمر جهود عام دراسي كامل، ويعيده بسبب كذبة قالها آشيد والتوأم وجوناثان.

لا يعلم حتى جدول الامتحانات، لكنه مدرك أن اليوم هو أول امتحانات نهاية العام الدراسي.

أمسك بحديد الدرج، ونزل درجة بدرجة حتى لا يختل توازنه، فلا نية له لاحتضان الأرضية.

«أأنت بخير سيدي؟».

«نعم».

أكمل نزوله لدرج إلى أن وضع قدمه على الأرض، واخترق طبلة أذنه صوت نقاش مرتفع من غرفة الطعام.

إنه صوت فيليكس.

لم يهتم لسبب نقاشهم، استكمل طريقه ناحية باب القصر، لكن استوقفته خادمته بقلق طفيف:
«سيدي ألا يجب أن تخبرهم؟».

نظر لها واستدرك متأخرًا أنه لو ذهب من دون إبلاغهم ستتورط خادمته في المشاكل، و ربما تطرد.

صوت بتعب دفين يخرجه على شكل تنهيدة قد تستطيع تخفيف ما تستطيعه.

وعاد أدراجه ناحية غرفة الطعام، وقف أمام الباب ونظر لهم بخواء، الجميع حاضر إلا الأربعة البلطجية.

يقف رئيس العائلة ويضع يديه على سطح الطاولة بانزعاج، ويحدث ابنه الثالث بجدية وحدة واضحة من نظرته.

لم يهتم لمضمون الكلام أكثر من اهتمامه بثلاثة أشياء، الأول أن هاري قليل الصبر لا يرد، الثاني أن بيرتي غير موجودة وهي لا تتغيب عن الوجبات إلا باستثناء قوي، الثالث أن روزالي تبكي بصمت.

«صباح الخير».

نظر الجميع له بصدمة، وتوقف الكل عن الحديث وهم يحدقون به، غير مصدقين وقوفه بتوازن أمامهم، غير مستوعبين حديثه بعد صمت لأيام.

لكن المحزن في الموضوع أن صوته جارى صوت كلارينس برودًا، وينافسه على تخطي مرحلة النبرة الميتة.

«سأذهب للمدرسة حتى أجري امتحاني، لن أتأخر، استأذنكم».

غادر من دون أن ينتظر ردهم، مع أنهم لم يتقبلوا سلوكه هذا لكن في النهاية لن يتدخلوا في سلوكياته حتى لا تزداد حالته سوء.

أخرج فيليكس هاتفه من جيبه عندما سمع صوت رنينه، ونظر للمتصل.

«أحسنت صنعًا هاري».

أجاب على الهاتف بعد جملته المؤنبة، وتكلم قبل أن يسمع حديث المتصل:
«لا ترفع صوتك علي فيليب».

تكلم فيليب ديڤارو بصوت حاقد منزعج، لكنه غير مرتفع.

- كيف يجرؤ ابنك على ضرب ابنتي حد الإجهاض؟! أيضنني أعطيتها له ونسيتها؟!

«كيف حالها الآن؟».

- لا شأن لك بها، وأعلم ابنك أنني لن أعيدها له ولو جن جنونه من أجلها.

«سنتكلم على هذا الأمر لاحقًا، ماذا تريد الآن؟».

- روزالي، سيأتي ديميتري لأخدها من المدرسة، لا أريد كثرة حديث على هذا الأمر.

نظر فيليكس لروزالي التي نظرت له من خلف دموعها، وحدث فيليب بجدية وهو يتطلع حفيدته:

«روزالي لن تذهب لأي مكان بلا رغبة منها، أنا لن أسمح لها أن تذهب قسرًا، وليكن في معلومك فيليب ديڤارو هذه الصغيرة ابنة إيڤالوس».

- ستسلمني روزالي وانتهى النقاش.

«وأنا أخبرتك أن روزالي لن تذهب بلا إرادتها، لو أرادت الذهاب ستذهب، ولو أرادت البقاء فلا أنت ولا غيرك يستطيع إجبارها على الذهاب، وافهم جملتي جيدًا ابنتك معك وابنة هاري معه، أراك لاحقًا».

أغلق الخط ووضع الهاتف على سطح الطاولة، نظر لهاري بجدية، وحرك بصره ناحية روزالي، وسألها بحن:
«لا أحد يضغط عليك صغيرتي، هل تريدين الذهاب لقصر ديڤارو؟ الموضوع بإرادتك ولا أحد سيجبرك».

طأطأت رأسها ولم تجب، لكنها سرعان ما رفعت رأسها ونظرت لوجه والدها عندما وضع كفه على فخدها.

«افعلي ما تريدينه روز».

نظرت لجدها وأجابته بهدوء مصطنع خلفه موجة حزن عميق:
«أريد الذهاب لقصر جدي فيليب، مؤكد أن صحة أمي سيئة ويتوجب علي أن أكون معها».

«فهمت، سيأتي ديميتري لأخدك من المدرسة، سأرسل لك أغراضك لقصر جدك بنفسي».

«حسنًا».

وقفت ونظرت لوالدها بحزن، بعدها نبست بألم:
«سأذهب الآن، سيقلني يوري للمدرسة، استأذنكم».

____________

«لا مشكلة يا بارسي، كل شيء سيحل».

«أنت استرخي وتجاهلهم، أنا معك، ستحل هذه المشكلة».

مرت دقائق والسيارة متوقفة بعيدًا عن المدرسة بمسافة بعيدة، والصغير يلصق كفيه بوجهه ويبكي بحرقة.

ويحاول الكبير تهدئته منذ ركب والتخفيف عنه.

«أنت لست وحيد، تجاهل ما يؤذيك، مثلما هم لم يقدروك لا تبكي من أجلهم، بارسيفال لا تهتم».

«إهئ إهئ، أنا.. لم أرد أن أولد هكذا».

«أعرف يا صغيري، أعرف أنك لم ترد هذا، لكنه قدرك، صغيري لا تبكي».

واصل البكاء وفي وجدانه ألم شديد، ألم أشبه بالتمزق لقطع كثيرة، لا هي كبيرة ولا هي صغيرة، قطع دقيقة تكاد لا ترى.

«أريد أن أنام.. وإلى الأبد».

إحتضن تايلور صديقه الصغير لعله يمنحه بعض الدفء والأمان، وبعد ثواني من الحضن ابتعد عنه، ومد له قنينة المياه حتى يشرب قليلًا.

أخدها منه وبدأ يشرب بهدوء، ذاك الحضن أراحه قليلًا، وكم كان يحتاج لكتف مثله يرتخي عليه.

أخرج منديلًا من جيب حقيبته، ومسح وجهه به.

«خدني للمدرسة، لا يجب أن أتأخر».

«حسنًا، أتريد أي شيء قبل ذهابك؟».

هز رأسه بالنفي وهو يطأطئ رأسه يتأمل حذاءه، ويحاول بجهد حبس تلك اللآلئ في محاجرها.

بدأ تايلور القيادة إلى أن أوقف سيارته أمام بوابة المدرسة تمامًا، ووضع كفه على كتف الصغير بخفة.

«ستكون بخير، أتمنى لك نهارًا سعيدًا».

رفع بارسيفال رأسه ونظر لتايلور بانكسار.

«لا تتأخر عليْ».

«عندما تخرج ستجدني في انتظارك، وهذا وعد».

فتح بارسيفال باب السيارة ونزل منها، هو لا يعرف حتى جدول الامتحانات، لا يعلم حتى ما امتحان اليوم، هو لم يدرس أساسًا، سيكتفي بحل ما يتذكره عقله بما أنه سوس كتب.

خطا أول خطواته بداخل المدرسة، يتأمل ضحك الطلاب ومزاحهم، يتمنى لو أنه يستطيع مشاركة أحد حزنه.

ذهب على فوره متجهًا لبناية المدرسة، يحاول كبث دموعه قدر الإمكان، وقد نجح في هذا.

فكر في الذهاب للوحة الاستعلامات لمعرفة ما امتحان اليوم، لكن لم تعد له رغبة في أي شيء.

فقط لا يريد إضاعة عام كامل من حياته لهذا أتى.

...

تأمل الورقة الموضوعة أمامه على الطاولة، وتبصر كل حرف في الورقة، إنه امتحان رياضيات.

مر نصف الزمن المحدد ولم يضع قلمه على الورقة، حتى اسمه ما زال لم يكتبه، لقد أحس أنه مجهول كقيمة x في المعادلة، على الأقل يسعى الكثيرون لمعرفة قيمتها لكن لا أحد سعى لمعرفة قيمته.

تقدم المعلم منه، ووضع يديه على سطح الطاولة، وأحنى نصف العلوي للأمام حتى يعرف لما هذا الطفل ساكن منذ بدأ الامتحان.

جالس في هدوء وسكون، ويتأمل الورقة كأنها لوحة فنية لليوناردو دافنشي.

«هل هناك مشكلة بارسيفال؟».

«لا، فـ x مهمة للجميع».

وضع المعلم كفه على جبين الصغير كي يستشعر حرارته إن كانت مرتفعة لهذا يهذي بأمور غريبة أم لسبب آخر.

نزعها عندما أحس بحرارته المعتدلة نسبيًا، هي مرتفعة قليلًا لكنها لن تضره.

«هل تشعر أنك مريض؟ هل آخدك للعيادة؟».

هز رأسه بالنفي ببطء، ووضع قلمه على الورقة بادئًا امتحانه أخيرًا، كتب اسمه الأول فقط، وبدأ يحل الأسئلة.

هو يعرف أن الأستاذ سيعرف ورقته حتى لو كتب اسمه الأول فقط.
<بارسيفال>

______________

بعد ساعات قليلة.
نزل تايلور من سيارته المركونة أمام المدرسة شبه الخالية، وأغلق الباب بقوة.

هو ينتظر صديقه منذ ساعة، ولكن لم يظهر له أثر، والمدرسة أصبحت شبه خالية، معظم الطلاب عادوا لمنازلهم.

دخل للمدرسة حتى يتفقد رفيقه الصغير، وقف أمام البوابة، وبحث عنه بعينيه بسرعة.

إلى أن رآه يتقدم ناحيته بترنح، فتقدم له جريًا، ووقف أمامه يتفقد حاله بعدم استيعاب، فما الذي حدث له داخل أسوار المدرسة؟!

خده محمر ومنتفخ، وملابسه مغبرة كأنه كان يتقلب على التراب، شعره مجعد كما لو أنه سحب بقوة.

«ما الذي حدث لك؟! من ضربك؟».

«لنعد للمنزل تايلور».

«ليس إلى هذا الحد سيدي، إذا كنت ترضى بأن تذل كرامتك فأنا لا أرضى بهذا».

أمسك معصم بارسيفال بقوة نسبية وسحبه خلفه لداخل بناية المدرسة، واتجها للباب البني المزخرف بالقرب من باب البناية.

طرق تايلور على الباب متجاهلًا كون بارسيفال يطلب منه المغادرة بهمس.

- ادخل.

فتح تايلور باب مكتب الإدارة عندما سمع صوت المدير الحازم، فسأله بانزعاج متجاهلًا تعجبه من مظهر بارسيفال:

«كيف يحدث هذا سيد إدريان.. وبداخل أسوار ريڤيل؟!».

«ما الذي تعنيه بهذا تايلور دارسيا؟».

«بارسيفال تعرض لتعنيف من قبل طلاب مدرستك».

نظر المدير لحالة بارسيفال المزرية، وسأله بجدية بسيطة:
«من تجرأ وفعل هذا بك بارسيفال؟».

ساد صمت عميق تلك الغرفة بعد سؤال المدير، انتهى بإجابة هامسة تكاد لا تسمع:
«لا أعرف أي شيء عنهم، لا أشكالهم ولا أسماءهم أو أي شيء».

نظر لتايلور بانكسار، وتكلم بتوسل واضح:
«أريد العودة للمنزل».

«حسنًا، سأبحث في هذا الأمر بنفسي، خده للمنزل حتى يرتاح».

خرج تايلور برفقة بارسيفال من الإدارة، ولم بتكلم أي منهما، ظل يختلس النظر لوجه رفيقه الصغير، والحسرة رسمت وجهه بسبب ما حل به.

لقد كان سليط اللسان، ومستفز، وساخر، ولا يسمح لأي أحد أن يلمسه بسوء، أما الآن فأصبح هشًا يهان من أبسط الأشخاص.

كل هذا بسبب عائلته.
إنها العائلة، إما أن تصنع إنساناً أو كومة من العقد.

_____________

على وجبة العشاء الواجمة.
في تلك القاعة حيث يجلس الجميع بهدوء.
الشيء الوحيد الذي يسمع هو صوت أدوات الطعام.

لا أحد يتحدث أو يفكر أن يتحدث، حتى من كان يضيف لهم جوًا مرحًا على الطعام بات جسدًا بلا روح.

لم يتأذى من ضرب هاري بل تأذى من كلامهم، له 206 عظمة لكنهم لم يستحلوا إلا كسر قلبه.

حضر العشاء بعد أن تغيب عنه لثلاثة أيام، لم يهتم لتغيب جميع أبناء عمومته سوى ليونارد.

لا يعلم ما العقاب الذي وضع لهم لكنه يعي أنه ليس أمرًا هينًا.

عمه هاري غير موجود هو وعائلته، لا يعلم السبب لكنه سمع ضجة في الصباح عندما حياهم.

حضر إثنا عشر فردًا عوضًا عن تسعة عشر.

رفع ملعقته وبدأ يأكل المعكرونة بعد أن بدأ الجميع بالأكل، إنها معكرونة عليها صلصة حمراء وبعض كرات اللحم.

يجاور الطبق سلطة، وأنواع من مكملات الطعام والمقبلات.

«هل أعجبك العشاء بارسيفال؟».

رفع رأسه ونظر لجده بتحطم وانهيار، يثبت روحه بداخل جسده بخيط نجاة هش، يظنون أن جبر الخاطر سهل، لكن جملته صعقت جميع الحضور حتى والده الغير مبالي.

«ليس لي الحق في الاعتراض على ما تقدمونه لي، فأنا أدنى مكانة منكم».

«بارسيفال».

نظر لعمه جريجوري بمعالم غير مفهومة، لا يفهم مشاعره، وهذا زاد التشقق في ملمحه.

«لا تقل هذا على نفسك».

أخفض رأسه، وعاد للأكل بلا إحساس لما سمعه، لقد فقد ذاك القلب الذي ينبض للحياة، واكتشف أنه ما زال يعيش لأنه لم يمت فحسب.

دفنت كامل أحلامه مع آماله في قاع الأرض، وبات يعيش كجثة متحركة ستخضع لأي شيء.

بعد دقائق وضع الملعقة في مكانها ووقف، فسأله ليام على الفور:
«إلى أين أنت ذاهب قبل إنهاء طعامك؟».

«لا أريد، لقد أكلت ما يكفيني، ليلة سعيدة».

وغادر الغرفة من دون أن يضيف شيءً.

...

بعد أن غادرت زوجات أبنائه وزوجته، أكمل الجلسة مع أبنائه بحضور هاري وغياب كلارينس.

بدأ رئيس العائلة حديثه بصوت حازم جدًا، يجلب القشعريرة لمن يعاديه:
«بشأن عائلة برييل الأسترالية، لقد فكـ …».

«والدي».

تعجب الجميع من مقاطعة أنطونيو لوالده، فهو لا يفعل هكذا أمور لا أخلاقية، وهذا شيء ممنوع في حد ذاته.

لكن صمت فيليكس جعل أنطونيو يتحدث بجدية:
«لا تفكر في برييل أساسًا، سأتخلص منها في القريب العاجل، أنا أكثر شخص تجلب الصداع لي لهذا أود إنهاءها».

«كما تريد، شيء آخر، ليام ستستلم أمور الشركة في الغد».

نظر له أنطونيو باستغراب بسبب الطلب الذي طلبه من ليام، وسأله بريبة:
«إلى أين سترسلني؟».

«ليس إرسالًا، سنذهب سويًا لمكان قريب نحصل على بعض المعلومات منه، مارون ستذهب لتفقد قاعدة التجنيد الخاصة بنا، أعتقد أننا سندخل في كثير من النزاعات في الأيام المقبلة».

سأله أنطونيو بجدية بالغة، فالأمر أصبح جديًا الآن:
«نزاعات مع من؟».

نظر فيليكس لأصغر أبنائه الذي بدوره فهم ما يريده والده، وأجاب أخيه الأكبر بصوته الرجولي:

«نزاعنا مع برييل حول حمولة الأسلحة، نزاع مع شيرديا الكولومبية، واشتباكات بسيطة مع بعض العصابات التي تزعزع راحتنا، لكن قبل كل هذا.. ماذا سنفعل حيال بارسيفال؟».

أجاب الجد برزانة:
«في الوقت الحالي سنتركه، مع الأيام سيهدأ، بعدها سنتحدث معه ومع بقية الأبناء، حتى يخرج كل منهم ما مشكلته مع الآخر».

وقف أنطونيو باتزان، ووضع كفه على كتف والده، وخاطبه بنبرة أقل ما يقال عنها باردة، تحمل من التسلط والهيمنة ما لم ينطقه من قبل.

«أترك زمام الأمور لي، سأجد حلًّا سريعًا لجميع المشاكل، لا تشغل نفسك بالتفكير واهتم بماريا فقط».

أنزل يده عن كتف والده، وقرر مغادرة الاجتماع، فقد قال ما عنده، في النهاية هو وريث إيڤالوس الحالي يجب أن يتعب من أجل هدوء العائلة.

أضاف جمله وهو يغادر كرسيه، بنبرة جادة هادئة:
«لو احتجت للمساعدة من قبل أي منكم سأعلمه، غير ذلك اهتموا أنتم بالصراعات الداخلية الرسمية، والصراعات الداخلية غير الرسمية».

تكلم مارون بنبرة هزلية ساخرة من كلام أخيه الجدي:
«انظروا إلى أنطونيو، الذي يستمر في التصرف وكأنه والدنا مع أن فرق العمر بيننا ليس كبير، أنطونيو نحن لسنا أطفالك».

توقف عن المشي ونظر له بابتسامة ساخرة، وخرجت من ثغره ضحكة خافتة تكاد لا تسمع، ونبس كلماته بتهكم واضح:

«أنتم لم تكونوا أطفالي عندما كنت في السابعة عشر، للمصداقية إنها مسألة ضمير، وجسد اعتاد على مراعاة الصغار الذين سيعاقبون بسبب تقصيرهم، أم أنك تظن أن جميع أعمالك كاملة طوال سيرة حياتك، لولاي لكنت مت منذ زمن طويل بسبب استهتارك بما يقدمه لك فلانديمير من مهمات، تصبحون على خير».

توقف أمام الباب، ونظر لهم بجدية تامة، وخرجت الحروف من فمه ببرود شديد:
«هناك ثلاثة أشياء ستقومون بها في غيابي».

أخرج سبابته قاصدًا الرقم واحد، وحدثهم من دون أن يلتفت:
«ليام أنت المسؤول عن كل شيء إلى أن أعود، أي خطأ أنت من ستتحمل مسؤوليته».

أخرج أصبعه الأوسط قاصدًا الرقم اثنين، واسترسل كلامه:
«كونوا على أهبة الاستعداد لأي اعتداء، أنا لا أقلل من قيمة العائلة لكن برييل ماكرة».

أخرج بنصره منهيًا العد به، وقال آخر جملته بتملك:
«إياكم، ثم إياكم أن تؤذي صغيري بارسيفال، هذه المرة لو عدت ووجدت دمعة واحدة في عينه لا تلوموا إلا أنفسكم، وأنا جاد حيال هذا الأمر».

«هل ستذهب لوحدك؟».

«لا، سيذهب بريم وإيسترو معي، كان من المفترض أن يذهب موريس لكن بسبب ما حدث لبيرتي تغيرت الخطة، أراكم لاحقًا».

وخرج من الغرفة.

_____________

صباح اليوم التالي.

«تفضل سيد تايلور».

«شكرًا آنستي».

أخد حقيبة بارسيفال من الخادمة ميليسا ببرود، والتفت من الجانب الآخر حتى يركب في كرسيه.

فتح الباب وجلس فيه، وأغلق الباب وهو ينظر لبارسيفال الذي يحدق من النافذة للفراغ، وضع الحقيبة على فخديه بقوة حتى يجبره على النظر له.

استجاب بارسيفال لمطلب الكبير ونظر له.

«في الأمس كنت متسامح، أما اليوم لو اكتشفت أنك تعرضت لتنمر أو التعنيف سيكون عندي تصرف آخر معك ومع الصبيان».

«حسنًا».

بدأ القيادة في اتجاه المدرسة، ويختلس النظر بين الحين والآخر يتفقد الصغير المنكسر.

كسروا له الجناحان الذان يحلق بهما، وباتت روجه أسيرة في جسده، لا تشعر بالحياة، ولا تريد العيش.

«تايلور».

«نعم».

إلتفت ونظر لعيني بارسيفال التي تقابله، نظرة هادئة ومديدة، جوهرها الصمت.. صمت صارخ، يبكي ويرثي الأشعار والقصائد.

نبس الصغير بصوت هادئ دال على مدى الفجوة التي حدثت في قلبه الهشوش:
«هل أنت من استكمل الخاتمة العلمية لمشروع العلوم».

ساد صمت عميق السيارة لدقائق، ارتفعت في تلك الدقائق صوت ضغط تايلور على المكابح، وأوقف السيارة على جانب الطريق.

رفع الصغير نظره للكبير، واعتلت معالم الاستغراب والريبة وجهه عندما قدم الكبير سؤاله بنبرة استنكارية رافعًا أحد حاجبيه:

«أتراني سائقك فقط؟ إذا كنت تراني هكذا فأنا لا أراك هكذا، بارسيفال أنت شخص ثمين في نظري، لهذا لا أريد منك أن تجعل صورتك تهتز أمام نفسك لسبب تافه».

أشاح الصغير رأسه عن إتجاه صديقه، وإتكأ على الباب يتأمل الفراغ أمامه، زفر حتى يقنع نفسه أنه بخير، بينما هو يكذب، عقله في صراع عظيم ضد كرامته وكبريائه.

«أريد أن أفهم يا بارسي، لماذا أنت متشبت بهذه العائلة مع علمك التام أنهم سيتخلصون منك؟ لماذا تشبت بها الآن؟؟ أنت كنت تكرهها».

«أنا لا أكرهها، سأكون وحيدًا بدونها».

«لا أقصد الإهانة بارسيفال، لكنك تبقى ابنًا غير شرعي محسوب وصمة عار على العائلة، هم سيتخلون عنك ولو أحببتهم، تجاهلهم فقط».

أكمل تايلور النظر للأمام متحاشي نظرات الصغير الواهنة، هو لا يريد جرحه لكنها الطريقة الوحيدة لإعادته لرشده.

استمر صمت طويل في المكان، صمت مديد يرثي جملًا تعبيرية تحمل في طياتها ألمًا يحاولان دفنه بتراب مخلوط بالإسمنت.

«أنا أعرفك يا بارسيفال، أعرفك وأعرف أنك لا تنهار بسهولة، لكن عندما تنهار ابحث لي عما يعيدك لرشدك».

«خدني للمدرسة، سأتأخر لو بقينا نتحدث أكثر من هذا».

«وستتأخر حياتك لو لم نكمل حديثنا وتستجب معي، أريد منك إجابة واحدة فقط، لماذا أنت متمسك بآل إيڤالوس بعدما كسروك؟».

بعد أن قابله صمت لدقائق قليلة، وضع كفه الدافئ على كتف الأصغر ليخفف عنه بعضًا من أثقال قلبه المكنون، وقبل أن ينبس لاقاه جواب من الصغير.

«لا أعرف، أعتقد أنني أحببتهم بعد ثلاثة عشر عامًا من التهميش، عندما أظهروا لي القليل من عطفهم لم استطع التخلي عنهم، أنا حساس».

«حساس؟ بارسيفال عد لرشدك، أنت تسقط في الهاوية المظلمة بنفسك، تجر نفسك جرًا لها».

«سأحاول».

شغل السيارة حتى يستكمل طريقه، وبدأ القيادة بسرعة منخفضة، زادها مع الوقت لتصبح مناسبة لطريق، وأجابه وهو يحدق في الطريق أمامه.

«لقد كتبت الخاتمة بالنيابة عنك بعد أن مرضت، لم أخبر رينيرا بأنني من كتبتها لهذا ظنت أنك أنت».

«شكرًا لك تايلور، أشكرك من قلبي على ما تقدمه لي».

«على الرحب».

_____________

قصر آل ديڤارو.
قاعة الوجبات العائلية حيث يجتمع جميع أفراد العائلة يتناولون فطورهم في هدوء.

طاولتان إحداهما للكبار والأخرى لصغار.
يترأس الطاولة الكبرى رب العائلة فيليب ديڤارو، ويترأس الطاولة الصغرى أصغر الأبناء المحسوب للأحفاد دانيال ديڤارو.

رفعت روزالي رأسها ونظرت لابنة خالها التي تقابلها، فنظرت المعنية لها حتى تعرف ما تريده.

لم تتكلم بل أدارت رأسها ناحية اليمين، فاستقبلتها نظرات داميان الذي يجاورها، زفرت بخفوت تحاول تخفيف ألمها العميق.

ووقفت، نظر الجميع لها باستغراب، وقبل أن يتحدث خالها تكلمت مخاطبة جدها بصوت رزين:

«جدي فيليب، سيأتي سائقي لأخدي للمدرسة، أتمنى أن تكون متفهمًا أنني أريد الذهاب مع يوري».

قابلها صمت لدقيقة كاملة، ثم كسر بنبرة رجولية هادئة كهدوء حيوان مفترس قبل دقائق من إنقضاضه على فريسته، وهو مخيف لحد كبير.

«افعلي ما يحلو لك روزالي، فقط لا تجلبي المتاعب لأمك».

«حسنًا».

والتفتت لتذهب ناحية الباب الكبير، لكن قاطعها صوت أنثوي تمقته، تكرهه، لا تطيقه، إنه صوت ابنة خالها جانيت.

«روزالي، لقد سمعتك تقولين أنك ذاهبة لريڤيل، هل حقًا ستذهبين لفخامة ريڤيل؟».

توقفت روزالي عن المشي، وأغمضت عينيها تحلل سبب كون ابنة خالها حقيرة، لكنها لم تجد تحليلًا منطقيًا فإلتفتت لها، ونظرت لها ببرود.

إنها الشقراء التي تجلس في آخر طاولة البالغين، التي انتقلت لطاولة البالغين قبل شهرين عندما بلغت الثامنة عشر.

«أنا لن أذهب لفخامة ريڤيل كي أتسكع، لقد أخدت موافقة جدي وهذا يعني أن لا شأن لك بذهابي، استأذنكم».

وخرجت.

_____________

بعد ساعات قليلة ثقيلة.

«إذًا.. أممم.. تشاربن، إيڤالوس، إغواسيت، أخبروني ما سبب مافيا الشوارع التي قمتم بها في ممر المدرسة».

نظر الثلاثة لبعضهم، ثم فتحوا أفواههم معًا ليخبروه عمّا حدث، فرفع يده حاثًا ثلاثتهم على أن يغلقوا أفواههم.

تحدث بنبرة هادئة، وهو يرخي ظهره على مسند الكرسي.

«بارسيفال».

«نعم».

«هل أتصل بجدك أم أحد عمامك المتفرغين؟».

صمت الصغير لدقائق قليلة، ثم رفع رأسه ونظر لرجل الذي أمامه، رجل في أول ثلاثيناته، يتميز بشعر أسود كليلة سرمدية لا نهاية لها، وعينين رماديتان مظلمتان مخيفتان كعيني والده، وبشرة سمراء قليلًا.

«لنحل الأمر بشكل ودي فيما بيننا».

«كما تريد».

فتح باب الإدارة ودخل المدير إدريان لوحده، نظر لثلاثة ثم نظر لابنه الأوسط، وعقد حاجبيه بانزعاج.

«ماذا حدث ستيرلينغ؟».

«عراك في ممرات المدرسة، يخالون أنفسهم في وكر لتجار المخدرات».

«بارسيفال إن سائقك ينتظرك أمام الباب، تشاربن لقد وصل سائقك، إغواسيت جان إن والدك ينتظرك، توقفوا عن العراك يا صبية، نحن في آخر العام الدراسي، وأنتم الثلاثة أشخاص جيدين لا أعرف ما الذي جعلكم تتعاركون».

استغرب جميع من في الإدارة أن المدير لم يغضب من سلوكهم الذي يعتبره شاذًا عن قوانين المدرسة، بل حدثهم بصوت هادئ لا يحمل من المشاعر إلا النصح وقليل من العتاب.

«غادروا الآن، سأسمح لكم اليوم أن تنصرفوا بلا عقاب، لكن حذاري أن تعيدوها».

غادروا الإدارة بهدوء، فأغلقت رينيرا الباب خلفها، ونظرت لجان الذي ينتظرها بينما بارسيفال غادر.

«هل لي أن أعرف ما مدى علاقتك ببارسيفال يا آنسة رينيرا؟».

«لا علاقة لك».

دفعته باستخفاف وغادرت المكان بهيبة، لديها كاريزما غريبة ومخيفة في نظر من لا يعرفها.

«أنتِ شيطانة يا رينيرا».

«الحمير وحدها من ترى الشياطين يا حمار إغواسيت».

ردت عليه بكل تكبر تملكه، ولم تلتفت حتى لرؤيته، بل أكملت المشي وهي ترفع رأسها بتكبر وخيلاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

«لا تفتح عينيك بارسي».

مرت دقيقتين والصغير مغلق لعينيه بطلب من تايلور، نبضاته هادئة وجسده مرتخي فهو يعلم أن الذي يخاطبه ليس وغدًا أو مريضًا نفسي.

مع أنه شعر بثقل بسيط على فخديه، لكنه لم يفكر أن يفتح عينيه، يعلم أن صديقه لن يؤذيه.

«افتح عينيك».

فتح الصغير عينيه بخفوت، واستغرب من الصندوق الكرتوني الذي على فخديه.

صندوق متوسط الحجم، مربوط بشريط أزرق ملكي جميل، متشكل على شكل وردة بديعة، نظر لتايلور بذهول عندما راودته فكرة ما.

فشعر بوجدانه يضخ مشاعر الفرح في كل زوايا جسده الدقيقة، ليشعره بنشوة لم يشعر بها من قبل.

ابتسامة تايلور البشوشة جلبت شعورًا مسترخيًا لقلبه، شعور هدّأ اضطراباته السابقة التي سببتها عائلته بلا مبالاة به، وجملته أسكنت ما كان يصرخ جزعًا بداخله.

الذكرى المريرة التي لا يحبها، تذكرها أحد بلا عتاب منه.

«يوم ميلاد سعيد أيها الأمير الصغير، مهما بلغت ستظل طفلًا في نظري».

«شكرًا لك تاي».

«لماذا الشكر؟ أتظنني لن أتذكرك أم أنني غارق في هاتفي عشقًا؟ مع أنني أظن أنك شككت بالجزئية الثانية، افتح هديتك وقيمها لي من عشرة».

أنزل رأسه ونظر للهدية بريبة، غير مستوعب لماذا يريد تقييمًا عليها، لما يريد تقييمًا على هديته؟!

رفع يديه الصغيرتين ووضعهما على الشريط وسحبه بخفة، ففتح وأفرج عن الغطاء الكرتوني، فرفع الغطاء حتى يعرف محتوى الهدية.

شُق ثغره ببسمة زاهية أظهرت حسن وجهه، فكرة أن أحدًا تذكر يوم ميلاده وجهز هدية خصيصًا له تشعره بالانتعاش، والراحة لأن هناك من سيفتقده لو مات.

«لا أعرف ما إذا كانت ستعجبك أم لا، لقد تعبت وأنا أحلل شخصيتك وأبحث لك عن هدية مناسبة، أعلم أنك تحب كتابة مذكراتك كالفتيات».

أنزل الصغير بصره ونظر للصندوق الموضوع على فخديه، يحتوي على ساعة فاخرة تتميز بالزرقة المشرقة، ونظارة ذات عدسات زرقاء كحلية، ومذكرة صغيرة بحجم كف اليد ذات غلاف قطني أزرق، مرفق معها قلم موضوع في مكانه المخصص.

كل شيء مرتب بأناقة، خصوصًا البروش الذهبي المتشكل على حروف HYB، لفت نظره لأنه لم يعرف ما الغرض منه، فسأله بريبة:

«ما المقصود بهذه الحروف؟».

«المقصود "Happy year Barsval" أخدت أول حرف من كل كلمة حتى تتذكر أنني لم أنسى ميلادك، وسأقولها لك الآن، كل عام وأنت بخير بارسيفال».

شقت الابتسامة البديعة وجه الصغير مظهرة سعادته الشديدة.

«بالمناسبة، سنذهب سويًا لليابان، لقد جهزت مكان إقامتنا، وجهزت كل شيء، سانتظر حتى تنهي امتحاناتك فحسب».

«حسنًا، شكرًا على الهدية، إنها تستحق مئة درجة وليس عشرة».

«إذًا أبحاثي لم تذهب سدى، هذا مريح، لنكمل الطريق صديقي الصغير».

شغل السيارة المتوقفة على جانب الطريق منذ مدة، وبدأ القيادة بتوازن، ابتسم بخفة عندما رأى فرحة الصغير الكبيرة.

لقد استطاع إدخال السرور لقلبه، وهذا ما أراده، ود أن يخفف عنه الضغط الشديد الذي يعانيه مِمَن يخالون أنفسهم أسرة مترابطة.

«أشكرك».

«على الرحب والسعة عزيزي بارسيفال».

_____________

دخل الصغير بعد أن عاد من المدرسة لساحة قصر عائلته، يضم الهدية لصدره ويمشي.

عندما وصل لدرجات التي ستدخله للقصر، رأى هاري ينتظره بالقرب من الباب.

توقف عن الحركة ونظر له باعتيادية، نظرة لا تحمل أي مشاعر، لا كره، ولا حب، ولا حقد، ولا بغض، نظرة عادية هادئة لا يمكن دراستها.

«الحق بي، أود الحديث معك».

«حسنًا».

نزل هاري الدرج، وذهب يسارًا، فلحق بارسيفال به وهو يترك مترًا بينهما، لاحظ هاري هذا لكنه لم يعلق، يعرف أن الصغير لا يثق به.

فور وصولهما للحديقة اليسرى للقصر توقف بارسيفال.. توقف عندما رأى عمامه الأربعة يجلسون على الكراسي مع جده، وينتظرونه.

ضغط الصندوق على صدره، يحاول تهدئة نبضه الذي اهتاج، يشعر بشيء يرقص في صدره.

تقدم بتوتر واضح الى أن وقف على بعد خمس أمتار منهم، بينما هاري جلس على الكرسي.

تكلم الجد بصوت هادئ يحاول دعمه ببعض من الحنية:
«اجلس».

«لا، شكرًا لطلبك، أنا مرتاح هكذا».

«حسنًا، أيمكنك أن تتقدم مترين للأمام حتى يكون حديثنا منخفض».

نفذ الطلب وهو يرتجف، يشعر أنه سيقتل لو أخطأ في حرف واحد، أنفاسه غير منتظمة، وخوفه جعله يعتمد على فمه فيما يسمى التنفس.

يشعر بضغط شديد من حوله، مع أن هالتهم هادئة تجاهه لكنه خائف، خائف حد النخاع وما بعد النخاع.

بطنه أصبحت تتقلب منبهة إياه أنه في منطقة خطرة وقابلة للاشتعال والتفجير.

«اهدأ، لا تجزع بلا سبب».

«حسنًا».

أشاح نظره من ليام وتبثه على جده، هذا ما لا يريده، لقد عرفوا أنه خائف، من السهل الانقضاض على فريسة ترتعب من مفترسها.

تكلم أكبر المفترسين بصوت هادئ خافت:

«اجتمعنا لتحدث معك، أنا أعرف أنك مكسور ولا تريد سماع أي شيء منا، لكننا نريد سماع كل شيء منك، أنا أعترف أن هاري أخطأ في حقك، وليام أخطأ في حقك، ومارون وجريجوري أخطآ في حقك، وأنا كذلك لا أبرئ نفسي من هذه التهمة، جميعنا أذيناك إن لم يكن جسديًا فنفسيًا».

صمت قليلًا ليعطيه فرصة على الحديث لكنه ظل صامتًا يستمع لموشحته المملة، لقد أتت هذه الجمل بعد أن فات الأوان، أمسى لا يحس بمعانيها ولا بأهميتها.

«لهذا قررنا منذ اليوم أن نمنحك حياة هانئة كأبناء عمومتك، لن يضغط عليك أي أحد، لن يؤذيك أي أحد، وسـ…».

قاطع بارسيفال جده بصوت مهزوز يحاول ضبطه حتى لا يبدو مكسورًا:
«إلى البلوغ».

«البلوغ؟».

«إلى الثامنة عشر، إلى أن تحين لحظة شؤم الثامنة عشر، شكرًا على ما ستقدمونه لي لكنني لا أريده، من المؤلم انتظار شيء على أحر من الجمر ثم يأتي متأخرًا على رماد بارد خلَّفه الفحم، لقد انتظرت هذه الكلمات أربع عشرة عامًا، و عندما تخليت عنها قلتموها لي».

تحدث هاري بلا استيعاب لكلام الصغير الغير منطقي:
«ماذا تقصد بشؤم الثامنة عشر؟».

«لا تحاولوا إخفاء الأمر بعد الآن، أنا أعرف هذا منذ ثلاث سنوات، سيتم سحب الاسم مني والتبرؤ مني فور بلوغي الثامنة عشر، لا ألومكم فأنا وصمة عار عليكم، ألا يكفي أنني عشت بلا أم ولا أب، لا ألوم كلارينس فربما كنت شيء لم يرده، لا ألوم أي أحد، كان وجودي خطأ، فكلارينس لا يريدني، وإلينا لا تريدني، لن ألوم أي منكم، فأنا آكل وأشرب وألبس من فضلكم».

تكلم أنطونيو بجدية بسيطة، ونبرة ثابتة:
«ما الذي تريده بالضبط؟».

«الخلاص».

سأل فيليكس:
«ما الخلاص؟».

«أتركوني وشأني، لا تهتموا لي، سأكون هادئًا طوال الأربع سنوات المتبقية، لن أخالط أي من أبناء عمومتي حتى لا أؤذيه، لن أدافع عن نفسي حتى لا أشغلكم في الاستدعاءات، لن أصدر أي ضوضاء أو ضجيج ستنسون وجودي مع الوقت، إلى أن يحين التاسع من يونيو 2020 سأغادر العائلة بهدوء ولن ترون وجهي بعدها».

انحنى بأدب ثم وقف ونظر لهم بشحوب، وأضاف آخر جمل لهم بصوت شخص ظلم من الحياة إلى أن تعب:

«اعتروني مت، لأنني مت داخليًا، استأذنكم».

ذهب من دون أن يسمع صوتًا منهم، لكنه توقف عندما قرر إضافة جملته الختامية وهو ينظر لهاري.

«أقسم لك أنني لن أؤذي روزالي ولا لمرة في حياتي، أقسم أنني لم أنظر لها بشهوة ولا مرة في حياتي، كانت نظرتي لها كأنها أختي الصغرى، أنا أحببت روزالي وليونارد كإخوة، لكن أعدكم منذ اليوم ألا أتحدث معهم ألا أنظر لهم، سأتحمل هذه اللعنات الأربع ثم سأختفي مثلما ظهرت».

وأكمل مشيه مغادرًا تلك الحديقة، تنهد فيليكس بحسرة على ما صنعوه بأنفسهم، ونبس حروفه بكل أصناف الندم المتنوعة.

«وها قد صنعنا كلارينس جديد، نسخة أشد انكسارًا، نسخة وحيدة لا تمتلك أحدًا تستند عليه ككلارينس، أتمنى لك السكينة بارسيفال».

ساد صمت طويل المكان لدقائق قليلة، قطع بصوت رنين هاتف هاري، فأخرجه من جيبه ونظر له.

«ما الذي يريده هذا المختل الآن؟».

أجاب على الهاتف، ونبس بصوت جاد فورًا:
«إذا كنت متفرغًـ... ماذا؟!!».

وقف باندفاع يستمع للمتصل في هاتفه، ولاحظ نظرات إخوته المستغربة.

«وأين هي الآن؟».

بما أنه سأل بصفة المؤنث، وتفاعل كامل التفاعل مع ما يسمعه، فهذا يعني أن الموضوع فيه ابنته.

«حسنًا، وداعًا».

أغلق هاري الخط، ونظر لوالده بنوع من العبوس الطفيف، فسأله والده بجدية بسيطة:
«ماذا حدث؟».

«ابنتي ارتكبت جريمة في ريڤيل».

تكلم الأب بصوت مستغرب من مضمون الكلام:
«روزالي في ريڤيل، كيف هذا؟».

«لا أعلم، قال ستير أنها ذهبت مع موريس، سأتصل به وأرى ما حدث منه».

وذهب فور انهاء كلامه.

يتبع …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، زلزل الأرض تحت أقدامهم.
لا تنسوا الدعاء لأهلنا في فلسطين والسودان ولبنان.

تقييمكم للفصل؟

ما عندي أسئلة لفصل اليوم.

لكن لحظة … ما رأيكم بطريقة الكتابة لهذا الفصل؟ أحسها ضعيفة عن بقية الفصول.

نجمة٭تعليق٭متابعة

استدعكم الله.

Continue Reading

You'll Also Like

52.9K 3.6K 18
وسط نيران حربٍ لا تنتهي بين المافيا الإيطالية والإسبانية، يكتشف ايان أن الرجل الذي ربّاه كأب هو العدو اللدود لوالده الحقيقي. ممزقًا بين الدم والولاء...
88.3K 3.8K 31
طفلي المميز بعد التعديل اصبحت باسم ابي فتى بريء يعيش حياته بجانب والده، ذلك الرجل الذي يراه قدوته الأولى وحاميه الوحيد... لكن ما لا يعلمه الفتى أن و...
34.7K 2.4K 19
ماذا لو قابلت إبنك المفقود بعد سنين؟ كمجرمٍ.. عائِلِيَة نَظِيَفَـة. بدأت :- ٨ - ٥ - ٢٠٢٥ إنتهت :- - جمـيع الحـقوق محفوظة لـي ككاتبة ولا أسمح بالإقتبا...
101K 8K 20
متمرد، سليط اللسان، كثير المشاكل، ويغضب على كل كبيرة وصغيرة. كانت هذه صفات المستذئب كيران الذي كان والديه يكرهانه على عكس توأمه الذي كان محبوبًا من ق...
Wattpad App - Unlock exclusive features