في ذلك الركن من هذا الزقاق، تحديدا في ذاك المقهى الذي لا يعرف احد موعد فتحه او اغلاقه جلست هي بأناقتها المعهودة حتى انك تحسها جزء من الاطار الذي تجلس فيه. في هذا المقهى بديكور يعود للعهد الفكتوري جلست هي بِطَلة كلاسيكية تتصفح المجلة الموضوعة امامها بكل أناقة.. لا تسألني كيف يقرأ المرء بأناقة، كل ما عليك فعله هو ان تنظر لها... هاهي تضع المجلة لترفع بأصابع رقيقة فنجان القهوة ليلامس الورد على شفتيها لتغمض عينيها و تغيب في لذة المخدرات الاسود... ثم تعود لتمنح الدنيا شرف رؤية العسل في مقلتيها... لابد لك يا أبني ان تحذر، لا تمعن النظر هكذا فلا احد منيع ضد لعنة الحب، لا تسأل عنها صاحب المقهى، و لا تحاول أن تتبعها الى دارها، لا تنظم فيها القصائد، و لا تتجرأ أن تنقل جمالها على ورق، لا تغرنك وسامتك و تحاول استمالتها، لا تسعى ابدا الى كسب قلبها و لا تحاول انت الدخول اليه... لا ترمقني بهذه النظرات، و لا تتعبني بعدة تساؤلات فأنا يا أبني شيخ هرم... لماذا! ؟ هل انت مصر؟ و للإجابة منتظر.. كنت قد نسيت حقا فضول الشباب... تلك الجالسة هناك يا بني لعنة قديمة قدم الزمن، تلك الحالمة أذهبت عقول شباب جيلي و أحالت عاقلها مجنونا... لا تبتسم في الخفاء هكذا فأنا رغم عمري لم يصبني الخرف .. تلك الجالسة هناك لعنة قديمة قدم خطوط الزمن على بشرتي... لم يدري احد موطنها، لم يعرف احد دارها و كل من حاول ابقائها لنفسه هلك... لا تعجب يا بني و لا تندهش... اهي لعنة من السماء ام حورية اعماق الوديان؟ لا تسأل، و في الأمر لا تبحث، لا تتبع قلبك و احكم عقلك لا تتسرع فتهلك... أقص عليك هذه الحكاية فقصها على أولادك و أحفادك، أن لا تتبعوا الملاك الذي يقبع في هذا المقهى الذي يجلس إلى نفس الطاولة و يتناول من نفس قدح القهوة على مر العصور... قل لهم أن نظرة واحدة كافية و أن إتباع الهوى في بعض الأحيان تهلكة... لتنعم سلطانة الحب بقهوتها الأبدية في هدوء و لننعم نحن أولاد هذه البسيطة بحياة بسيطة...
