الساعة الثالثة صباحاً، سيارتي اسعاف مسرعات نحو مدخل غرفة الطواريء في مدينة صغيرة بجانب منهاتن، نيويورك.
تقف السيارة الأولى و يهرع الأطباء لمساعدة المريض المغطى بالدماء. ثم يصرخ مسعف من الجانب الأخر "هناك حالة حرجة تعالوا بسرعة"، تتجه انظار الأطباء للسيارة الأخرى ليروا فتاة بوجه شاحب و أم تكاد تسقط من القلق.
نادوا فريق اطباء آخر و نقلوا المريضين إلى داخل المستشفى بالسرير المتنقل.
-في صباح اليوم التالي-
قهقهات و أصوات ضحك تملأ جناح المرضى، فتاة نحيله شاحبه تتنقل بين الأسِّرة، تمشي بسعادة و تقفز فيقفز شعرها البني المتموج ليظهر لمعان خصلها الوردية. تداعب المرضى و تحكي لهم قصصها و مغامراتها و تغمرهم بحبها و سعادتها.
سكاي، فتاة شُخصت بمتملازمة فشل القلب بوقت مبكر في حياتها، عانا جدها من نفس المرض و وافته المنية قبل زواج امها بوالدها.
سكاي الآن بعمر ال٢١، اكملت الثانوية و قررت ان تجول العالم، لكن الأطباء لم ينصحوها بذالك بسبب حالتها الحرجة فهي تأتي إلى المشفى مرات متعددة بالشهر. إلا ان سكاي اصرت و بشدة، فعرض عليها الأطباء عملية جراحية يقوموا بوضع آلة تحفز القلب على ضخ الدم. وافقت سكاي و والديها بدون تردد و تقررت العملية بعد ٣ أشهر.
في أحد ممرات المشفى نفسه فتى يمشي بقدمين ثقيلتين، يتمتم مع نفسه "لم انجح هذه المرة ايضاً، لا اصدق كم انا فاشل"
"جو" صوت امرأة تنادي يغمر هدوء الممر في صباح يوم الإثنين
"جوزيف طفلي العزيز" يلتفت جو ليرى خلفه والدته آنا تمشي مسرعة لتعانقه
"طفل؟ آنا انا في العشرين من عمري توقفي عن معاملتي كطفل" و يحاول ابعادها عنه
تنظر آنا إلى ابناها جو و عيناها تذرف دموعاً "قل لي عزيزي ماذا فعلت لك لتعاملني هكذا؟ ماذا فعلت لك لتعامل نفسك هكذا؟ هل يمكنني فعل أي شيء لمساعدتك؟"
لم يدع جو والدته تكمل حديتها و مشى مبتعداً عنها لا يدري إلى أين و لكن كل ما يعرف انه لا يريد رؤية احد، ولا حتى رؤية نفسه.
وقفت سكاي مدهوشة بعد سماع الطبيب يخبرها بأن حالتها غير مستقرة ابداً و لا يستطيعون اجراء العملية التي اتفقوا عليها، و أن الحل الوحيد المتبقي لها هي عملية زراعة قلب، و أخبرها انه وضع اسمها بالقائمة لتنتظر دورها..
حاولت سكاي كبح دموعها، فهي لا ترضى لأحد ابداً رؤية جانبها هذا و تحاول ان تبقى دائما متفائلة سعيده، لذا جرت و تركت خلفها عائلتها و الأطباء لتذهب إلى أي مكان لا يوجد به أحد.
تسلقت الدرج و تسلقت و تسلقت، حتى وصلت إلى اخر دور منهكة تكاد تقع و وجنتيها مبتلتان بالدموع مسحت أحمر الخدود الذي يملأ وجهها. فتحت الباب و اذا بأشعة الشمس تعمي عينيها من قوتها، وضعت كفها امام عينيها لترى، و خرجت.
خطت خطوة على سطح المشفى و شعرها كان يطير بكل الإتجاهات بسبب الرياح الشديدة. "أوه ماذا يفعل؟" سألت سكاي نفسها بعد رؤية فتى طويل القامة نحيل الجسد، شعره الأشقر يغطي عينيه بينما يتوجه إلى حافة المبنى هو بالكاد يرى و يتخبط بالمشي.
بدأ الفتى يتسلق ليصعد على الحافة، ركضت سكاي مستخدمة آخر طاقتها التي تبقت بعد تسلق كل تلك الدرجات، و صرخت "توقف! يا إلهي ماذا تفعل؟" التفت جو إليها بدهشة، و بدأ بالبكاء.
اقتربت سكاي عدة خطوات ببطء لكن جو صرخ "لا تقتربي!" توقفت سكاي خائفة لا تعلم ماذا تفعل "لكن" سكتت للحظه ثم اكلمت حديثها بصوت عالٍ يرجف "ايها المجنون الغبي، هل تعلم كم انت بنعمة لانك على قيد الحياة تتنفس و تتحرك و تأكل و تشرب؟ كيف يمكنك ان تفعل شيء غبياً مثل هذا؟ هناك اناس لا يعلمون ان كانوا سيستيقظون غدا ام لا و يتمنون يوم واحد اخر فقط و انت هنا تحاول ان تموت؟" بدأت سكاي تبكي مرة اخرى و جلست على الأرض تحاول ان تلتقط انفاسها بين شهيق بكاءها.
نزل جو و اقترب من سكاي مستغرباً من ردة فعلها، "هل.. هل انت بخير؟" رفعت سكاي رأسها و رأت عينا جو الغامقه تغمرها حُمره و سواد حولها تنظر قلقه الى سكاي.
مسكت سكاي يد جو المتدنية اليها ليساعدها على الوقوف، و سحبته لها بقوة و ضمته، ضمته بشدة و هي تقول "حمداً لله، حمداً لله" ابتعد جو و دفعها عنه "ماذا تفعلين؟" ابتسمت سكي و هي تمسح دموعها "هل نخرج من هنا؟"
