الحلقة 1

120 5 0
                                        


حين رأيت "حاتم" قادما من بعيد لم أصدق عيناي لأول وهلة، فركتهما بيدي متوترا وحين فتحتهما لم يتغير شيئا. ها هو قادم نحوي.. ربما شخص يشبهه.. قلت لنفسي وأنا أزدرد لعابي "يخلق من الشبه أربعين" بما القادم واحد من التسعة وثلاثون الآخرين، لكن حين صار على مسافة قريبة مني تيقنت أنه "حاتم" نفس البدانة والسماجة وثقل الظل، نفس طريقة المشي، نفس البذلة التي رأيته يرتديها أخر مرة..
-صباح يبشر بيوم جيد... ها؟
قالها بنفس صوت "حاتم" ، وهي الجملة التي يقولها دوما لمن يقابله في الصباح.. ثم مد لي يده في هدوء مضيفا:
-صباح الخير..
لم أستطع قول أي شئ.. كنت أرتجف وأنا أحدق فيه مذعورا.. نفس الإبتسامة البلهاء مرتسمة على وجهه.. يده ما زالت ممدودة إلي
-ما بك؟ هل أنت مريض؟
قالها ببرود لا يخلو من قسوة.. نفضت عني الذعر الذي جعلني أقف متسمرا أمامه وأبتعدت عنه في خطوات سريعة أقرب للعدو.. وأنا أغمغم في إنفعال:
-كيف حدث هذا بحق الشيطان؟!
ف "حاتم" أخر شخص في العالم كنت أتوقع أن أقابله في هذا الصباح، أو في أي يوم آخر... كيف بالله عليك يمكن أن تقابل شخصا قمت بطعنه ست طعنات بسكين ثلاث منها في قلبه؟ ثم سرت بعدها في جنازته.. قل لي كيف؟
***
كنت جالسا في مكتبي أرتجف من الذعر والتوتر.. ما هذا الذي رأيته؟.. هذا مستحيل.. "حاتم" مات أنا متيقن من هذا.. من المستحيل أن يعيش شخص تلقى ثلاث طعنات في قلبه.. وحتى إن لم يكن قد مات بطعنات السكين، كيف سيحيا شخص دفن في قبر وأهيل عليه التراب؟! هذا ليس "حاتم" بالتأكيد، هذا شخص يشبهه... لكن الصوت؟ والتحية؟ أليس صوت "حاتم" وتحيته؟... لابد أنني توهمت هذا.. فقط لأنني رأيت شخص يشبه "حاتم" تكفل عقلي الباطن -وربما إحساسي بالذنب أو بالذعر لا فرق- بتخيل أن الشخص الذي يشبه "حاتم" قام بتحيتي نفس التحية التي يحييني بها هو وبنفس صوته... أرتحت لهذا التبرير غير المنطقي وأعتبرته الحقيقة المطلقة.. -أنت تعرف حيل الدفاع النفسي- أخرجت سيجارة من علبتي وأنا أتنهد مبتسما، وجذبت نفسا عميقا.. وقبل أن أنفثه دخل "حاتم".. وجلس في مكتبه المواجه لمكتبي.. وهو ينظر نحوي نظرة باردة صارمة جمدت الدم في عروقي!
***
"حاتم" زميلي منذ أكثر من خمس سنوات فنحن نعمل معا في شركة هندسية. ورغم سنوات عملنا الطويلة نوعا ما، ورغم أننا نعمل في مكان واحد ومكتبه يبعد عن مكتبي مسافة ثلاثة أمتار تزيد أو تنقص قليلا. إلا أن علاقتي به لم تتعدى حدود الزمالة.. فهو ليس من النوع الذي يمكن إتخاذه صديقا. فهو شخص مغرور و سمج وثقيل الظل إضافة لعلاقته المشبوهة بالمدير التي جعلت زملائنا يطلقون عليه لقب "ساقطة المدير" فكل كبيرة وصغيرة وكل كلمة تقال لابد أن يقوم بإيصالها للمدير لعله يحظى بمكانة أفضل من الآخرين -وهو ما يحدث دوما- ف "حاتم" من الأشخاص الذين إذا أعتمدوا على موهبتهم فقط لكان الآن ماسح أحذية .. فهو قد تخرج من الجامعة بمساعدة عمه مدير كلية الهندسة، وعمل معنا بواسطة من خاله صديق مدير الشركة، وبالمناسبة هو لا يحتاج للوظيفة أصلا.. فهذا الشخص اللزج الرخو لم يبذل مجهودا طوال حياته ليحصل على شئ ما. فقد ولد وفي فمه ملعقة من الماس وليس الذهب فهو الإبن الوحيد لتاجر ثري جدا، ورث عنه بعد موته ثروة يمكنه أن يعيش بها ملكا لقرون دون أن يفلس.. لكنه يعمل فقط لأجل الوجاهة الإجتماعية.
ولأنه لزج ومتملق وواشي وسمج ومغرور لم يكن أحد يطيقه في مكان عملنا -طبعا بإستثناء من يتملقون له ليذكرهم بالخير عند المدير- وهو يعلم تماما مدى كرهنا له، لكن هذا لم يزده سوى غرورا وسماجة وثقل ظل.. لذا حين يأتي في الصباح نافشا ريشه كديك أبله ويحيي من في المكتب بتحيته البغيضة مثله:
-صباح يبشر بيوم جيد... ها
لا ينتظر ردا من أحد.
***
كنت جالسا في الكافتريا التي تقع بجوار الشركة التي أعمل بها وأنا أشعر أنني سأسقط فاقدا للوعي في أية لحظة.. كنت أشعر بالإرهاق والذعر والمرض... "حاتم" حي.. يا إلهي.. "حاتم" لم يمت!! لكن كيف؟ كيف؟.. أنا واثق تمام الثقة أنني قتلته.. وحتى لو لم أكن واثقا فماذا عن تقرير الطبيب الشرعي؟ وماذا عن الذين قاموا بتكفينه ودفنه في قبره؟.. هل من المعقول أنه دفن وهو لم يمت وأكتشف حارس المقبرة -لا أعرف كيف!! - هذا الأمر وقام بإخراجه من قبره؟ .. لكن نحن لا نتحدث عن سكتة قلبية يخطئ طبيب في تشخيصها ويدفن المرء لأن الطبيب قد أعلن موته، ليصحو المرء في قبره لأنه لم يمت أصلا!! نحن نتحدث عن ست طعنات بسكين!!
كنت أفكر في كل الإحتمالات وأقلبها في راسي، إلا إحتمال واحد حاولت جاهدا ألا أفكر فيه وهو أن يكون هذا شبح "حاتم" قد جاء لينتقم مني..
كنت ساهما فلم أشعر بالشخص الذي جلس في المقعد الذي بجانبي في الكافتريا.. لذا أنتفضت في ذعر حين سمعت صوته:
-هل تسمح لي بشرب كوب قهوة معك؟
وحين رفعت راسي أصطدمت عيناي بعيني "حاتم" الباردتين، القاستين.
#يتبع

العائدStories to obsess over. Discover now