مُنذُ خامرتني ملامحُ وجهي وَأنا أمسك هاتفي بين يدي، أُقلّبُ غطاءه.. أفكِّرُ فِي وَسن، كيفَ كَانت تَعيش بهذَا الجمال! لا يسعني تَخيُّلُ كيفَ كنت أعيش، وما كنتُ أفعل.
أتعبَّثُ في هاتفي.. أجُول في مَعرضِ الصّور، كم كانت اللقطات في هَاتفِي كثيرةً جدًّا.. بسيطةً جدًّا؛ يبدُو أنِّي التقطتها كلّها لنفِسي، والآخر بنفسي.
شَيءٌ من وجهي، شيءٌ من بياض، بعضُ الأهداب ونصفُ عين.. نصفُ شفاه. اللقطاتُ كانت دافِئة جدًّا، وتُثير فيَّ الكثيرُ من التساؤلات:
هل كنت معجبةً بنفسي؟ من كان يرى هذهِ الصّور؟ أيّ انطباعٍ يُؤخذ عني لما تُرى هذهِ الصّور؟
أكملتُها، بعضُ الشّرفات.. أوتارِ جيتار، بعضُ الصّفحات.. أشياءٌ كثيرة، انتهت بعدَ تأمّلٍ طويل بـصُورةٍ لِشاب!
شاب.. مَلامحه بَريئة جدًّا، بشرته بيضاء جدًّا، وبيَاضهُ مُشوبٌ بِحمرةِ شَفتيه؛ كَقشطةٍ يُخالطها التّوتُ؛ فتغريكَ أن تُدنيها مِن شفتيك!
عَيناه حبَّتا لوزٍ؛ تظلّهما أهدابٌ طَويلة.. تَخبئُ لونهما، تفضحُهما.. عينانِ ناعستانِ جدًّا!
كَان جَميلًا فَوقَ الحدّ الذِي يَقوى عَليهِ جَسدِي أن يَحتفظَ برعشتهِ فِيه؛ فَتنتقلُ للقلبِ فقط.. ليرتَعِشَ هُو وَحده في خَفقانٍ سريع.. وإغلاقِ هاتفي، رميهُ بعيدًا عنِّي في شعورٍ أنِّي انتهكتُ حُرمةَ نفسي عَلي.
ولا أعلمُ لمَ.. شَعرتُ أنَّ هَذا الجمالُ يرتبطُ بالشَّخصِ المدعُوِّ وطن.
* * *
ملتفُّون حولي، والدانِ على مقعدينِ بجانب السرير، وَأُختٌ تبلغُ الثّامنة عشر (رواء) جلست على طرفِ السّريرِ بقربِ والدي، وأخٌ يكبرهَا بعام (بهاء) جلس بجانبي، على يساري.. وَشيماء كانت معهم أيضًا، في أقصى الغرفة.
كان الحديثُ قائمًا بهدوء، كخيطِ دُخانٍ ناعم يُعرَجُ بِه إلى السّماءِ ويتشتّتُ بعدها، الذّكرياتُ من عائلةٍ تحاول أن تربطني بها، وأنا لا أشعرُ إلا برغبةٍ في الاعتذار لأني لا أذكر شيئًا!
تحدَّثت رواء عن اليومِ الذي فقدتُ فيهِ ذاكرتي، كان آخرَ شيءٍ أُشاركهم إياه هو وجبة الإفطار، ويبدو أنِّي لم أتكلم معهم كثيرًا حينها.
بهاء لم يتحدث عن ذاك اليوم كما فعلت رواء، كان يقفزُ بالكلماتِ ناحية ذكرياتٍ صاخبة تثيرُ الضّحك، وصدى ضحكاتهم يحفرُ في داخلي خندقًا يتيمًا لا أحد له.
والدتي لا يبدُو أنَّها شاركتني كثيرًا من أحداثِ حياتي، أو ربّما اكتفى قلبها المثقلِ بهمِّي أن يتركَ لأبنائها محاولة إعادةِ ذاكرتي وهيَ تُراقبُ فقط، لا قدرة لهَا على فتحِ قلبها أكثر.. لئلا ينفتقَ الجُرحُ بشكلٍ أكبر.
والدي.. كان يشاركهم الضحك، وبعضًا مِنَ الذّكريات؛ ذكرياتٌ طفولية، أو بعضٌ من عاداتي.. كقراءتي للكتبِ أمام التلفازِ وزعمي أنِّي أقرأُ وأُشاهدُ معًا.
أو إغلاقي للبابِ طويلًا جدًّا حينَ أبكي منهم، لا يسمعُون مني إلا صوتَ أوتارِ جيتارٍ لي.
أخبرني بهاء أنِّي أُدمنُ السَّهرَ على جهازٍ محمولٍ لي، وأُدمنُ الاستيقاظَ مبكّرًا أيضًا! أخبرتني رواء أنَّ كُلّ شيءٍ أُحبّه أحتفظُ بصورةٍ لهُ في هاتفي.
كانُوا يخبروني بكمٍ ضخمٍ من المعلوماتِ التي لا أستطيعُ التركيز عليها، ولا ربطها بذاكرتي، رغمَ أنَّ بعضها يبدو مألوفًا لي أنِّي أفعلُه؛ رغمَ ذلك أشعرُ بالعجبِ منه!
شعرتُ بالخوفِ، بالرّعب.. بالحُزنِ، وبنظرةٍ تهربُ منِّي إلى شيماء النَّابتة في الزّاوية كعمودٍ رئيس في أساس الغرفة، شيماء التي لم تحاول أن تربطني بها كما فعلوا، وكانت ساكنة عيناها.
أنظرُ في عَيني والدتِي، فأرَى دَمعةً توشك على النزول. أُطيلُ النّظر في وَجهِ والدِي.. فَأرى صَبرًا وابتسامة.
وشيءٌ يتحرّكُ بداخلي كموجةٍ غاضبة لا تعرفُ كيف تتكسّر، على أيّ صخرةٍ، في أيّ جبلٍ تصطدمُ حتّى، وكلّ ما حولها شاطئٌ ناعم:
[أنَا ما عدتُ أعرفكُما حتّى أتصرفَ معكما كما ينبغِي؛ لكنِّي أقوَى على الابتسَامِ والضّحك، رغمَ أنِّي كطفلٍ في رياضِ الأطفالِ ليومهِ الأوّل، لا يعرفُ ما يفعل ومَا يكُون].
مرّ الوقتُ ببطء، أشعرني بالإعياء، لم ينتهِ إلا حينما نطقَ والدي:
- كفاكم لهذا اليوم، أتعبتُم بنيّتي.
ساعتان ونصف بعدها خرجت عائلتي وقد أثقلتني بغصاتٍ دمعٍ وتعب. خرجُوا وخرج الوجعُ مِن صدري بتنهيدةٍ استلَّت مِنِّي جُرحًا بِطُول قصبتِي الهوائية. جُرحًا لم يَرهُ إلا شيمَاء التِي لم تُغادر؛ بل جلست بجواري على السرير، تُحرّكُ تعبي بعبثيةِ في غطائي.
وَكما هِيَ تعبثُ بالتَّعبِ، غدت فوضاي همسًا مُشوّشًا جدًّا بالنسبة لي، وأعتقدُ لها.. حينَ قلتُ دُون أن أستوعب تلكَ الدقائق الكثيرة كلها:
- وَطن.. أُريدُ أن ألتقيه.
توقَّفت عن عبثها، رفعت ناظريها إلى وجهي.. لم تنطق بشيء، جاء مع صمتها شعورٌ غريب، كأنِّي أطلبُ جهنمًا تفتحُ أبوابها لي:
- أمن سببٍ يمنع؟
أومأت بالنفي، ثمَّ أخذت هاتفي مِنِّي لتجري المكَالمة.
* * *
- سيأتِي بعد غد، الآن عليكِ أن ترتاحي!
كانت تقولُ كلماتها وفي صوتهَا نبرةٌ جديدةٌ علي، شعرتُ معها أنِّي فعلًا طلبتُ شيئًا خاطئًا:
- حدِّثيني عن وائل، من يكُون؟
- وائل.. يكُونُ صديقك.
صمتٌ ساد الغرفة مع سكُونِ الكافِ في حديثها.
صَــ... ــديقي!
إلهِي!.. أيُّ جريمةٍ فعلتُها الآن!
لِوسن.. صديق!.. وَطن.. صَديقُ وَسن! وأنَا الآن، أُريدُ لقاءه!
إلهِي!
كأنِّي مِفتَاحٌ، وَكأنَّ جَريمتِي الآنَ أقحمتنِي فِي قُفلِ بابٍ خَاطِئ، وَعلقت!
* * *
تعذّرت بشأنِ دراستهَا وذهبت، أخبرتنِي فقط أنَّ وطن سَيأتِي فِي وَقتٍ غيرَ أوقاتِ الزّيارة - شيمَاء ابنَةُ مُدير المستشفى.. لذَلكَ تأتِي وَتذهبُ مَع أبيهَا كُلَّما أرَادت.
وهكذا تبَّخرت من أمامي كالمَاء.
علقتُ أنَا في ارتبَاكٍ عظيم لم يبَدّد منه قطرة باحتضَانها السَّريع، وأصَوات الخطواتِ خارجَ الغرفِة تذهَبُ وتجِيء. لَم يعُد فِي رأسِي فكرةٌ واحدَة الآن من كثرَةِ التَّضاربِ فيها.
وحيدةٌ في الغرفة، لا أحدَ ينظرُ لي إن فعلتُ جريمةً أُخرى في هذا الارتباكِ، أم فتَّشتُ في جريمةِ وطن! أفتحُ الهاتفَ.. أنبُشُ مخزنَ رسائلِي التي كانت؛ لمَّا كنت وسن!.. أبحثُ عن وطن.
ووطن يتصدَّرُ القائمةَ ثانيًا بعد المُسمَّى سين مَائي. وبي حيرةٌ شديدة، أأبدأُ الوطن أم السَّماء! أيُّهما يحتملُ قلبي جريمته!
* * *
[قلبي مثل باطنِ أرضٍ جوفاء، مليءٌ بالحُزنِ؛ لا يتفجَّر]
[لا يصيبنَّكِ الحُزنُ صديقتي؛ وما بعدَ كُلّ حزنٍ إلا فرحٌ كبير.. أخبريني ما بكِ؟]
[وعدني بفرحةٍ صارت دمعًا، وعدني بثلجٍ صار مطرًا.. وعدني بابتسامة غابت مع بدايات الصباح]
[لا تبكي؛ لا تبكي وحدكِ.. لا يجوز أن يسقطَ اللؤلؤ منكِ على الوسادة..
هاكِ صدري بلليهِ كما شئتِ؛ ولا عليكِ.. سيعُود بأفضل مما وعدكِ، لابدَّ له من سبب..
أليسَ يُحبُّكِ؟]
06
حُلمٌ آخر (وَسَن)
[لا أستطيعُ إلا أن أذكرنَا معًا.. ونحنُ نبتسم، أشتاقُ أن أبتسم معكِ من جديد]
[جميلتي يبدو أنها غرقت في النوم، حالما تستيقظ ستخبرني عن يومها كيف كان.. أليسَ كذلك؟]
[أفتقد وجودك معي، أحتاجُ كتفًا يقي رأسي الوقوع على حافةِ الانهيار]
[لكِ كتفي]
[صديقي، أحبّك]
[صديقي، أخبرني عن جمال وسن!]
[ماذا أخبركِ عن جميلتي؟
فتنتها التي تسعُ العالم، من ليلها الطويل، عينيها الآسرين، وجنتيها الدافئتين بلون القمح إذ قبلتهُ الشَّمس، وسنٌ تخطفُ الأنفاس حالما تتحرك شفتاها، يكفي أنّكِ تُبهرين صديقكِ وائل]
* * *
أكَان جسدِي يشعرُ بالبردِ أم بِالخوفِ حِين غَفوتُ، لا أدرِي!
أكُنتُ أفكِّرُ فِيَّ أم فِي وَطن؟ أم فِي كَيفَ حدَثَ هذا؟ أو ما كان فِي القلبِ لهُ مِن مشَاعر، لا أدرِي!
ماذَا كُنتُ سَأفعلُ لو كُنتُ أعرفنِي، لو كَانت ذاكِرتِي لا تزَالُ موجُودة، أيّ الأشياءِ ستتحرَّك داخلِي حِينَ أقرأ هذهِ الرسائل فِي تلكَ الحَالة.. لا أدرِي!
كيفَ نمتُ بعدَ هذا الكمِّ الهائلِ مِنَ الوَجع.
والدَةٌ مُنكسِرة، أُختٌ مرِحة، أخٌ حَنُون، وَأبٌ عطُوف.. وَجهٌ جَمِيل، وَصَدِيقةٌ تُخبِّئُ الكثيرَ مِنَ الأسرَار، مَشاعرُ حُبٍّ لا أعرفُ ما كانَ موقعها، مشاعرُ فقدٍ كذلك، خوفٌ وذعر.. مَشاعرٌ كثيرة!
حقًّا، لا أعرفُ كيفَ نمت!
* * *
كنت أسيرُ وحدي في شارعٍ مظلم، مليءٌ بالثلج، أتخبطُ في كلّ خطوة، حتى وصلتُ إلى مقعدٍ أسفل عمودِ إنارة.. جلستُ عليهِ ألملم أطراف ملابسي علِّي أشعرُ بالدّفء.
وضعتُ رأسي بين رُكبتي على المقعد.. أدفِّئني بأنفاسٍ لهثة لا تعرفُ مستقرًا لها في صدري من شدّة البرد.
أغمضُ عينيَّ علِّي أسقطُ في نومٍ عميقٍ على ذاك المقعد؛ وكأنِّي كنتُ مشرّدةً بلا منزل. تهب الرّياحُ شديدة، تزحزحني عن مكاني، تَدفعني حتّى أُوشك السقوط من على المقعد. ويصطدمُ جسدي بجسدٍ آخر دافئٌ جدًّا، يُحيطُ كتفِي بِذراعه، ويُلصقنِي بِصدره.
رَغبتُ بِرفعِ رَأسِي، أن أنظرَ إلى ملامِحَه؛ أن أتأكَّد أنّهُ ذاتُ الجمِيلِ الذِي رَأيته؛ لكنَّ لَونَ بشرتهِ مُختلف، أكثرُ بياضًا.. أكثرُ رِقَّة! وَوجههُ تُغطِّيهِ الخُصلاتُ الطّويلة المُتراقصةُ مَع الرِّيح.
تسقط ندف الثلج على رأسي، ولا شَيءَ يسقُطُ عليه! يَنحنِي بِرأسهِ فوقَ رأسِي، يُغطِّيني كزهرةٍ تُخبِّئ رحيقهَا، يَدهُ الحانيةُ تضمّ ذراعي أكثر حتّى تكادانِ تتكسَّران، وترتخيَانِ قليلًا ثمّ تشدّني إلى الدّاخلِ أكثر.
وكأنِّي أسمعُ همسًا يَختتمُ العَاصفة، لا أُميّزُ ما هُو!
* * *
لا أعرفُ كم مضى من الوقتِ أثناءَ سقوطي في ذاكرةٍ منسيّة، كلّ أحلامهَا غير مفهومةٍ مطلقًا! كم من غيمةٍ مرّت فوق هذا
المبنى، كم من قطرةِ مطرٍ سقطت، أم لا زالت الدّنيا تُثلجُ كمَا في حُلمِي؟
الأضواءُ في هذا البياضِ المخيفِ استترت خلفَ الأضواءِ الصّفراء، خبّأتني بين حناياها، وأخفت معالم الشبّاكِ أيضًا وراءَ السّتار.
استدرتُ بكاملي ناحية قلبي، واجهتُ الجدارَ بعينهِ الزّجاجيةِ المغلقة، أنظرُ في الطريق المؤدي إليه.. مقعدان، وطاولةٌ صغيرة عليها هاتفي المحمول.
هاتفِي، حيثُ توارت ذاكرتي.. حيثُ حكايةُ وطن هناك؛ تسكن بين جداراتِ عقلي، ولا أجدُ مفتاحًا يوصلني إليها.. سوى انتظار اللقاءِ الذي سيكُون بعد غد.
ثلاثةٌ وثلاثون ساعة تفصلنِي عنه، عن بوّابةٍ تُشبهُ.. لا أدري ما تُشبه.
* * *
ثلاثُون ساعة، وأنَا لا أزالُ حيثُ أنا، أتساءلُ عن السّماءِ كيفَ حالُها، وَعن المدينةِ هل أُشعلت أضواؤهَا؟ أتساءلُ عن روحِي كيفَ كانت تُحبّ الحياة؛ هل إذَا انطفأت تمامًا؟ أم حينَ تنعكسُ فيها أشعةُ الشّمسِ كُلّ صباحٍ، وربّما فجر.
تتجرّأ ساقاي على حملي ناحيةَ دورة المياهِ إذ استقرّت المرايا التي صدمتنِي بي أوّل مرة، وأجبرتني على الوقوفِ تمامًا عند وجهها، أتأمّلُ الملامح الباردة فيها، والخطوط السّوداءُ النّاعمة أيضًا.
أرفعُ أصابعًا تُلامسُ وجنتي، وأصابعًا تقفُ عند شفتيّ.. ولا شيءَ يرتفعُ من حُطامِ الذّاكرة. فقط علاماتُ استفهامٍ أكثر تنمُو على وجهِي.
كان وائلًا.. يرَى كُلّ هذا؟ يَرى هَذهِ الملامحَ ويبتسمُ فقط؟
لم يتجرَّأ يومًا على الاقترابِ منها! أم جرَى أكثرُ ممّا هُوى مُدوّنٌ في كومةِ الرّسائلِ تلك!
* * *
خَمسٌ وعشرُون، وَأذانُ الفجرِ يتخللُّ دمًا أبيضًا ينزفُ مِنَ السّماءِ في هذهِ المدينةِ التي راحت أنوارها تُضاءُ بطيئًا جدًّا؛ لا زالُوا كُسالى.
أدَّيتُ فريضتِي، وَعُدتُ أراقبُ المدينة السَّاكنة.. كيفَ تستيقظُ من نومهَا، من عُيونِ جداري.
أتُرانِي كُنتُ أميلُ لمراقبةِ الآخرِينَ حين كُنتُ أعرفُ من تكُون وَسن! أم أنِّي يومًا ما لم أعرف من هيَ وسن، ما قلبُها، ما كيانها!
ولمَ ينتفضُ كيانُ وسن لصوتِ الرّسالةِ القادمةِ في هذا الوقت من اليوم؟
تراجعتُ ناحية السّرير، جلستُ عليهِ وَأنَا أشعرُ أنّ ندفَ الثّلجِ تسقطُ على جسدي الآن. مددتُ يدي للهاتفِ الذي تلوّن بِـ (1 رسالة جديدة). فتحتُها كمَا تنطفِئُ أنوَارُ الدّنيا، وَالضّبابُ يلفّها.. لتزِيدها ضياعًا.
سينُ مائي!
[باللهِ عليكِ.. لا تُطيلي العتاب/ الغياب؛ فقط أجيبينِي
لا زَال هنالك متسعٌ للحياةِ كي تسلبنا منّا].
ارتجفت يداي، وقعَ الهاتف من بينهما، ارتعش جسدي بأكمله، دلو ماءٍ مِن هذا الجوِ البارد سُكب عليَّ وأوقفَ الحياةَ في عرُوقي.
أشعرُ برغبةٍ في الصّراخ، أن أُخرجَ كُلّ ما أُوتيت مِن ضياعٍ في صوتٍ حادٍ يخترقُ هذا المكان ويدمّرهُ فجأة، يدمّرني معه.. يُنبئ الآخرين بِالعجزِ كما أشعرُ بهِ الآن.
مثلَ أجراسِ المَوتى، ولا شيءَ بيدكَ حينها، يتردّدُ صداها.. وَكُلّك موقوفٌ عن الحركة.
* * *
كأنّها الليلةُ الأولى التي أُمضيها هُنا، رأسي يُوجعني جدًّا، ولا أدري هل أنَا أُخامرُ النّوم، أم النّوم يُخامِرني.
هل هُوَ نومٌ حقًّا؟.. أم..
تتوَالى الصّور في مخيّلتي؛ صُورةٌ لِي.. أرَاني مِن أعلى ويدَيَّ على رَأسِي، أصرخُ جدًّا! أرى إبرةً تندسُّ تحتَ جلدِي، تتضّح تفاصيلها في البياضِ الشّاحبِ بذراعي، ويدانِ تدفعانِ بجسدي للسّكونِ على الفراش، ويدٌ إلهيّة تُغمضُ عيني حتى انقَضى دهرٌ مِنَ الثّواني.. مِنَ الدّقائق، لم أحتسبهَا مِن ساعاتيَ الأخيرة.
أُحاولُ انتشَال رَأسي مِن مقبرةٍ يبدُو طالَ دفنهُ فيها، أبحثُ عن أقربَ عقارب لي.. تتعامدُ أم تتسَاوى، تَنفرجُ أم تتراص بزوايا حَادّة.. لا يُهم؛ أريدُ فقط أن أرَاها!
لم أجد سِوى الهاتفَ يَنزوي بالقُرب.. مِثلَ صغيرٍ ينظرُ إلى أمّهِ يرجُوها أن تضمّه؛ ولا تزالُ غاضبةً منه!
مددتُ يدي بصعوبةٍ ناحيَته، رفعتهُ قليلًا.. رأيتُها ثامنَة! وسَقطت يدِي مَع سقُوط جفنيَّ مِن جديدٍ رغمًا عني.
* * *
كَانت تُهزّني بنعُومة؛ رغمَ ذلك شعرتُ بها مثلَ موجةٍ تُلاطمني مع موجةٍ أُخرى. ودُوار البحرِ يُصيبنِي، والغثيانُ يكادُ يصل مرحلتهُ النّهائية.
مدَّت يدها النّاعمة لجبيني، وضعتها هُناك برفق.. أنعشتهُ بالخصلاتِ التي أبعدتها ليتنفس، وقبّلتهُ بحنو.
شعرتُ بها تجلسُ قربِي.. تُنادِيني، شيماء.. تيقظني من نومٍ خالٍ جدًّا من الأحلامِ الغريبة، أشبهُ أميرةٍ نائمة إثرَ وجعٍ عميق.
أسمعها تقولُ بدفء:
- وسن، أصبحتِ العاشِرة وأنتِ نائمة.. استيقظي.
أفتحُ عينيَّ بِبطء، أرَى يَدها في أفق رؤيتي.. وأُحاولُ التّركيز:
- ماذَا جَرى؟
جاءَ صوتها بقليلٍ من المرح:
- نمتِ طويلًا يا جَميلة.
أمهَلتني قليلًا من الوقتِ أستجمعُ فيها ما أستطيعُ من التّركيز؛ وقضَاءِ الصّلواتِ التي ذَهب وقتُها في سبعَ عَشرة ساعةٍ انقضَت. والبدءِ في انتظارِ السّاعاتِ الثّمان المتبقيّة من الزّمن لِلقاءِ وطن؛ لَم أعتقد أنّ الوقتَ سيمرّ بِهذا الطّول.. دُونَ أن أشعرَ بهِ أيضًا!
أسندتُ ثقلي للوسادةِ خلف ظهري، وجلست شيماء أمامي.. في محاولةٍ لإدارةِ حديثٍ يشبهُ العاصفة. قالت بهدوئها:
- ماذا جرى اليوم؟
ماذا جَرى اليوم؟.. لا أعلمُ حقًّا!
- رسالةٌ وصلت إلى هاتفِي، وشعرتُ بالخوف.
مدّت يدها إلى هاتفي، وقبل أن تفتحه:
- أتسمحين؟
أومأتُ لها؛ فتحتهُ.. فتحت الرّسالة، تغيّرت ملامحُ وجهها، تمتمت.. (مِن جديد)! أغلقتِ الهاتفَ بقوة، ونظرت في وجهي.
انتظرتها أن تقول شيئًا؛ لكنها لم تفعل.
- من يكونُ سينُ مائي؟
- شخصٌ يُدعى حسن.
- و؟
- كُنتِ مُغرمةً به.
أشعرُ بدائرةِ الهواءِ حولي تتقلّص، الأُكسجينُ ينفذُ تدريجيًّا.. تجرّأتُ على أن أمضِي أكثر معها:
- إذًا.. أين هُو الآن؟
نظرت ناحية الشّباك، ولم تنظر في وجهي خلال عبورها به:
- لا أدري.
أبتلعُ غصّةٌ هوائيّة تمنعني مِنَ التّنفس:
- يُحبّني؟
استدَارت نحوِي سريعًا، بقيت تحدّق بي طَويلًا، شَعرتُ كمَا لو أنّها يومًا كانت وسن، وأنا هِي.. رأيتُ التّوتر بعينيها، رأيتُ
ارتباكًا في يديها، وأنا لم يكد شيءٌ على وجهي، تلعثمت وهي تقول:
- أنا.. حقيقةً وسن، لا أدري! يومًا ما لم تخبريني إن كَان يحبّك أو لا، وحينما كنتُ أسألكِ لم أجد منكِ جوابًا! كُنتِ تخفين أجوبة كلّ ما يتعلقُ به.
06
حُلمٌ آخر (وَسَن)
مددتُ يدي نحو يدهَا المُمسكة بهاتفي، وضعتهُ في يدي.. فتحتُ مجموعة الصّور تلك، أخرجتُ الصّورة الأخيرة لذاك الشّاب. أدرتُ الهاتف لكي ترى.. سألتها:
- أهذا هُو؟
تراجعت للخلفِ قليلًا جدًّا، وكلماتها جاءت بصراحةٍ واضحة تربكني:
- لستُ أدري هل هذا الجميلُ الذي أخفيتِ صورته عني هو حسن، أم وائل!
* * *
كان صباحًا باردًا، زادتهُ برودة إبرةُ المغذي التي غادرت يدي منذ قليل، وأراحتني من انزعاجي لدى التحرّك بها. حملت الممرضةُ أشياءها وبياناتي، وغادرتني بسرعةٍ كما جاءت.. أسندتُ رأسي لطرفِ السرير، أفكّرّ في أنّها قد شارفت السادسة والنّصف، ووطن لم يأتِ.
لم أكن أعلمُ أنَّ الأوطانَ تُحيطُ بنا قبلَ أن نشعر بها.
جاءَ صوتُ طرقِ البابِ بعدَ دقائق معدودة، يبعثر الغطاء في يدي كما كان مبعثرًا ما بين كلّ طرقةٍ وأخرى، وَفُتحَ الباب من بعدها.
أُناظر يدي، أرى خُصلة مِن شعري تعلّقت قريبًا منها..! ارتفعَ صوت باضطراب:
- من هناك؟
توقّف وقع الخطوات.. وانقطع صداها، جاءَ صوتٌ رجولي.. ناعمٌ، دافِئ.. وَمرتبكٌ أيضًا:
- أنا وائل.
06
حُلمٌ آخر (وَسَن)
أبحثُ من حولي عن حجاب، أريدُ حجابًا:
- لحظة من فضلك.
أبحثُ في أدراجِ الطاولةِ بقربي.. لا شيء! أبحثُ في الأخرى، وجدتُ وشاحًا أسود.. أعتقدُ أنّهُ يعود لي.
لففتهُ حول رأسي، ووجدتُ خصلات شعري متمردةً جدًّا.. تنسابُ أمامي. أعدتُ لفّهُ سريعًا.. وأخبرتهُ أن:
- تفضل.
وأنفاسي لم تتفضَّل علي بشهيقٍ عميقٍ واحد يواري ضيقَ صدري.
أترقبُ أن يظهر من خلف المنعطف الشَّابُ الجميلُ، أرَى حِذاءهُ يظهر للنور، وساقاهُ تمتدانِ تطآنِ نطاق رؤيتي، وكلّ ما فيَّ يشهدُ دخولهُ ببطءٍ شديد، حتّى صار الشّتاءُ صيفًا، والبرودُ في أطرافي عرقًا في ثانيتا رؤيتي له!
لا أعرفُ أهوَ صوتُ شهيقي أم شهيقه ذاك الذي علا صوتهُ في المكان، أم هو صوتُ وقوع شيْ من علوٍ شاهق.. لا يزالُ يسقطُ ويسقط؛ لا يصلُ لنهاية!
لم يكن الشّخصُ الذي توقّعتُ وصوله/ الشّخص المعنيُّ بالصّورة. كانَ شخصًا يُشبهُ ملاكًا سَقطَ من السّماءِ وَراحَ يمشِي فيهَا برويّة.
إن كَانَ ذاكَ الشّخصُ ذو ملامحَ بريئة؛ فهذا الوَائلُ يمتلكُ الملامحَ الطّفوليةَ القمحِيّة.. ما بينَ بيَاضٍ وَذهب!
إن كَانت عيناهُ حبّتا لوزٍ فإنِّي حينها فعلًا لم أعرف ما هُو اللوزُ حينَ يأتِي مرسومًا كعينٍ غجريّة. لونَهما لونُ التّبرِ المُصفّى، وَالسّوادُ يحيطُ بهما كَكحلٍ بدوي! تُشعركَ أنّهما حبّتا شوكُولاة ترغبُ جدًّا في أن تقبّلهما. وَخُصلاتُ شعرهِ الطّويلة تعبرُ ما بينهُما كَمساءٍ بنجُومهِ يعبرُ في كبدِ الزّرقةِ لأجلِ أمنياتِ العذَارى. طُولُ وجههِ ملوّنٌ بتوردٍ زَاهٍ جدًّا، والبراءةُ التي تكتنزُ فيهِ شفتيه تحت أنفٍ أنيق، بلونِ أزهارِ شجرةِ الكرزِ!.. تودُّ لو تَضعُ شفتيكَ عليهما ولا تَبتعد!
إلهِي.. إلهي.. أهذَا حقًّا وائلٌ أم ملاكٌ بِلا أجنحَة!
وبغرابةٍ شديدة، كانَ جمالهُ يسحرُ القلبَ ويسكِّن رَوعهُ جدًّا؛ أمَّا ذاك.. فأصابني برعشةٍ شديدة!
كَانت عيناهُ تحدقانِ بي، تقدَّم نحوي.. شعرتُ أنِّي أودُّ لو أسقطُ بين ذراعيه، وسأستطيعُ أن أسترجع ذاكرتي كلّها.
لمحتُ يدهُ ترتفعُ ليميني.. أشار إلى الكرسي، وأنا أراقبه:
- تسمحين لي؟
أردتُ أن أقول (كلا) أردتُ أن أصرخَ بهِ (أعد لي ذاكرتي.. واثقةٌ أنَّك قادرٌ على ذلك)؛ لكنَّ جسدي اكتفى بإيماءةٍ من رأسي.
مع الانحناءةِ السّفلى لهُ إذ أعلن عن موافقةٍ لستُ أريدها، أبقيتُ عينيَّ في حضني. رأيتُ جزءًا منهُ يتحرّك ناحية الكُرسي، احتملهُ قربَ السّرير.. قريبًا جدًّا؛ حدَّ أنِّي فجأة شعرتُ بالخجلِ من حالي، من حجابي.. لمَ ارتديتُه!
لا أريدهُ أن ينظرَ إليَّ هكذَا، لا أريدُه أن يرى نِصفَ وجهٍ فقط! لا شيءَ من شعري يُغطّيهِ إن أردتُ الاختباء.
وهذَا الجمالُ، أأكُونُ على غيرِ جمالي معهُ وَكُلّي يختبِئُ خلفَ الحجاب؟ أتراني كُنت سأريدُ أن أظهرَ هكذَا أمام وائل.. إن كانت ذاكرتي لا زالت تسكنني؟!
وضعهُ قربي، خرجَ صوتي سريعًا قبل أن يجلس:
- معذرة، لكن.. أيمكنك أن تبعد الكرسي قليلًا؟
وسَحبهُ قليلًا إلى الوراء، مسافةٌ قصيرة تسمحُ لشرياني أن يمتدّ فيها..
جلسَ هُناك.. جلسَ الوقتُ بجانبهِ، وقلبي أيضًا.. وَكُلّي ينتظرُهُ أن يبدأ الحديثَ بشيء. أن يكُونَ شهرزادٍ ويحكي لي عن وسن؛ أن أستمع لهُ طويلًا جدًّا.. أن يحررني من ثقلٍ كبيرٍ لم تستطع أن تبعدهُ عن قلبي شيماء.
أخاطبهُ عبرَ الأثيرِ القصير المدى؛ أن تحدّث! اِكسر الحاجزَ الذِي أردتهُ عذرًا لي. مُدّ يدكَ إلى صدري.. امسح عليهِ علّك تمحُو ألمًا أشعرُ بهِ بوجُودك.
كُنّا جالسَينِ معًا في غرفةٍ لا تتعدّى كونهَا صندوقٌ مغلقٌ على كلينا. لستُ أُفتحُ، وليسَ يُفتح.. كلينا نُشبه غيمةٍ لا تريدُ أن تُجهض، لا تريدُ أن تتنفّس!
لكنَّ شعري.. بدأ يبتلُّ، ووجنتيّ تتلوّنان.
أردتُ أن أفكّ الحجاب؛ ولم أستطع حرجًا. أردتهُ أن يتحدّث.. ولم يفعل!
أردتُ أن أقولَ شيئًا؛ لكن ما بيدي لأقُوله وأنا لا أعرفُ شيئًا سوى الذي أُخبرتُ به! حتّى أنِّي لا أذكرُ بعضًا منهُ لأقدر على مواجهتهِ بحرفٍ خجول.
أيُراقبنِي، أم أنِّي أراقبُ نفسي فقط؟
أيرَى أنَّ صَمتهُ أربكني؛ أم أنِّي فقط من يرَى دمعتي تسقطُ على يدي.. دون أن أشعرَ بها. اختنقتُ بكلماتٍ كثيرة لم تترتبّ بعدُ بمعنى في داخلي؛ هربت مني في شهقةٍ تُنّفسُ عني هذا الكمّ الهائلِ من الضّياع.
أُريدُ أن أبكي. بربّك إن لم تنطُق؛ فاخرج ودعني أبكي! إن لم تكن تريدُ مواجهةَ شخصٍ فقد ذاكرته؛ لا تريد أن تعاني في الحديثِ معه.. أُخرج! دعني أبكي.
أحاولُ التقاطَ أنفاسي؛ كُلّ صدري مخنوقٌ برغبةِ البكاء، وغصّة بي أيضًا. ذاك الشعور اللعين؛ الذي يجبرك على الامتناعِ من ذرفِ دمعةٍ وتنتفخُ لهُ كلّ جيوبك الأنفيةِ وتحتقن، وتشعرُ أن الدّم يغلي في رأسك.. وأنَّ الصّوت كلهُ قد توقّف عند نهايةِ لسانك، ولم تنطق بشيء.
يرتجفُ لهُ الجسدُ كما لو اخترقهُ سهمٌ ثقبَ كُلّ رِئتيك، تبدأُ بالتقاطِ الأنفاسِ دُونَ إخراجها.
ألتقطُ أنفاسِي وكُلّ زفيري دموعٌ غلبتني رغمَ سلبي صوتها.
لم أشعر بهِ يقفزُ من مقعدهِ ناحيتي، رأيتُ يدهُ فقط تمتدُّ إلى يدي.. تبتلُّ بدموعي؛ وهمسهُ يخالطُ الشّهيق:
- أتبكين؟
رفعتُ يدًا أمسحُ بها مشاعرًا أقاومها، وأنظرُ إليهِ مرعوبًا أمامي.. أم منكسرًا..لا أدري. كأنّهُ ينتظرُ منّي أن أفسّر سببَ هذَا الدّمع.
ماذَا أقول؟
فجأة شعرتُ أنِّي ينبوعُ دمعٍ لا ينتهي؛ غيرَ أنّهُ مقيّدُ بأغلالِ (ما العُذر!)
شعرتُ بماءٍ يداعبُ جبيني، وَأنفاسهُ القريبةُ جدًّا سَارعت في جفافهِ أيضًا!
رَفع يدهُ إلى مُستوى كتفي؛ نظرَ في عينيّ مباشرة.. ونظرتُ إلى شفتيه:
- أتسمحينَ لي؟
توقّفت أنفاسي المبعثرة، وجسدي لم يتوقّف عن الاهتزازِ بها. أمسكت أطرافُ أصابعهِ بالحجابِ الملفوفِ حول رأسي، وأخذ يلفّهُ بعكسِ اتّجاهه.
مِن اليمينِ حتّى اليسَار، مَرّةً، وَمرّتان.. وَجذبَهُ كُلّه بينَ كفّيهِ الكبيرتين. وضعَ يدهُ اليُسرَى خلفَ رَأسِي.. بَينَ خُصلاتِ شعري، وبيدهِ اليُمنى مَسحَ عرقًا تصبّبَ على جبيني، من منبتِ شعري!
وانفرجت شفتيهِ عن ابتسامةٍ طاهرةٍ جدًّا.
تجمّدت الثوانِي بينَنا، ابتسامتهُ تتّسعُ، وعيناهُ تنغلقُ أجفانها نصفَ إغماضة.. لا يُرى منهَا إلا لمعانُ حدقتيها، بعضًا من الثّوانٍ سَلبت منِّي كُلَّ رغبةٍ في تَمالكِ بكائي. وتراجع المَشهدُ البطيءُ بصورةٍ سريعةٍ جدًّا حينما بقيتُ جامدةً مع الوقت.
أفلتَ الوشَاح من يدهِ، وضعهَا خلفي.. أوسطَ ظهري، يدهُ اليُسرى لا زالت تَغرقُ بمائي، وجذبني لصدره.
صدره!
دفءٌ عميـــــــــق، ورائحةٌ دفعتني للبكاءِ بكُلّ ما أوتيتُ من قوّة!!
لم أشعر بي أُحيطُ جسدهُ بذراعي.. وأبكي! أذرفُ الدّمعَ بشدّةٍ أتعبتني، وَصوتي يتعالى لأذنيه.
لم أشعر بي أدفنُ وجهي في صدرهِ أكثر، وأكثر.. وأصرخُ فيه. ويداهُ اللتانِ أحاطتا بي خبآني فيهِ أكثر. ضمّني إليهِ أكثر.
غبتُ عن الوعي.. أكثر!
YOU ARE READING
شتاء بلا ذاكرة
Romanceماذا يحدث حين نفقد أنفسنا ونحاول اكتشافنا من جديد.. ونعرف ما كنا عليه كصورة إنسان جديد؛ أنتقبله أو نرفضه - ذاك الإنسان الذي كناه يومًا ما !
