حج التائبين Part 8

315 14 9
                                        

😔-((حج التائبين)) الجزء الثامن
في الميقات اغتسلَ الجميع وصلّوا في المسجد وبعد الإنتهاء تحلّقوا حول الشيخ للتلبية. المنظر يبعث على الخشوع والبكاء، الجميع في لباس أبيض كأنهم أسراب حمام هبطت على بقعة ما في الأرض
"لبيك اللهم لبيك،
لبيك لا شريك لك لبيك،
إن الحمد والنعمة..."
ارتفعتْ الأصوات ممزوجة بدموع المُلبّين وبُكاء المشتاقين للوفود على الله سبحانه
حاولتْ مريم استخدام المسبحة التي أهداها إياها علي.
نامت واستيقظت على حركة النساء وهنّ يستعدن للنزول من الباص. في السكن بحثتْ عن اسمها ورقم الغرفة وتوجّهتْ مباشرة لها.
كانَ عددهن في الغرفة ثلاث نساء وهي الرابعة، رحبّنَ ببعضهنّ وفي الوقت ذاته اتصل علي:
- مريم استريحي قليلاً وحين يحين وقت الذهاب لأداء عمرة التمتّع سأتصل بكِ.
اندهشتْ وهي ترى الأمواج البيضاء تموج حول الكعبة
يا الله.. هل وصلتُ إلى بيتك الحرام؟ هل أنا في الحج!
هل دَعَوتني لأتوب؟
قطع أفكارها علي: مريم كوني خلفي مباشرة وإذا اشتدّ الزحام تمسكي بي جيداً
سكتْ قليلاً وأضاف: أغارُ عليكِ من مزاحمة الرجال
لم تُجِبه؛ لا زالت مبهورة بتناقض اللونين سواد رداء الكعبة وبياض لباس الحجاج
- توكلنا على الله..
في الطواف لا تستطيع إيقاف الحركة أبداً ولا الإلتفات للخلف، كمسيرة حياتك تماماً.. لا إيقاف للقدر ولا التفات للماضي. أخذتْ تردد كُل ما تسمعهُ من الأدعية التي يلهجُ بها علي، تارة يدعو وتارة يبكي، كمْ أنتَ مؤمن وتستحقُّ زوجة أفضل من عاصية مثلي، ومن بين كلّ هذا الضجيج رفعَ صوته: يا صاحب الزمان، إنْ كُنتَ تطوفُ معنا وترانا فإنا نسألك الدعاء يبن الحسن وإنْ كُنتَ في مكان آخر فنحن يامولاي لا ننساك أبدا يا مولاي
شعرتْ بالدوار.. صاحب الزمان! كيف نسيتُ أمره؟ هل يراني الآن؟ هل هو معنا؟ الويل لي ما أبشعني
لقد رآني ليلة القدر أنوي الذهاب إلى...
نزلتْ دموعها ومشاعر الخوف تملأها وهي تتخيل إماماً يحدّق بها بين الحشود ويعلم بأمرها
إلهي أنا ضيفتك وعبدتك استر علي ولا تفضحني أمامَ مولاي  الإمام الحجّة
صلّوا ركعتين خلف مقام النبي إبراهيم عليه السلام وتوجّهوا للسعي بين الصفا والمروة، ترتفع أصوات الحُجّاج بالتهليل والتكبير والجميع يرفع يده مسلّماً على الحُسين والسيدة زينب عليهما السلام
واخبرها علي ان هذه الهروله في السعي تشبه هرولة السيده هاجر على ولدها اسماعيل وكان قلبها محروق على ولدها وخائفه عليه -أما نحن الشيعه فهرولتنا هي لإمام زماننا لاننا نبحث عنه ونخاف عليه ونريده معنا فلتكن نيتك يامريم بالهروله انك تسعين لامام زمانك فالحج هو عباره عن ميثاق وعهود وبيعه لصاحب الامر           
-  تعجبت مريم من ثقافة زوجها ومدى محبته لصاحب الامر.                                                   شكراً لله.. تقبّل الله كلمات
ردّدها الحُجّاج لبعضهم بعد الإنتهاء من التقصير.
في طريق العودة فضّلت  مريم أن تمشي بالقرب من علي لتسأله: ابن عمي؟لقد فهمت مفهوم الحج لكن ما المعنى لذِكر  الحُسين والسيدة زينب عليهما السلام في المسعى؟
- أهل البيت عليهم السلام وسيلة للتقرّب من الله سبحانه في كل وقت فكيف بنا في بيته، أما السعي..مثلما اخبرتك هو سعي لصاحب الامر
لكننا في سعينا نجدد الموقف اثناء سَعي الحُسين وزينب بين الخيام وساحة الحرب وفي تلك المواقف المؤلمه والضرف القاسي الذي مروا به اهل بيت الرساله
في كلّ موقف تتعلّم شيئاً جديداً منه وتستغرب من هذه المعلومات التي تدق اسماعها لاول مره
مريم- يجبْ أنْ أعترفُ لكَ بأمر يا علي
علي- وهو؟
مريم- أنت مثقف جداً
ابتسم قائلاً: شكراً هذه أول مجاملة طيبة أسمعها منكِ.
مريم- ابن عمي؟ هل أستطيعُ أنْ أسألكَ؟
علي- تفضلي
مريم- قد تغضبْ!
علي- قولي يا ابنة العم
مريم- لماذا.. امممم
لماذا أشعر بأنّك جاف؟
ويبدو أنها أخطأت باستخدام هذهِ الكلمة؛ فقد أجابها بحدة واقتضاب: مريم، سمعتكِ مرّة تقولين لأختي بأنني أبدو كرجلٍ قادمٍ من كوكب آخر، هل أنا فعلا هكذا؟
- أنا؟ لا.. ابتلعت ريقها: قصدتُ بأنك...
وأنقذها صوتُ أحد الرجال يصرخ بالجميع: لقد وصلنا للسكن.
ما إنْ سمِعَتهُ حتى أسرعتْ خطواتها بجانب النساء.
بمجرد وصولها للغرفة خلعت إحرامها واستحمت واستعدت للنوم، يا إلهي أنا متسرّعة الصمتُ أفضل مع هذا الرجل
هاتفها يرن، رقم غريب
قد تكون كوثر أو أخي أو زهراء
أجابت: نعم؟
- مريم.. حلوتي.. كيف حالكِ؟ لم أتحمّل فراقكِ أين أنتِ عني..
لماذا الرنّة طويلة؟ أنتِ مسافرة؟
دقّ قلبها بعنف وخوف، رمتْ الهاتف، هذا حسن!
إنه لا يعلم بزواجها وسفرها. لماذا الآن تتصل بي.. لماذا
اتركني وشأني ابتعد عني!
كرّرت الحظر لهذا الرقم أيضاً، ماذا لو عرف علي عن حسن.. يا الله أنا خائفة
توضّأتْ سريعاً وحملتْ مسبحة علي وهي تستغفر بأصابع مرتجفة:
إلهي، أشعر بيدكَ قد نقلتني من الهاوية إلى سماء رحمتك، أرجوك أريد التوبة
استر عليَّ لا تفضحني أمام علي، سينصدمُ بي وقد يخبر عمي وإخواني
إلهي أغثني أنا بحاجتك لا تتركني.
شيئاً فشيئاً غفتْ عينيها فيما كانت أصابعها تدير المسبحة.
وجاءَ اليوم التاسع من ذي الحجة، أصواتُ الحُجّاج تختلط بالدُعاء والبُكاء والمُناجاة
- مريم.. ابنة عمي، الحجّ عرفة، الحجّ كلّه يتمحور حول هذا اليوم، تعرفين لماذا؟ لأنه يوم الإعتراف بالذنوب؛ يوم التعارف بين الإمام الحجّة والمؤمنين لذلك سُمّي بعرفة. كوني على يقين بأنه معنا هنا، انتبهي قد يمر ويلمحنا، هذا يوم يرانا فيه ولا نراه. اذكري جده الحسين وابكي عليه وناجي الله سبحانه ووليّه صاحب الزمان؛ سينقِلُ حوائجنا ودموعنا وهمومنا إلى الله فكوني لحوحة عليه واطلبي منه الدعاء لكِ بأنْ تكوني من أنصاره..
هطلتْ دموعها بغزارة كغيمة شتائية في دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة، كلماته العظيمة تصف الإنسان بدقة منذ بدء خليقته إلى وجوده في عالم الدنيا
لأول مرة تشعر بمعنى التوبة والندم، تذكرت أيام الغفلة والبعد عن الله وخجلت من نفسها وهي تعِدُ ربها بإصلاح نفسها
بعد صلاة الظهرين قرأتْ في مفاتيح الجنان عن صلاة ركعتين تحت سماء عرفة، حملتْ سجادتها واختارتْ مكاناً صغيراً بجانب الخيمة. بكتْ بحرارة وهي تخاطب صاحب الزمان:
أنا لست مؤهلة لرؤيتك، لن تلتفتْ لعاصية حقيرة مثلي، ولكن أقسمُ عليك بحق جدّك الحُسين اسمعني وانظر لي، أريد التوبة.. أريد المغفرة من الله.. أرجوك سيدي إسأل الله أن يكشف همي وغربتي ويعفو عني
ساعدني فأنتَ إمام زماني..
وكان علي قد خرج قاصداً المغاسل ليتفاجأ بسجادة تشبه سجادة مريم قُرب الخيمة
وهذه.. آه مريم! ابنة عمي رافعة يديها وتبكي، إنها جميلة كحمامة بيضاء استقرّتْ على نافذة.
قبل الغروب توجّه الجميع للقطار قاصدين مُزدلفة والقلوب لا زالت تهفو إلى عرفات والكل يدعوا بالعودة
صلّوا العشائين في مزدلفة واستلقى الجميع للإستراحة.
تصلها رسالة نصية من علي:
"ابنة عمي.. عليّ أيضا ًالإعتراف بشيء"
ردت عليه: "ماذا أيضاً!"
وصلتها رسالة أخرى: "أنتِ طاهرة، مؤمنة جداً. الحمد لله الذي أهداني إياكِ زوجة"  
"ابن عمي؟ أنا صغيرة عليك ولا أناسبك أليس كذلك؟"
تفاجأَ بسؤالها، لم تكن تتجرّأ لقول هذا وجهاً لوجه فاختارت السؤال خلف الشاشة
تصلها رسالة طويلة منه:
"أصارحكِ بأنّي خمّنتُ قد يكون فارقُ العمر حاجزاً بيننا، لكن الآن لا يهم. مريم حتى لو لم نشعر تجاه بعضنا البعض بالحب يكفي الإحترام والتفاهم والود. يقول الله سبحانه: وجعلنا بينهم مودة ورحمة.
لاحظي قال مودة ورحمة ولم يقُل حب وعشق.
عموماً، حاولي النوم قليلاً ستنطلقنَ قبل الرجال إلى رمي الجمار"
تارة أشعر بأنه عميق ويفهم ما بداخلي، وتارة أشعر بأنه لا يعرف شيئاً أو يتجاهلني
على كلّ حال واضح بأنه لا استعداد لديه لتقديم الحب أو العاطفة.
حاولتْ قدر الإمكان رمي الجِمار رمياً صحيحاً برفقة المرشدة الدينية. الزُحام شديد وتشعر بالقلق فلأول مرة تفارق علي منذ بِدأْ مناسك الحج.
وصلنَ جميع النساء إلى الخيمة في مِنى
- تقبّل الله أعمالكن. أخواتي بعد ساعة سيُعلن عن أسماء اللواتي تم الذبح عنهن بعدها يمكنكن التقصير.
حاولتْ النوم.. لا أستطيع أفتقد ابن عمي، سوف أشغل نفسي بمسبحته هذا أفضل.
بعد ساعتين أُعلن للنساء والرجال بأنه تمّ الذبح عن الجميع وعلى الجميع التقصير
خرجت جانب الخيمة لملاقاة علي، بمجرد أن رأته من بعيد مشت إليه في خطوات سريعة وأمسكت كتفه: علي! كنتُ خائفة بدونك..
تفاجئ بردة فعلها، ما بها!
ابتعد قليلاً عنها خجلاً من الرجال الواقفين قُرب الخيمة: - اليوم عيد الأضحى عيدنا نحن الحُجّاج. مُبارك لكِ
- الحمد لله..
- مريم؟ مستحب قراءة دعاء الندبة اليوم، إذا لم تكوني متعبة اغتسلي واقرأيه
- حاضر، حُباً لصاحب الزمان سأقرأه
ولأول مرة تشعر بالحب والشوق تجاه الإمام الحجّة، لأول مرة تغوص في أمواج بحر الندبة.
يا لندباته، إنها ملحمة بكاء قد صيغت في دعاء.
يتبع..............

You've reached the end of published parts.

⏰ Last updated: Sep 11, 2015 ⏰

Add this story to your Library to get notified about new parts!

حج التائبين ..Where stories live. Discover now