~the Last note for you~

37 6 48
                                        

النوتة الأخيرة لكِ ..

ما هي الأرض بدون فن؟ هي مجرد صخرة. صخرة باردة تدور في عتمة الكون، بلا ذاكرة تحفظ ما مرّ فوقها، ولا قلبٍ يتسع لصرخة عاشق أو ارتجافة يدٍ لمست يدًا للمرة الأولى. الفن هو ما جعل لهذا العالم قلبًا ينبض؛ هو الدم الذي جرى في عروق البشر حين عجزوا عن احتمال مشاعرهم، فصبّوها على لوحة، ونحتوها في حجر، وأخفوها بين أوتار آلة موسيقية. أما الموسيقى... فكانت دائمًا أكثر الأشياء التي أحببتها؛ لأنها لا تحتاج إلى جسد كي تلمسه، ولا إلى لغة كي تفهمها. تكفي نغمة واحدة كي تفتح في الروح بابًا ظننا أننا أغلقناه إلى الأبد.

كنت أؤمن أن النوتات تشبه البشر أكثر مما ينبغي؛ لكل واحدة منها صوتها، عمرها، ومكانها الذي لا يمكن أن تأخذه نوتة أخرى. بعضها يولد خافتًا كهمسة عاشق يخشى أن يُسمع، وبعضها يندفع كقلبٍ لم يعد يعرف كيف يخفي حبه، وبعضها يظل معلقًا في الهواء، لا هو وصل إلى نهايته ولا امتلك الجرأة ليعود إلى بدايته. وكنت أحب تلك النوتات تحديدًا... الناقصة، المرتجفة، التي تبدو وكأنها تبحث عن شيء لا تعرف اسمه. ربما لأنها كانت تشبهني.

الفنان لا يعزف الموسيقى فحسب؛ إنه يعرّي روحه أمام الغرباء ثم يتظاهر بأنه لم يفعل. كل حركة من القوس اعتراف، كل ضربة على مفتاح البيانو نبضة قلب، وكل صمت بين نغمتين يحمل كلامًا أخاف صاحبه من قوله. لهذا لم أفهم يومًا أولئك الذين قالوا إن الموسيقى مجرد أصوات. كيف يمكن لصوتٍ أن يعيدك إلى طفولتك؟ كيف يمكن لنغمةٍ واحدة أن تجعل اسمًا منسيًا ينبض في رأسك؟ وكيف يمكن لمقطوعة لم تتجاوز دقائقها أن تحمل داخلها شخصًا كاملًا، بضحكته، بعينيه، وبالأشياء التي لم يقلها لك؟

كنت أظن أنني خُلقت للفن، أو ربما أن الفن هو الذي خلقني. لم أكن أعرف أيّنا سبق الآخر؛ أنا الذي بحثت عن الجمال، أم الجمال الذي وجدني وأنا في أسوأ حالاتي وعلّمني كيف أنجو. لكنني أعرف شيئًا واحدًا الآن... لقد أحببت الموسيقى كما يحب المرء شيئًا يعرف أنه لن يستطيع امتلاكه. أحببتها حتى صرت أخاف من صمتها، وأخاف أكثر من اليوم الذي ستصبح فيه آخر نوتة أسمعها مرتبطة بشخصٍ لن أستطيع سماعها بعده دون أن أشعر بأن شيئًا في صدري يُنتزع مني.

لذلك، حين يسألني أحدهم عن أجمل مقطوعة عزفتها في حياتي، لا أذكر اسم مؤلف، ولا مسرحًا، ولا حفلًا امتلأت فيه القاعة بالتصفيق. أتذكر ثلاثة أشخاص فقط؛ فتى جلس أمام البيانو كأنه وُلد وفي أصابعه مفاتيحه، وفتاة حملت الكمان بين ذراعيها كأنها تحتضن قلبها، وأنا... كنت أقف بينهما، أراقب اللحن وهو يولد، دون أن أعرف أننا كنا نعزف منذ البداية مقطوعةً لا يعرف أحدٌ منا كيف ستكون نهايتها

والآن سأسردُ قصة بائسة حولٓ ثلاثة أشخاص جعلتْ الموسيقى حياتهم جحيمًا. ...

the last note for you/One ShotStories to obsess over. Discover now