​╭─✦ الفَصْلُ التَّشْوِيقِيّ ✦─╮

13 3 4
                                        

خَارِجَ نَافِذَةِ الْكُوخِ، كَانَتْ ضَبَابِيَّةُ الصَّبَاحِ تَبْلَعُ خُطُوطَ الْأَشْجَارِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّ الْعَالَمَ يَخْتَفِي لِيَتْرُكَهُمَا وَحْدَهُمَا فِي هَذَا الْفَرَاغِ.
كَرِيتْ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ أَعْتَابِ الْمَطْبَخِ الصَّغِيرِ، يُمْسِكُ بِكُوبِ الْقَهْوَةِ الَّذِي بَرَدَ تَمَامًا دُونَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ قَطْرَةً وَاحِدَةً. عَيْنَاهُ الْمُجْهَدَتَانِ كَانَتَا تَتَأَمَّلَانِ تْشَايْ الَّذِي جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، يَلْفُ اللِّحَافَ حَوْلَ جَسَدِهِ النَّحِيلِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صُرَاخٌ، وَلَا بُكَاءٌ... فَقَطْ ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَعْقُبُ الِاعْتِرَافَاتِ الْكَبِيرَةَ.
تْشَايْ رَفَعَ نَظَرَهُ بِبُطْءٍ، وَصَوْتُهُ خَرَجَ مَبْحُوحًا كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكْسِرَ الزُّجَاجَ الْمُحِيطَ بِهِمَا:
- هَلْ سَتَكْرَهُنِي الآنَ؟
كَرِيتْ لَمْ يُجِبْ فَوْرًا. أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ، وَمَرَّتْ فِي ذِهْنِهِ كُلُّ الصَّلَوَاتِ الَّتِي تَلَاهَا فِي صِغَرِهِ، كُلُّ الآيَاتِ الَّتِي حَفِظَهَا عَنِ الطَّهَارَةِ وَالْخَطِيئَةِ، وَوَجْهُ حَبِيبَتِهِ الَّتِي تَنْتَظِرُ اتِّصَالَهُ... ثُمَّ صُورَةُ تْشَايْ وَهُوَ يَبْكِي بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ.
تَنَفَّسَ كْرِيتْ بِعُمْقٍ، وَوَضَعَ الْكُوبَ جانِبًا بِصَوْتٍ ارْتَطَامٍ خَفِيفٍ.
- الأَمْرُ لَيْسَ بِهَذِهِ السَّهُولَةِ يا تْشَايْ... أَنَا لاَ أَعْرِفُ كَيْفَ أَنْظُرُ فِي الآيَنَةِ، فَكَيْفَ سَأَكْرَهُكَ أَنْتَ؟
اقْتَرَبَ كْرِيتْ خُطْوَتَيْنِ، كُلُّ خُطْوَةٍ كَانَتْ تَحْمِلُ ثِقْلَ رَجُلٍ يَمْشِي نَحْوَ حَتْفِهِ بِإِرَادَتِهِ. جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَمَامَ تْشَايْ، وَمَدَّ يَدَهُ الْمَرْتَجِفَةَ لِيَضَعَهَا عَلَى وَجْنَةِ الشَّابِّ، يُزِيحُ خَصْلَةَ شَعْرٍ عَنْ جَبِينِهِ.
- لَقَدْ عَبَثْنَا بِكُلِّ القَوَاعِدِ... كَسَرْنَا كُلَّ شَيْءٍ كُنْتُ أُومِنُ بِهِ.
تْشَايْ أَمْسَكَ بِيَدِ كْرِيتْ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى وَجْهِهِ، وَضَغَطَ عَلَيْهَا بِقُوَّةٍ كَأَنَّهُ يَتَشَبَّثُ بِقَشَّةٍ فِي أُقْيَانُوسٍ:
- لكِنَّنَا لَمْ نَكْذِبْ... هَذَا الشُّعُورُ هُوَ الشَّيْءُ الوَحِيدُ الحَقِيقِيُّ فِي حَيَاتِي.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَنَّ هَاتِفُ كْرِيتْ المَوْضُوعُ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
لَمْ يَكُنْ رَنِينًا عَادِيًّا؛ كَانَ إِشْعَارًا مُتَكَرِّرًا لِرَسَائِلَ تَتَوَالَى بِسُرْعَةٍ.
الْتَفَتَ كْرِيتْ بِبُطْءٍ، وَفِي الظَّلاَمِ الخَافِتِ لِلْكُوخِ، أَضَاءَتِ الشَّاشَةُ بِاسْمٍ واحِدٍ مَعْرُوفٍ... وَتَحْتَهُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الإِشْعَارِ:
«أَنَا أَعْرِفُ أَيْنَ أَنْتَ... وَأَعْرِفُ مَنْ مَعَكَ.»
تَجَمَّدَت الدَّمَاءُ فِي عُرُوقِ كْرِيتْ.
تْشَايْ شَعَرَ بِالْبُرُودَةِ تَسْرِي فِي يَدِ كْرِيتْ، وَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ رُعْبًا.
اللَّعْبَةُ لَمْ تَعُدْ مَجَرَّدَ صِرَاعٍ مَعَ الذَّنْبِ أَوْ العَقِيدَةِ...
سِرُّهُمَا المَخْفِيُّ فِي أَقْصَى الَكُوخِ، أَصْبَحَ الآنَ فِي قَبْضَةِ مَنْ يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى تَدْمِيرِهِمَا مَعًا.

Default Title - Write Your OwnStories to obsess over. Discover now