١

25 16 12
                                        



في صباح لم يكن البرد فيه مجرد طقس عابر
كان كائناً صامتاً تسلل إلى الأشياء فأفقدها صوتها

كان صمتًا من نوع آخر، لا يُسمع بل يتسرّب إلى العظام كضيفٍ ثقيلٍ لم يُدعَ، فيستقرّ فيها على مهل، وبلا استئذان..

على التل كانت تقع مقبرة تطل على المضيق
مقبرة بدت وكأنما رسمت بريشة من رماد ، شواهدها رمادية تقف في صفوف مُتعبة ، كأنها تحاول أن تبقى واقفة كمثل وقفتها الأولى

بينما فقد الثلج صفائه و اكتسى بلون أصفر باهت يشبه صفحة من كتاب قديم تُرك طويلاً في قعر درج منسي

السماء لم تكن تمطر ولم تكن صافية
كانت معلّقةً في ذلك الحيادِ القاسي الذي تعرفه أقاصي الشمال؛ حيادٌ لا يمنح الطقسُ فيه للبشر عزاءً، ولا يتكلّف عناءَ السخرية من أحزانهم

أما الأشجارُ العارية، التي أسلمت أوراقَها لرياحِ الخريف، فوقفت كهياكلَ متجمّدة، أذرعُها ممدودةٌ في استغاثةٍ خرساء لم تُجبها إلا الريح ..

وصلَ المشيّعون تباعًا
يلتفّون بمعاطفَ داكنةٍ كأنّ الحدادَ لباسُهم الأزلي
يتهامسون بصوتٍ أخفض من حفيف الريح، وكأن الحديث جهرًا حرمة تُنتك

وفي قلب هذا الحشد القاتم، وقفت سيلينا مارلو

لم يكن سواد معطفها الطويل ووشاح الكشمير الملتف حول عنقها
مجرد زي للحداد ..
كان كطبقة حماية أخيرة تدرأ عنها ماهو أشد قسوة من البرد

كان وجهها شاحبًا بشحوبَ لا يشبه المرض، يشبه التعبِ الذي استوطنَ الملامحَ حتى انطبع فيها

وعيناها... كانتا تحملان دموعًا رفضت أن تسقط، فبقيت معلّقةً عند الحافة، لا هي انهمرت ولا هي جفّت

وعندما بدأ النعش بالنزول، سرت في كتفيها ارتعاشة خفيفة وسريعة، كموجة هادئة سرعان ما انقضت

كأنّ جسدها تذكّر للحظةٍ أنه ما زال حيًّا. رفعت يدَها إلى فمِها، وبقيت أصابعُها ترتجفُ بينما ظلّت عيناها مثبّتتين على النعش دون أن ترمشا

اقتربت منها امرأةٌ مسنّة، بدت من أقارب الميت، وأمسكت بذراعها بحنانٍ واهن

—"تماسكي يا عزيزتي... إنه في مكانٍ أفضل الآن"

أومأت سيلينا برأسها ببطء شديد، كأن الكلمات احتاجت وقتًا لتخترق غيوم حزنها، ثم تمتمت بصوتٍ خافت متهدج

—"كان يستحق ذلك المكان الأفضل منذ زمنٍ طويل"

عبارة عابرة وبسيطة
لكنها استقرت في أذن إيليان ڤوس
كحجر أُلقي في بحيرة ساكنة، مخلّف خلفه دوائر من الشك لا يعلم بوجودها أحدٌ غيره.

كان يقف على مسافةٍ منها، منفردًا تقريبًا، يرتدي معطفاً رمادي اللون يكاد لونه يندمج مع لون السماء

لم يكن هناك ليدفن صديقًا أو يشارك في عزاء؛ بل لأن ملف اختفاء اوسكار مارلو
كان لا يزال مفتوحًا على مكتبه، رغم أنّ أسابيعَ البحث لم تُسفر عن شيء.

ملفٌّ بدأ كقضيةِ اختفاء ثم تحول إلى جثة غير موجودة لرجلٌ دُفن اسمُه في هذه المقبرة، دون أن يُعثرَ على جسده

وكان ذلك، بالنسبة لإيليان، أسوأ أنواع النهايات ...

تأملها بتركيز حين رآها تتلقى التعازي من الجميع، وتهز رأسها بامتنان، وتضغط على الأيدي الممتدة برقة
بينما عيناها تستقران في فراغٍ غريب .

لم تكن سيلينا تطلب المواساة أو الشفقة من أحد
لكن حزنها الصامت هو ماكان يجذب الناس إليها قسرًا. ولم يغادرها أحد إلا وقد تركت فيه أثرًا

إما دمعة خرجت دون قصد تعاطف معها
أو كلمات مواساه لا تعرف إن كانوا يعنون ذلك حقاً

كان إيليان يراقب تلك التفاصيل كلها.

ويحفظها في مكانٍ ما من ذاكرته.

ولم يكن يعرف لماذا.

حين انتهت المراسم، بدأ الناسُ يتفرّقون تدريجيًّا، كقطيعٍ يبحثُ عن الدفء بعد أن أنهكه البرد

ذهب الجميع وبقيت المقبرة خالية إلا من إيليان و سيلينا

وقفت وحدَها أمام القبر ولكنها لم تبكي
ولم تتحرك ، حدّقت فقط في الحفرة التي ابتلعت اسمَ زوجها دون جسده ، بجمودٍ يشبه هدوء من يطوي الصفحة الأخيرة من روايةٍ طال انتظار نهايتها.

ثم استدارت فجأة، والتقت عينها بعيني إيليان مباشرة

هنا توقّف شيءٌ ما في داخله

لم تبدي اي انفعال أو انزعاج فقط أومأت له برأسها إيماءة خاطفة تُقرّ بوجوده

ثم استدارت وغادرت. خطواتُها كانت بطيئةً، ثابتةً، تتّجه نحو السيارة السوداء التي كانت تنتظرها عند طرف الطريق

تابعها إيليان بعينيه حتى فتحت البابَ وجلست في الداخل.

وظلّ هو واقفًا مكانه

كان ينبغي أن ينتهي الأمر هنا

الجنازة انتهت

ملف القضية اغلق

والزوجة فقدت زوجها

لكنّ شيئًا في داخله رفضَ أن يصدّق أنّ القصة انتهت

بقي ينظر إلى السيارة وهي تمضي وتختفي خلف الثلوج
حتى اختفت خلف الأشجار

وعندها

ادرك ماكان يزعجه منذ اللحظة التي ألتقت عيناه بعيناها
لم يكن السؤال مالذي تخفيه سيلينا مارلو

بل كان سؤالاً اكثر ازعاجاً من كان يراقب من ؟

You've reached the end of published parts.

⏰ Last updated: Sep 23 ⏰

Add this story to your Library to get notified about new parts!

Cold MercyStories to obsess over. Discover now