لم يكن الأمر مجرّد دقائقٍ انزلقت على مهل، ولا ساعاتٍ يمكن عدّها، بل زمنٌ ثقيل تمدّد فوق أنفاسها حتى بدا وكأنه نسي أن ينقضي.
وأخيرًا...
ارتجفت جفونها الواهنة ارتجافةً بالكاد لُوحظت، ثم انفرجت ببطء، كما لو أن الليل كلّه افترش عينيها ورفض أن يرحل. شعرت بأن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها، وأن جسدها غارق في تعبٍ لا يشبه أي تعب عرفته من قبل، كأن أحدًا قد غرس في عظامها جبالًا صغيرة وأغلق عليها الطريق.
رفعت رأسها بصعوبة، فتدفقت إلى جمجمتها موجةٌ من الثقل جعلت العالم يميل أمامها قليلًا. أغمضت عينيها متأوهة، ثم رفعت أناملها المرتجفة تضغط برفق على جبينها، وكأنها تحاول إسكات الألم المختبئ خلف عظامه.
استقامت جالسة فوق السرير، وأخذت أنفاسًا متقطعة وهي تحدّق في الفراغ أمامها.
أين أنا...؟
تسللت عيناها ببطء في أنحاء الغرفة، وما إن استقرت ملامح المكان في ذاكرتها حتى ارتخت كتفاها قليلًا.
غرفة إيليني.
زفرت زفرة خافتة، ثم أنزلت بصرها نحو نفسها.
كانت ترتدي بنطالًا قطنيًا وكنزةً واسعة تخص عادل، لا تزال تحمل رائحة مسحوق الغسيل الممتزجة بعطره الخفيف، الرائحة ذاتها التي اعتادت أن تبعث في قلبها طمأنينةً لا تعرف لها تفسيرًا.
لكن...
لماذا شعرت بأن شيئًا ناقصًا؟
راحت تتأمل الغرفة من جديد، وكأنها تراها للمرة الأولى. كل شيء كان في مكانه، ومع ذلك، كان قلبها يُوخز بين حينٍ وآخر بإبرةٍ خفية، لا تؤلم بقدر ما تترك خلفها شعورًا غريبًا بالعجز.
وقفت ببطء.
وما إن استقرت قدمها على الأرض حتى اخترق الألم أسفلها كشوكةٍ انغرست في اللحم.
شهقت بصوتٍ مكتوم، وانحنت تمسك قدمها بكلتا يديها، تحاول تخفيف ذلك الوجع الذي تسلل صامتًا، ثم أخذت تجرّ خطواتها نحو المرآة القريبة.
وقفت أمامها.
رفعت رأسها...
واتسعت حدقتاها.
كان على جبينها جرحٌ صغير، وقد جفّت عند حافته خيوطٌ رفيعة من الدم.
حدّقت فيه طويلًا.
رفعت أصابعها ولمسته برفق، ثم سحبتها سريعًا، كأنها لا تصدق أن الألم حقيقي.
متى حدث هذا...؟
حاولت أن تفتش في ذاكرتها، أن تلتقط طرف خيطٍ يقودها إلى ما جرى، لكن أفكارها كانت تتفلت منها كالدخان، كلما ظنت أنها أمسكت بها، ذابت بين أصابعها واختفت.
عقدت حاجبيها.
لم تتذكر شيئًا.
أبعدت نظرها عن المرآة، وسارت نحو الباب بخطواتٍ بطيئة، تستند أحيانًا إلى الجدار كلما اشتد الألم في قدمها.
وضعت يدها على المقبض وأدارته.
انفتح الباب بهدوء.
وفور أن خطت خارجه، لفحها هواءٌ بارد تسلل إليها كأنه خرج لتوّه من قلب شتاءٍ طويل، فارتعشت أطرافها لا إراديًا.
أنت تقرأ
عُد | Geri dön
Romanceعشرين عامًا من الفراق، ظنّت أسماء أن الحياة منحتها أخيرًا ما حُرمَت منه طويلًا. عادل. الرجل الذي أحبّته منذ شبابها، والذي ظلّ اسمه عالقًا في قلبها رغم السنوات، عاد ليجمع ما تبعثر منهما، ويمنحها أخيرًا الحياة التي لطالما تخيّلتها. لكن بعض الأشياء لا...
