قبلة على الكتف

180 5 1
                                        

كان العالم بأسره يراقب تلك اللحظة التي مال فيها سانغوون ليطبع شفتيه على كتف أنشين، لحظة كان من اليسير فيها أن يتخلى المرء عن كل فكرة عابرة تراوده، ويُسلم عقله لدفء البشرة المستكينة تحت فمه، ولتلك التنهيدة الرقيقة التي انفلتت من بين شفتي أنشين، وكيف تيبّس جسد الأصغر لبرهة من الزمن قبل أن يذوب مستسلماً وليناً تحته.

كانت أستوديوهات الراديو دافئة، بل دافئة إلى حدٍّ يبعث على الضيق؛ إذ كان جهاز التكييف يئزّ بتلك الطريقة التي تعتادها المباني القديمة حين يرفض الصيف أن يرخي قبضته عن المدينة. وكان سانغوون مستغرقاً في النظر الى عيني أنشين اللتين برقتا ببريق خفيف، وفي عبيره الذي يفوح بشيء من أريج الزهور الفاخرة والآسر إلى حدٍّ لا يُقاوم، حتى إنه لم يفكر، ولا لبرهة واحدة، في آلاف المستمعين الذين يتابعون البث المباشر، ولا في الكاميرات التي تسجل كل زاوية للبث المباشر، ولا في حقيقة أنهما لم يکونا مطلقاً بمفردهما في تلك الغرفه بأثاثها البالي.

اتسعت عينا أنشين، وانفرجت شفتاه بشهقة صغيرة كادت لا تُسمع، لم تلتقطها أجهزة الصوت، وما كان من سانغوون إلا أن تراجع بقدر ما يسمح له بملاقاة نظرته فحسب، بينما ظلت يده مستقرة على كتف أنشين حيث كانت منذ دقائق، تداعب إبهامه دوائر صغيرة غافلة على قماش قميصه. وللحظة خاطفة، خاطفة فحسب، تضاءل العالم بأكمله ليعود مجرد اثنين بينهما صمت مشحون، كأنه سرٌّ طال انتظاره ليُقال علناً، وأطول مما كان أي منهما مستعداً للاعتراف به.

أغمض سانغوون عينيه برهة ثم فتحهما، وانسحبت يده عن كتف أنشين وكأنه اكتوى بنار، ونظر إليه ليرى الحمرة التي تسللت من ترقوته لتصعد إلى وجنتيه، والارتجاف الخفيف في أصابعه وهي تقبض على مسند المقعد، وكيف كانت شفتاه تفتحان وتغلقان كأنما تبحثان عن كلمات ترفض أن تأتي.

"حسناً..." قالت المذيعة بنبرة حملت ذلك الاندهاش المهني الذي يأتي إثر التلصص على حدث غير متوقع بالمرة، حدث سيغدو بلا شك المقطع الأكثر تداولاً، وتلك اللحظة التي ستُشرح ثانية بثانية عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تنقضي الساعة.

ضحك سانغوون ضحكة جاءت جوفاء وأعلى مما ينبغي في أذنيه، ومد يده إلى قارورة الماء بأصابع تضرع أن تظل ثابتة، وجرع منها جرعة طويلة لم تروِ جفاف حلقه قط. سارق النظر إلى أنشين بطرف عينه فوجده يحدق في الطاولة، في المذياع، في أي نقطة تهرب من وجه سانغوون، ليستقر في جوفه إدراك كالحجر، إدراك بأنه قد أقدم على فعل شيء هدم به حداً طالما قضيا أشهراً في حمايته والذود عنه بعناية فائقة.

مرّ ما تبقى من المقابلة في ضباب من الأسئلة والأجوبة التي لم يستطع سانغوون تذكرها لاحقاً. خطى أنشين أمامه بثلاث خطوات دون أن يلتفت للورا، مشدود الكتفين، وهاتفه بين يديه بالفعل، وعرف سانغوون بيقين اعتصر صدره ألماً، أن ليلة طويلة جداً تنتظرهما.

wonxin || one shots Historias para obsesionarse. Descúbrelo ahora