آفاق🌅
هناك من يُولد بين ذراعي عائلته .أما أنا، فولدت بين يدي سؤال.
في ليلةٍ ممطرة، وتحت شجرةٍ عتيقة، تُركتُ وحيدة. امتزج صوت بكائي بارتطام قطرات المطر، حتى كاد يختفي بينها... إلى أن عثرت عليّ امرأةٌ عجوز، بجانبي صندوق خشبي صغير،فتوقفت أمامي وقد عقدت الدهشة لسانها خلعت عباءتها وأحاطتني بها، ثم حملتني بين ذراعيها برفق، وكأنها تخشى أن أنكسر بين يديها. نظرت حولها طويلًا، لعل أحدًا يعود لأخذي... لكن المكان لم يكن يضم سوى الأشجار، والمطر، وصدى بكائي.
تنهدت وهمست:
من الذي يترك طفلةً في مثل هذه الليلة؟
وحين أيقنت أن لا أحد سيعود، مضت بي نحو كوخها الصغير، غير مدركةٍ أن تلك الليلة لم تغيّر حياتي وحدي... بل غيّرت حياتها أيضًا
مرّت الأعوام دون أن أشعر بثقلها. كبرت بين ذراعي جدتي، وفي كوخٍ صغير يحتضنه طرف قريةٍ نائية، بعيدةٍ عن ضجيج العالم. هناك عرفت الدفء... لكنني لم أتخلَّ يومًا عن ذلك الشعور الغامض بأنني لا أنتمي إلى هذا المكان
لم تكن قريتنا كبيرة، لذلك كنت أعرف وجوه الجميع... والجميع يعرفونني كانت قريةً هادئة، يستيقظ أهلها على زقزقة العصافير ورائحة الخبز، وتنتهي أيامهم قبل أن تغيب الشمس خلف الجبال
...
استيقظت قبل شروق الشمس كعادتي. كان الكوخ هادئًا على غير العادة، بينما خرجت جدتي لإحضار الماء من البئر. وبينما كنت أرتب بعض الأغراض، وقع بصري على الصندوق الخشبي الموضوع في زاوية الغرفة
الذي كانت تحذرني الجده منه وتقول (ليس كل ما نرثه خُلق لنستخدمه) ..
في ذلك اليوم راودني الفضول فقررت فتحه وعندما فتحته وجدت سوارًا فضيًا ، يتوسطه حجر أزرق خافت الوهج . مددت يدي إليه بتردد. كان السوار باردًا على غير العادة، لكن ما إن لامسته حتى شعرت بدفءٍ غريب يسري في أطراف أصابعي. بقيت أحدق فيه لثوانٍ، ثم ارتديته، غير مدركة أن تلك اللحظة ستغيّر مجرى حياتي
ذهبت أقدم الحليب للناس، بينما كانت جدتي تنشغل ببيع الخبز. اعتاد أهل القرية أن يجتمعوا في الساحة مع شروق الشمس، يتبادلون الأحاديث والابتسامات قبل أن يبدأ كلٌ منهم يومه امتلأت ساحة القرية بأصوات الباعة وضحكات الأطفال، وكعادتي كنت أتنقل بين الزبائن بابتسامة هادئة. تقدمت امرأةٌ مسنة لتأخذ إناء الحليب من يدي، لكن ما إن لامست أصابعها الإناء حتى أفلت منها.
شهقت لا إراديًا، وفي اللحظة نفسها شعرت بوخزٍ حادٍ في معصمي، حتى اضطررت للإمساك به. ازداد الألم لثوانٍ، وكأنه نبضٌ يشتعل تحت جلدي.
رفعت رأسي بسرعة، منتظرةً أن أسمع صوت تحطم الإناء... لكن الصوت لم يأتِ.
كان الإناء قد استقر على الأرض برفق، وكأن أحدًا أمسك به قبل أن يسقط.
تراجعت خطوة، وحدقت فيه بصمت.
قالت المرأة وهي تلتقط الإناء مبتسمة:
"الحمد لله... ظننته قد تحطم."
ابتسمت لها ابتسامةً باهتة، لكن عيني بقيتا معلقتين على معصمي. كان الألم قد اختفى... وكأنه لم يكن.
تنفست ببطء، وأقنعت نفسي أن ما حدث ليس إلا مصادفة. لكن منذ تلك اللحظة، لم يعد قلبي يصدق ما يحاول عقلي إقناعه به
عدت إلى الكوخ قبل غروب الشمس، لكن ذهني ظل عالقًا بما حدث في الساحة. كلما نظرت إلى السوار، عاد ذلك الألم الخفيف إلى معصمي، ثم اختفى قبل أن أفهم سببه
وعندما كنت ممسكه بالإناء دخلت جدتي الي وكانت تتحدث معي لاكن في لحضه ما تتجمد ما ان وقع بصر جدتي على معصمي ،حتى شحب وجهها، وسقط الكوب من يدها .
ارتجفت شفتاها وهي تحدق في السوار، ثم قالت بصوتٍ خافت لم أعتد سماعه منها:
"اخلعيه... حالًا."
نظرت إليها باستغراب، ثم أمسكت السوار محاوِلةً نزعه.
لكن ما إن سحبته قليلًا، حتى اجتاح معصمي ألمٌ حاد، كأن آلاف الإبر انغرست في جلدي دفعةً واحدة.
شهقت، وأفلتُّ السوار بسرعة، ألهث من شدة الألم.
حاولت مرةً أخرى... لكن الألم كان أشد من السابق، حتى شعرت بأن معصمي يحترق من الداخل.
تراجعت خطوة، وأنا أضم يدي إلى صدري، وهمست بصوتٍ مرتجف:
"لا... لا أستطيع."
ساد الصمت بيننا للحظات، ثم رفعت بصري نحو جدتي.
لم أرَ في عينيها الغضب... بل رأيت خوفًا لم أعرفه فيها من قبل.
أغمضت عينيها لبرهة، وكأنها كانت تخشى أن يأتي هذا اليوم منذ سنوات، ثم تمتمت بصوتٍ بالكاد سمعته:
"لقد تأخرنا"
رفعت رأسي إليها باستغراب .
"عن ماذا؟!"
نظرت إلى السوار طويلًا، ثم أغلقت عينيها وكأنها تستجمع شجاعتها "هناك أشياء كنت أتمنى ألا تعرفيها أبدًا."
آفاق :من أنا ؟
الجده : لم تجب
اقتربت مني ببطء ، ولمست السوار بأطراف أصابعها ، ثم همست :
الجده : منذ الحظة التي ارتديته بدأ كل شي
YOU ARE READING
آفاق🌅
Fantasyتخلّى عنها الجميع... أو هكذا ظنت. حين تخطو آفاق إلى عالمٍ لا تنتمي إليه، تجد نفسها في قلب مغامرة مليئة بالأسرار . وكل إجابة تكتشفها تقودها إلى سؤال أخطر.
