الفصـــل الاول

18 2 0
                                        


صباحٌ باكر...

رائحة الهواء المنعشة تتسلل
بين الشوارع الخالية،
والهدوء يخيّم على العمائر،
وكأن المدينة لم تستيقظ بعد.

لكن خلف تلك الجدران الهادئة،
تدور صراعات لا يعلم عنها أحد...
ربما أصواتها خافتة،
أو ربما تكفلت الجدران بكتمان أسرارها.

في إحدى تلك الشقق...

استيقظ ستيفن،
صاحب الثامنة عشرة من عمره،
ليبدأ يومًا جديدًا من
حياة طالب في الصف
الثالث الثانوي، لم يعد يفصله
عن التخرج سوى أشهر قليلة.

جرّ قدميه نحو الحمام وهو
يقاوم النعاس، ثم وقف أمام
المرآة يتأمل انعكاسه.

استقرت هالات سوداء أسفل عينيه،
شاهدةً على ليلة أخرى لم يعرف
فيها النوم طريقًا إليه،
بينما كان شعره الأصهب المائل
إلى البرتقالي مبعثرًا
في كل اتجاه، ليمنحه مظهرًا
فوضويًا لا يخلو من الجاذبية.

وكما يقول المثل...

"الدخول الحمام مش زي خروجه."

وبالفعل، خرج بعدها في
هيئة مختلفة تمامًا.

ارتدى بنطالًا قماشيًا أسود،
مع قميص أزرق داكن تتوسط
ظهره لوحة للفنان فان جوخ،
اللوحة التي طالما أحبها،
حتى إنه كان يقتني أي شيء يحملها.

كان على وشك مغادرة الشقة،
حتى وجد والدته، مروة،
تقف في منتصف الصالة،
تحمل في يدها شطيرة،
وفي الأخرى ثمرة طماطم طازجة.

ضيقت عينيها وهي تتأمله
من رأسه حتى أخمص قدميه،
ثم قالت:
ـ رايح فين على وش الصبح
ومتشيك كده يا ستيفن؟

تنهد بضيق مصطنع وهو يلتقط
الشطيرة من يدها.

ـ هروح فين يعني؟ رايح أحجز الدروس...
على عينك يا تاجر.
هو أنا عندي صحاب أخرج معاهم أصلًا؟

اقتربت منه وضربته ضربة
خفيفة على صدره.

ـ يا عيني على اللي معندوش صحاب!
ده إنت اسم الله عليك،
مصاحب النمل في الأرض
بعد ما خلصت على البشرية.

وضع يده على صدره وكأنه
تلقى إهانة عظيمة.

ـ عشان تعرفي إني غلبان
ومغلوب على أمري...
عديني بقى، عايز ألحق الحجز.

اتجهت نحو المطبخ.

ـ قدامك ساعتين يا بكاسة...
وقسمًا بالله لو مرجعتش،
هخلي حسين ينيمك على السلم.

رفع حاجبه باستغراب مصطنع.
ـ ساعتين إيه؟

جاءها صوته من داخل
المطبخ وهي تلوح بيدها.
ـ امشي يا بكاسة... متفلسفش.

خرج من الشقة وهو يتمتم لنفسه:
ـ بتعرف منين كل حاجة دي؟...
يا رب بس ما أقابلش البغل عبد الرحمن.

بكاسه Stories to obsess over. Discover now