هيثم

313 20 8
                                        



تسارعت أنفاسه، خرجت متقطّعة ومترددة، ويداه امتدّتا تتحسسان الفراغ من حوله، فيما تقدّمت قدمه خطوة بطيئة متذبذبة. وحين لامس الهواء النقي جسده، وحرّك خصلات شعره، أخذ نفسًا أعمق، كأنّه يتشبث به، ثم واصل دفع نفسه إلى الأمام رغم الخوف المرتعش في جسده، ورغم تخبّط يديه الباحثتين حولة

كان يعلم جيدًا أن ما يقدم عليه خطر، وأن خطوته هذه ستغضب عائلته، لكنه بلغ حد الاكتفاء من تلك الحدود الخانقة، ومن حضورهم الدائم الذي يلتف حوله كقيد. كان يشعر بالاختناق، بالضيق الذي لا يحتمل، وربما لو استطاع أن يثبت لهم قدرته، وأنه ليس بحاجة إلى ظل يرافقه في كل خطوة، سيتركون له فسحة من الحرية، ولو ضئيلة.

في الداخل، كان سعد يطالع المكان باستنكار. أمر عدة دقائق بدون ظهور هيثم، ربما أنه ذهب إلى أمه، لكن مع مرور الدقائق بدأ القلق ينغز قلبه. أنزل الآيباد عن حجره، وقرّر أن يطمئن فقط، مجرد تأكد

خرج من الغرفة المشتركة بينه وبين هيثم، واتجه نحو الصالة. لمح والده جالسًا هناك، لكن لا أثر لهيثم. و قبل أن يسأل، دخل المطبخ ليجد والدته تعد القهوة وترتب بعض الحلوى. وحين رأته، قالت وهي تضع الفناجين

"روح جيب هيثم من الغرفة عشان نتقهوى، وقول له سويت الحلى اللي يحبه."

عبس سعد قليلًا، ثم قال بتردد

"حسبت إنه عندك… لأنه مو في الغرفة."

عقدت والدته حاجبيها، وسألته بقلق

"شفتَه في الصالة؟ أو يمكن عند يوسف؟"

نفى سعد برأسه، واتجه ليتأكد إن كان مع يوسف أكبر إخوانه حيث كان يحب هيثم إن يقضي وقت هناك،

لكن ما إن أدرك الجميع أن لا أحد يعرف أين هيثم، حتى تبدل الجو.

انقلب البيت رأسًا على عقب كل يبحث، وكل يحمل في صدره توترا مشدودا كوتر على وشك الانقطاع

.

اندفع يوسف خارج البيت، أنفاسه تتسارع وملامحه متشنجة. كان على وشك أن يركض أكثر، لكنه توقف فجأة. على يمينه… هناك، على بعد خطوات قليلة، رآه

هيثم.

كان يعطيه ظهره، يخطو ببطء نحو وجهته، ويداه ممدودتان تتحسسان الطريق بحذرٍ مؤلم

تباطأ نفس يوسف بهدوء ، وسحبت رجلاه قوتهما منه، فجلس على أطراف أصابعه، يفرك عينيه ويستغفر بصوت خافت، كأنه يدرأ كارثة كادت أن تقع، ثم نهض، ونادى

"هيثم."

تجمّد صاحب الاسم في مكانه. هبطت يداه إلى جانب جسده، ثم أدار رأسه ببطء نحو الصوت. اكتسى الضيق ملامحه، ولم يفعل شيئًا سوى أن أنزل رأسه بعجزٍ صامت

قال يوسف بنبرة عتاب ثقيلة

"ليه طلعت بدون ما تقول لنا؟ كان جيتني، أطلعك أنا."

شدّ هيثم قبضته، وازداد عبوس وجهه

"أنا مو صغير… أقدر أطلع لوحدي."

تقدّم يوسف خطوة أخرى، عقد حاجبيه، وقال بحدّة موجوعة للمتلقي

"لا… ما تقدر. أنت أعمى ."

.

.

.

هيثم

أصوات Stories to obsess over. Discover now