كانت مدينة إيدنمار تلك الليلة أشبه بصفحة قديمة بلّلها الزمن ونسي أن يجففها
المطر هبط ببطءٍ غير معتاد، قطرات واسعة، ثقيلة، كأنها تسقط من قلبٍ يبكي لا من سماء
والشوارع المبللة تعكس ضوء المصابيح المرتجفة، فتصير المدينة كلها لغزًا ساكنًا يوشك أن يقول شيئًا… ثم يتراجع
في وسط هذا الهدوء المضطرب، كان إيست يسير خطوةً بعد الأخرى
لم يشعر بثقل المطر فوق معطفه… بل بشيءٍ أعمق، شيء يضغط على صدره كلما اقترب من المبنى
ذلك المكان ليس مجرد مقرّ عمل بالنسبة له، بل مساحة أحسّ فيها لأول مرة بأنه ليس متحكمًا بنفسه كما يظن ...
كانت يداه في جيبيه، ورأسه منخفضًا قليلًا، وملامحه شاحبة كأن الليل مسح عنها لونها
كان يفكر:
لماذا نعود دائمًا إلى الأشخاص الذين نتألم منهم… وكأننا نخشى الشفاء؟
لماذا يؤلمنا بعدهم و قُربهم أشد ألماً ؟
لماذا نُحب القرب و القربُ لهذا الحدّ مؤلم؟
ولم يجد إجابة
عندما رفع رأسه، رأى الضوء الوحيد في الطابق الأخير… الضوء الذي يعرفه أكثر مما يعرف نفسه
ضوء مكتب ويليام
توقف لحظة
لم يكن يتردّد… بل يحاول تهدئة الاضطراب الذي يغوص فيه كلما رأى ذلك الضوء ، كان يعلم من وراء هذا الضوء ... يعلم من هو سبب الألم الذي بِه و مع ذالك يذهب إليه .... لربما هو اشتياق؟
صعد السلالم بصمت
كان الهواء رطبًا، يلتصق بجلده، ويذكّره بأن قلبه لم يشفى من أي شيء بعد
داخل المكتب…
المكان هادئ بشكلٍ لا يُصدق
هدوء يشبه غرفة فقدت صاحبها منذ زمن
كان ويليام يقف بالقرب من النافذة، ظهره للباب
كتفاه مشدودتان، ويداه في جيبيه، كأن البرد يسكن داخله لا خارج النافذة ، برد و فراغ بدواخلهِ ...
عندما فتح إيست الباب، لم يلتفت ويليام فورًا
لكن إيست شعر به… شعر بأنه لاحظ دخوله قبل أن يصدر أي صوت
التفت ويليام أخيرًا، ببطءٍ يشبه من يخرج من ذكرى بعيدة
وعندما التقت أعينهما… حدث ذلك الشيء الذي يهرب منه إيست دائمًا...
ذلك الألم الهادئ… الحارّ… الذي لا يعرف له اسمًا ... سبباً من أسباب خوفهِ هو هذا الألم...
قال ويليام بصوت خافت:
"تأخرت"
لم يكن في نبرة صوته لوم… بل شيء يشبه الشوق المكبوت، المكسور ، المؤلم
أجاب إيست بهدوء:
"الطرق كانت مزدحمة… والمطر..."
وتوقف
لم يكن يريد أن يكون الحديث عن المطر، بل عن الليلة الماضية، عن الغياب، عن السؤال الذي يخاف إجابته، عن الهروب المؤلم الذي حدث، عن مشاعره و ألمه ..
