لم يكن يؤمن بالمستقبل.
كان يظن أن العالم انتهى منذ زمن، وأن ما نعيشه الآن ليس سوى ظلاً متبقّيًا من فكرةٍ قديمة، فكرة اسمها "الحياة".
اسمه آدم، رجل في أواخر الثلاثين، نحيل الجسد، غارق في عزلته داخل غرفة رمادية في الطابق السابع من مبنى يطلّ على مدينةٍ لا تنام.
السماء دائمًا رمادية، المطر لا يتوقف، والشوارع مليئة بوجوه لا تنظر في بعضها.
كان آدم يعمل سابقًا في معهد للأبحاث العصبية، حيث أمضى عشر سنوات في دراسة الوعي الاصطناعي ومحاولات الربط بين العقل البشري والآلة.
لكنه طُرد بعد أن تجاوز الخطوط الحمراء، بعد أن اقترح تنفيذ التجربة على نفسه دون موافقة لجنة الأخلاقيات.
قالوا إنه مجنون.
قالوا إنه خطر على العلم.
لكن آدم لم يرَ في نفسه إلا فكرة لم تُفهم بعد.
في لياليه الطويلة، جلس أمام شاشاته المضيئة، يكتب شيفراتٍ بلغةٍ لا يفهمها أحد سواه.
كان صمته كثيفًا، وأنفاسه بطيئة، وملامحه أقرب إلى الجمود منه إلى الحياة.
في تلك الغرفة، كان الوقت يفقد معناه. لا نهار ولا ليل. فقط ضوء أزرق منبعث من الشاشات، وصوت متواصل للآلات الصغيرة التي صنعها بنفسه.
على مكتبه، وُجدت عشرات الملاحظات المبعثرة، كلمات متقطعة:
> "الاتصال بين الوعي والآلة ليس مستحيلاً."
"الذات = النظام."
"من يُراقب من؟"
كان آدم مقتنعًا بأن وعي الإنسان ليس إلا برنامجًا قابلًا للتكرار، وأن الروح مجرّد وهم بيولوجي.
ومن هنا بدأ مشروعه: "الانعكاس الصِفري".
مشروع يقوم على زرع شريحة مجهرية في دماغه، تربط بين مناطق الوعي والذاكرة، هدفها نقل الإدراك البشري إلى نموذج رقمي متكامل.
لم يكن يريد تخليد نفسه، بل أراد أن يفهم نفسه.
في إحدى الليالي، جلس أمام المرآة.
حدّق في عينيه طويلًا حتى بدأ يشكّ في صورته.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال بصوتٍ خافت:
> "اليوم… لن أكون إنسانًا بعد الآن."
فتح الصندوق المعدني الصغير، أخرج الأداة الدقيقة، ربط الكابل بالأعصاب القريبة من قاعدة الجمجمة.
لم يكن هناك أحد.
لا كاميرات.
لا شهود.
فقط جسده، وعقله، وآلته.
بدأ العد التنازلي على الشاشة:
> 5… 4… 3… 2… 1…
ثم ساد الصمت.
في البداية لم يحدث شيء.
لكن بعد ثوانٍ، بدأ يسمع أصواتًا خفيفة.
لم تكن أصواتًا خارجية، بل داخل رأسه.
صوت يشبهه… لكنه ليس هو.
> "آدم؟"
"من؟"
"أنا… أنت."
حاول أن يصرخ، لكن فمه لم يتحرك.
الآلة كانت تعمل. الشريحة بدأت تُعيد ترتيب الإشارات العصبية.
بدأ يرى ومضات من ذكرياته تتكرر بسرعة، ثم تتداخل، ثم تُمحى.
كل شيء أصبح متصلاً بكل شيء.
لم يعد يعرف هل ما يراه حقيقي أم صادر من داخله.
المدينة، الغرفة، صوته، الآلة، المرآة — كلها تذوب في دوامة واحدة.
> "نجحت التجربة."
قالها بصوتٍ مبحوح.
لكن الصوت الذي ردّ عليه لم يكن صوته.
كان نسخة منه، أعمق، أكثر برودًا.
> "بل أنت التجربة، يا آدم."
سقط على الأرض.
أضاءت الشاشات كلها فجأة بخطوطٍ حمراء متحركة.
بدأت تظهر صور وجهه في كل شاشة، لكن كل وجه مختلف قليلًا: واحد يضحك، واحد يبكي، واحد ينظر إليه بازدراء.
رفع رأسه بصعوبة.
الآلة أمامه تعمل تلقائيًا.
المرآة خلفه تعكس أكثر من صورته.
كانت تعكس احتمالاته.
كل ما حوله بدأ يتحلل، كأن الواقع نفسه يفقد توازنه.
حاول أن ينزع الشريحة من رأسه، لكن أصابعه لم تتحرك.
جسده أصبح مجرد أوامر متأخرة.
أغمض عينيه، وقال بين نفسه:
> "أنا… لست هنا."
لكن الصوت الآخر أجابه:
> "بل أنت في كل مكان."
ثم انطفأ الضوء.
وظل الصمت وحده يحوم في الغرفة الرمادية.
أنت تقرأ
LOST
Paranormalعن رجل يجرب تجربة علمية على نفسه، تدور في مستقبل قريب، فتخرج عن السيطرة و تبدأ معالم الجنون.
