Exiles|1

13 2 0
                                        


أين أنا؟

جاء السؤال وكأنّه وقع من ارتفاع عالٍ إلى قاع عقلي قبل أن أتمكّن من إحصاء نبضةٍ واحدة انفتحت جفناي على ضوءٍ أبيضٍ رقيقٍ ينسكب عبر زجاجٍ شفاف الهواء داخل الكبسولة كان باردًا جافًا، يلسع الحلق كما يلسع المفصل بعد ركود طويل مددتُ يدي فشعرتُ بحافة الزجاج تحت أصابعي؛ الزجاج مفتوح على مصراعيه، لكنه لم يُصدر صوت انغلاق أو صفير إنذار كأنّ الكبسولة نَهَضَتْ دون أن تستأذن أحدًا.

ارتفع صدري ببطء، تتسارع أنفاسي وأنا أرمق الفراغ المعدني من حولي الكبسولة مفتوحة، والهواء بارد يلسع جلدي رفعت يدي المرتجفة، لم يكن ضعفي ما دفعها للارتجاف بل الدهشه؛ كل شيء هادئ أكثر مما ينبغي.

جلست ببطء، وضعت قدميّ العاريتين على الأرض المعدنية الباردة نظرت حولي و كانت مئات، بل ألاف الكبسولات مصطفة في صفوف طويلة، كجنود نائمين تحت أمرة زمن لا ينتهي كلّها مغلقة بإحكام...

إلا كبسولتي.

لماذا أنا؟

خرجت من الكبسولة مترنّحًا، حاولت أن أستعيد توازني، ساقاي لم تعتادا الحركة بعد سُبات طويل لا اعلم مدته، سرت في الممرّات اللامعة، أضواء خافتة تومض من حين لآخر، والهدوء يخيّم كما لو كنت في مقبرة ضخمة تسافر عبر الفضاء.

اقتربت من إحدى الكبسولات، وضعت كفّي على الزجاج البارد، خلفه وجه نائم بملامح ساكنة، كأنّ الزمن جمده حاولت أن أطرق بأصابعي لكن لا شيء يتحرّك، كلهم غارقون في سباتهم وأنا فقط من انسلّ من بين أهداب النوم.

تقدّمت أكثر، أبحث عن صوت، عن صدى، عن أيّ شيء يدلّ على حياة لم أجد سوى خطواتي تردّد صداها وحين عبرت إلى القاعة الرئيسية، استقبلتني نوافذ زجاجية هائلة تطلّ على العدم.

وقفت أمام الفضاء، فضاء لا نهاية له نقاط ضوء متناثرة، مجرات بعيدة تلمع كحبات ماس مرمية في بحر أسود.

ارتجف قلبي هل هذا هو عالمي الجديد: الصمت، والفراغ، ولامحدودية لا تُطاق، هل سأموت هنـ...

أخرجني من شرودي صوت معدنيّ يجرُّ نفسه على الأرض التفتُ برأسي فإذا بآلة تنظيف صغيرة، تدور في دوائر بليدة فوق أرضٍ لا غبار عليها، وكأنها تعمل لتثبت فقط أنّها موجودة

انحنيت لأتفحّصها،
قطعة مستطيلة على عجلات صغيرة، تومض بمؤشرٍ أزرقٍ وتجرّ خلفها فرشاة ميكانيكية دقيقة، لم تكن تُشبه الإنسان إلا بأدائها المحددة؛ لا عينان تنظران، لا نبض، لا تهاوٍ في الحركة أجهزة التنظيف هذه تعمل بلا مشاعر، تنظف بلا حوار، تملأ فراغ المكان بوظيفةٍ وحيدة؛ ولكني شعرت أنها تزيد من فراغي، تجعل المكان يبدو كحلمٍ مُنظّم.

Exiles| TKStories to obsess over. Discover now