كانت عطوى تستيقظ كل صباح على صوت صراخ سمية الحاد، الذي يخترق سكون الغرفة ويبعث في قلبها الخوف والقلق. "قومي حضري الفطور لنا !" كانت الكلمات تتردد في أذنيها كطعنة مؤلمة. نهضت بصمت، عيونها متعبة من الليالي التي لم تغمض فيها جفونها من شدة الضرب والصراخ.
كل يوم كانت تتعامل معها سمية وزوجها كأنها كائن لا يستحق الاحترام، لا تأكل إلا ما تبقى لهم من الفتات، وتتحمل صرخاتهم وقسوتهم التي لم تتوقف. لكن في داخلها كان هناك شعلة أمل صغيرة تضيء ظلام معاناتها، تلك الشعلة كانت بيت صديقتها مزنة، حيث تشعر للحظات بأنها بين أهلها.
في بعض الأيام، عندما كان الألم أكثر من طاقتها، تهرب عطوى متسللةً إلى بيت مزنة. هناك، تحت سقف الدفء والحب ، ومزنة تواسيها بيدها الناعمة ، كان حضن مزنة لعطوى كالدفء الذي يلوح وسط ظلامها.
ولكن ما إن تعود عطوى إلى بيتها، حتى يبدأ فصل جديد من المعاناة. تستقبلها سمية بنظرات ملأى بالاحتقار، وعبارات قاسية تنهال عليها كالرصاص. "وين كنتِ يا وجه النحس ؟!! ، تروحين من غير إذني؟ ما تفهمي إلا بالعصا!"
كانت تلك الكلمات تزيد من جرحها، لكنها لم تكن تملك سوى الصمت كدرع يقيها من الألم الأكبر. في لحظات كهذه، تتمنى أن تختفي، أو أن يرحمها القدر من هذا الجحيم الذي تعيشه.
وبين هذا وذاك، كانت عيناها تبحثان عن بصيص نور في عالم مظلم، تبحث عن دفء إنساني، حتى لو كان في بيت صديقة بسيطة، حيث تجد هناك لحظات من السلام، رغم أنها قصيرة كالنسمة في عاصفة.
لم تكن عطوى تعلم، ولا حتى تتوقع، أن هناك من يراقبها بصمت، يحبها في خفاء، ويحلم بأن يخلصها من جحيم ذلك البيت القاسي وزوجة أبيها التي لا ترحم.
في أحد الأيام، التي اعتادت فيها عطوى أن تمر كغيرها من الأيام، تحمل معها وجع التعذيب الجسدي والنفسي، دخلت عليها زوجة أبيها بصوت قاسٍ وقالت: "جهزي نفسك، بيجونك خطاب، وبتقبلين غصب عنك."
نظرت إليها باستحقار، وأغلقت الباب بقوة خلفها، تاركة عطوى واقفة في مكانها، عيناها تملؤهما الحيرة والارتباك، لا تدري ماذا يحدث، ومن هو هذا الخطاب، وهل سيكون انتقالها لعذاب جديد، أم بداية لنور لم تره من قبل.
في تلك الأيام، كان جهم زوج أمها قد سافر للعمل خارج شارع الأعشى، ولن يعود قبل شهر كامل. وعندما أخبرت سمية جهم بأن هناك ناس سيأتون ليخطبوا عطوى، لم يهتم أو يسأل عن هويتهم، واكتفى بالقول انه سيتخلص منها ومن مصاريفها فهم كانو يرون انها بلا فائدة فقط زيادة مصاريف
بدأت الدموع تنساب على خديها كالمطر الهادئ الذي لا يتوقف، كانت تتجهز بصمت وكأن قلبها يئن تحت وطأة الخوف، لا تعرف ماذا يخبئ لها المستقبل، سوى الظلام الذي اعتادت أن تعيش فيه.
