رواية: ظلّ القمر
الفصل الأول: العين التي رأت الذئب
في عالمٍ لا ينام فيه القمر، حيث تُقايَض الأرواح بالذهب الأسود، وتحكم المافيا ممالك الظل، كانت هناك مدينةٌ تُدعى "إيدن فال"... لا تنام، لا ترحم، ولا تنسى. يقال إن من يولد فيها، يُولد بسلسلة حول رقبته، لا مفتاح لها سوى الموت.
في إحدى الليالي، حين اكتمل القمر وصار يحترق بنوره الفضي فوق أبراج المدينة، كانت "ليارا فالنتين" تشق طريقها في الأزقة المظلمة، تتبعها خطوات غير مرئية، لكنها لم تلتفت.
ليارا لم تكن مجرد فتاة... كانت نارًا تمشي على قدمين، تتقن القتال كما تتقن الصمت، وعيناها بلون الجليد لا تذوب، حتى في أحرّ المعارك.
لقد كبرت بين رجال لا يؤمنون إلا بالقوة، تربّت في دار اليتامى رقم 13، حيث القانون الوحيد هو: "اضرب أولاً، وإلا ضُرِبت إلى الأبد". لم تتعلم الحب، بل تعلمت النجاة. وعندما خرجت من هناك، كانت قد قتلت أول رجل وهي في السادسة عشرة.
دخلت الحانة المعروفة باسم "العظم الأسود". لا أحد يجرؤ على الاقتراب من ذلك المكان إلا المرتزقة أو من باعوا أرواحهم للعصابات. الجدران كانت سوداء، الأضواء خافتة، والدخان يتصاعد من الأرائك الممزقة كأنها زفرات جحيم.
جلست على المقعد، لكن عيناها لم تتوقفا عن المسح. تعرف أن الهدف هنا. لقد قيل لها إنه سيأتي، وقد أتى.
كايل.
ذلك الاسم الذي لا يُنطق إلا همسًا، كأن من يقولُه يُخشى أن يُستدعى. رجل يُقال إنه لا يشيخ، لا ينام، ولا يُجرَح. قيل إنه مات مرة، لكن القبر لفظه.
وحين التقت عيناهما، أحسّت وكأن العالم انكمش.
لم يكن جميلاً كما في القصص، بل كان مظلمًا... وجهه كُتبت عليه الذنوب، وهدوءه يُخفي عاصفة.
– "كايل؟" قالتها بنبرة هادئة، لكنها كانت تُخفي رعشة لم تفلت من نظراته.
– "وأنتِ... لم تتغيري، ليارا. ما زلتِ تعتقدين أن الأسئلة تسبق الرصاص."
تحركت أصابعه فوق الطاولة كأنها تعزف لحنًا صامتًا. لم تكن حركة عشوائية، بل شيفرة يعرفها القتلة. كانت تقول: "استعدي."
لكنها لم تخف. بل ابتسمت.
– "وأنت لا تزال تعتقد أنك إله."
رفع نظره نحو القمر من خلال النافذة المتصدعة، ثم قال: – "أنا لست إلهًا... أنا عقاب الآلهة."
في الخارج، عوى ذئب. لم يكن صوتًا عاديًا... كان إنذارًا. الهواء تغيّر. الضوء خفت. وشخص ما سحب سلاحه خلفهم.
لكن قبل أن يتمكن من التصويب، تحرك كايل. لا أحد رآه، بل رأوا ما تركه خلفه: رجل على الأرض، ورقبته مكسورة.
سقط الصمت فوق المكان، كأن الجميع قرأوا بيان الموت.
نظرت ليارا إليه، وداخلها سؤال واحد: هل هو بشري؟
لكنه أجاب قبل أن تسأله. – "أنا مستذئب، يا ليارا... لكني لست كأيّ ذئب."
شهقت، لكنها لم تتراجع. لقد كانت تعرف أن هذا اللقاء لن يكون عاديًا، لكنها لم تكن مستعدة لما سيأتي.
– "أنت من عائلة الظل؟" قالتها وهي تسترجع الحكايات القديمة.
هزّ رأسه. – "آخر من تبقى. والآن، أنتِ ستختارين: إما أن تقاتلي معي، أو تُمحى ذاكرتك للأبد."
ضحكت. ضحكة باردة، متحدية. – "ظننت أنك أذكى من أن تهددني."
لكن صوته كان أهدأ من الموت: – "أنا لا أهدد، أنا أُعلن. الليل بدأ، والدماء ستُراق."
وفي لحظة، تكسّرت النوافذ، وانطلقت قنابل الدخان.
الهجوم بدأ.
لكن لم يكن العدو هو الخطر الأكبر... بل كايل نفسه.
وفي وسط كل ذلك، شعرت ليارا أن مصيرها لن يكون كما خططت. لقد دخلت الحانة كصائدة... وخرجت منها كطريدة.
ولم تكن تعلم أن هذا اللقاء، كان مُرتّبًا منذ ولادتها.
---
لمحة من ماضي كايل:
قبل عشرين عامًا، في غابة الشُعاع الملعون، حيث يُقال إن القمر لا يغيب أبدًا، وُلد كايل تحت نبوءةٍ قديمة.
كانت الليلة دامية، والعواء يملأ السماء. عائلة الظل — سلالة نادرة من المستذئبين — كانت تُطارد من قبل عصابة تُدعى "كلاب النور"، منظمة بشرية متطرفة تعتقد أن كل مخلوق خارق يجب أن يُباد.
وسط النيران والصراخ، ركضت والدته، لورا، تحمل طفلها عبر الغابة، تنزف وتبكي، والدموع تختلط بالدم.
لكنهم لحقوا بها.
ولكي تحميه، غرزت بين حاجبيه خنجرًا فضيًا صغيرًا محفورًا عليه رمز العائلة: قمر يتوسطه ذئب ميت.
همست له: – "كايل... إن نجوت، لا تنسَ. أنت لعنة القمر، وحامي الدم الأخير. لا تثق بالبشر. لا تثق حتى بنفسك."
ثم وقفت، قاتلت، وماتت.
لكن الطفل عاش.
ورباه أحد كبار الذئاب المنفيين، درّبه على القتال، على قمع الألم، وعلى أن يكون سلاحًا لا رحمة فيه.
ومنذ تلك الليلة، لم يكن لكايل قلب.
