---
كانت السماء في ذلك اليوم الرمادي تمطر مطرًا خفيفًا، قطرات باردة تنساب على زجاج النوافذ كما لو أنها تبكي بصمت، تمامًا كما تفعل الأرواح حين تعجز الكلمات عن الخروج.
جلس إدريس، الطفل ذو الثمانية أعوام، في زاوية الغرفة الضيقة يضم ركبتيه إلى صدره الصغير. عيناه المبللتان تلاحقان حركة الرجال الذين دخلوا المنزل بوجوه متجهمة وملامح جادة، وهم يحملون جسد والده المسجّى تحت كفن أبيض.
لم يفهم إدريس ما يحدث. بالأمس فقط كان والده هنا، يبتسم له، يمازحه، يربت على شعره الأسود الكثيف، ويقول بصوته الرجولي الحنون:
"ستكبر وتصبح رجل البيت يا بني... سأعلّمك كيف تكون قويًا."
لكن القوة لم تنقذ والده حين باغته المرض. لم تسعفه حين خارت قواه وسقط أرضًا أمام عيني إدريس، وكأنه لم يكن سوى ظل رجل يتلاشى.
أيام المرض مرّت ثقيلة، طويلة، خافتة. كانت أمه تبكي كل ليلة، ظنًا منه أنه غارق في النوم، بينما كان هو يختبئ تحت الأغطية، يستمع إلى كل تنهيدة، كل صرخة مكبوتة، وكل خيبة أمل تتسرب من جدران البيت المتهالك.
ثم جاء الموت.
لم يدركه إدريس تمامًا، لم يفهمه. كل ما رآه هو الجيران يتجمعون، رائحة البخور تملأ المكان، وأمه تنكمش في زاوية الغرفة تئن وكأن جزءًا منها يُنتزع إلى الأبد.
حينها فقط فهم إدريس – ولو جزئيًا – أن والده رحل، وأن العالم لم يعد كما كان. أدرك أن القوة التي طالما تغنّى بها والده لم تكن سوى كذبة صغيرة... مثل الأمان تمامًا.
في تلك الليلة، غفا إدريس بجانب سرير فارغ، ولأول مرة في حياته لم يشعر بالدفء.
الأيام التالية مرّت ثقيلة، ضبابية، بلا لون ولا طعم. بدا وكأن كل شيء جميل ذاب مع رحيل والده. لم تجد أمه خيارًا آخر، فالفقر سحقهما، والعائلة لم تمد يد العون، فكان الانتقال إلى بيت عمه أحمد الحل الوحيد.
إدريس لم يعترض، لم يكن يملك حق الاعتراض أصلًا، لكنه في داخله كان يشعر بأن قلبه ينكمش مثل زهرة تُسحق تحت الأقدام.
ركبا الحافلة المتجهة إلى قسنطينة. المطر يضرب زجاجها، والبرد يتسرب من النوافذ المهترئة. جلس ملتصقًا بأمه، يحدّق إلى الخارج بعينين زائغتين؛ كل شيء غريب، موحش، وأشجار الشتاء بدت له كأشباح جامدة في العراء.
حين وصلا، كان المساء يوشك أن يسدل ستاره، ورائحة الطين تعبق في الهواء. بدا بيت عمه أحمد كقلعة مقارنة ببيتهما القديم: باب خشبي عريض، سور منخفض، وحديقة صغيرة بأشجار يابسة أنهكها البرد.
استقبلهما عمه أحمد، رجل طويل عريض الكتفين، ملامحه صارمة لكن عينيه تحملان دفئًا خفيًا. أما زوجته هالة، فكانت سيدة ثلاثينية، وجهها شاحب قليلًا لكنه لطيف الملامح، شعرها بني مشدود إلى الخلف، وعيناها الخضراوان تلمعان بتعب غامض.
رحّبا بهما بحرارة لم يتوقعها إدريس، وأخذاهما إلى غرفة واسعة أُعدّت مسبقًا. لكن الغربة ظلت تملأ قلب الصغير. كان البيت دافئًا، ومع ذلك أحسّ وكأنه يخفي أسرارًا لم يفهمها بعد.
في تلك الليلة، حين غطّته أمه بالأغطية واستلقت بجانبه، بقي مستيقظًا، عينيه معلّقتان بالسقف، يتساءل:
هل هذه بداية حياة جديدة؟ أم بداية ضياع آخر؟
مرت الأيام الأولى في البيت الجديد بهدوء نسبي. حاول عمه وزوجته جاهدين أن يمنحاه إحساسًا بالانتماء، لكن قلبه ظل متعلقًا بأمه، يراقبها بخوف، ينصت إلى كلماتها، يخشى أن تختفي فجأة كما فعل والده.
غير أن خلف ملامحها الحزينة، كانت أمه تخفي شيئًا آخر... شيئًا أكثر ظلامًا.
في إحدى الليالي، استيقظ إدريس على أصوات خافتة: خطوات مترددة، حقيبة تُسحب على الأرض، وهمسات مبعثرة. نهض مذعورًا، خرج من غرفته وقلبه يدق بقوة، يبحث عنها بعينين متسائلتين.
وصل إلى المطبخ، فوجد الطاولة فارغة إلا من ورقة صغيرة بخطها المرتبك، كلماتها متقطعة، موجعة:
"أنا آسفة... لم أعد قادرة على الاستمرار.
لا تبحث عني... احبك"
_________________
ملاحظة :
قسنطينة هي احدى مدن الجزائر
هذا هو الفصل الاول من الرواية لذا اتمنى التفاعل بهدف تشجيعي على المواصلة🩷
YOU ARE READING
حين تكبر ليلى
Romanceفي عالم يعجّ بالخيانة، الفقد، والندوب التي لا تُرى، نشأ إدريس محاطًا بجراح لم يختَرها... يتيمًا، مكسور القلب، وطفلًا تخلّت عنه والدته في لحظة أنانية، ليجد الحضن الوحيد في بيت عمّه الطيّب وزوجته الحنونة. لكن هدية القدر الحقيقية لم تكن الأمان فحسب، بل...
