كيل

5 0 0
                                        

في مكانٍ مظلمٍ تحت المدينة، حيث لا تصل أصوات السيارات ولا ضوء الشمس، كانت الصيحات تصدح من كل الجهات. جدرانٌ إسمنتية، أضواء خافتة، وعرق يتصبّب من أجساد المتفرجين المتراصين حول ساحة قتال مربعة، يحدّها سياج حديدي مرتفع. أصوات الرهان، الضحك، والمراهنات تدور كالعاصفة، والجميع يترقّب بداية الجولة التالية.

ظهر على الشاشة الإلكترونية اسم المتنافسَين: راغان وصهّاد. الأضواء انطفأت للحظة، ثم اشتعلت كاشفة عن جسم ضخم يخرج من جهة الحلبة اليمنى. راغان، كتلة بشرية لا يبدو فيها أثر للرحمة، جبينه عريض، عضلاته بارزة، وقبضة يده مغطاة بقفاز معدني يلمع بضوء أحمر خافت. سارت خطواته الثقيلة فدوّى صوتها في الساحة.

دخل صهّاد من الجهة المقابلة، نحيف البنية، لكن عينيه تقدحان ذكاءً وحدّة. كان في كفّه لهب صغير يدور حول أصابعه كأن النار خادمة له، لا تحرقه ولا تبتعد.

رفع الحكم يده وقال بصوتٍ جهير: "لا قواعد، إلا القتل ممنوع. القتال حتى السقوط أو العجز عن الاستمرار. ثلاث… اثنتان… واحدة… ابدأا!"

اندفع راغان كالوحش، لم يُمهل خصمه. صهّاد أطلق كرة نارية، لكن جسم راغان اخترق اللهب دون أن يتباطأ. في لمح البصر، وصل إلى صهّاد ووجّه له لكمة أصابت صدره مباشرة. طار جسده واصطدم بالسياج الحديدي، ثم سقط. حاول أن ينهض، لكن الضربات لم تتوقف. حكم المباراة تدخّل سريعًا، ورفع صوته: "توقّف!"

توقّف راغان، متنهّداً بفخر، ثم مشى بخطى بطيئة نحو وسط الساحة، رفع يديه عالياً وقال:

"أما من أحد؟! من يظن نفسه أقوى؟!"

الجمهور هتف، بعضهم صاح بأسماء مقاتلين، وبعضهم طالب بجولة إضافية. وبينما كانت الحلبة تهدأ، انفتحت البوابة الخلفية، وخرج منها فتى.

نحيف، شعره مبعثر، سترته أكبر من مقاسه، ويمشي بلا عجل كأنه غير معنيّ بكل ما يحدث. وقف في وسط الحلبة، ينظر إلى راغان، وقال بهدوء: "سأجرب."

ضحك الجمهور، صرخ أحدهم: "هذا فتى توصيل طلبات!"
وقال آخر: "يا إلهي، من أرسله؟ لا يبدو عليه حتى أنه يعرف طريق العودة!"
راغان هزّ رأسه وقال للحكم: "دعني أنهيها سريعًا."

الفتى لم يجب. مدّ يده إلى جيبه، وأخرج شيئًا صغيرًا لامعًا. لفّ الخيط حول إصبعه، ثم أطلقه نحو الأرض. الجميع صمت لحظة.

يويو.

تدحرجت اللعبة، ثم استدار كيل —هكذا ناداه البعض من خلف السياج— وأطلقها أفقياً نحو راغان، لتضرب كتفه، ثم عادت والتفتت حول ذراعه، ثم ارتدت لتصيب بطنه. ترنّح راغان وسقط على ركبتيه، يتنفس بصعوبة.

لكن الحكم صرخ: "توقّف القتال! استخدام الأسلحة ممنوع!"
ركض مساعد من الزاوية، فحص القطعة، ثم قال: "معدنية، وزنها غير نظامي. محسوبة كسلاح حاد."

You've reached the end of published parts.

⏰ Last updated: Jun 11, 2025 ⏰

Add this story to your Library to get notified about new parts!

our teamWhere stories live. Discover now