جلستُ على حافة المساء، أراقب الشمس تنحني ببطء، كعروس خجلى تخلع وشاحها الأخير.
ضوؤها المتكسر كان ينسكب على أوراق أكتوبر، فتتقد بالأصفر المُطفأ، والأحمر المُخنوق، كأنها تحترق ببطء دون لهب.
غابة أولومبيك كانت صامتة، لكن الصمت فيها لم يكن خواءً، بل كمن يُنصت لحكاية تُروى بلغة الضوء.
الريح تمرّ بين الأشجار كأنها تقرأ الرسائل الأخيرة التي علّقتها الفصول على الأغصان.
كان في الهواء طعم وداعٍ قديم، ورائحة أرضٍ بللتها الذكريات.
في يدي كوب دافئ من الكاكاو، يتصاعد منه بخار خفيف كأنفاس سرّ ضاع في الصدر.
ضوء المدفأة يتراقص على الواجهة الزجاجية للكوخ، يرسم على سطحها المرتعش أطياف نارٍ لا تريد أن تنطفئ.
من خلف الزجاج، كانت الغابات تمتد تحت قدميّ كبحر ساكن من الأشجار، توشّحه ألوان الخريف وتغطيه سكينة المساء.
كأنني لست في كوخ، بل في حضن الأرض وهي تستعد للنوم، وأنا شاهدة على غفوتها الأخيرة قبل أن تبتلعها عتمة الليل.
أمسكتُ الكوب بكلتا يديّ، أوزّع الدفء بالتساوي بين راحتيّ، كمن يبحث عن حياةٍ في هشيم.
لمعت الدبلة في إصبع يدي اليسرى، لمعة خافتة، لكنها كافية لتوقظ في داخلي مقطعًا مفقودًا من قصتي.
كانت أكثر من خاتم... كانت شاهدًا صامتًا على زواج لم يُكمل سنته، قضيته متنقلة بين أروقة المستشفيات، لا كزوجة، بل كظلٍّ يرتجف على مقعد الانتظار.
رحل، وبقيتُ... أحمل نعشه في صدري، لا يُرى، ولا يُدفن، عامان مضيا وما زال وزنه يسحب كتفيّ إلى الأسفل كلما تذكرت أن الدفء الوحيد الذي عرفته... انتهى.
ذبلت كل المشاعر في صدري كما تذبل أوراق الخريف أمامي، تسقط واحدةً تلو الأخرى بلا رجعة.
لم يعُد في الحياة ما يسعدني أو يغويني، وكأنني أنظر إليها من وراء زجاجٍ بارد، أراها ولا أعيشها، أراقبها دون أن يلمسني شيء منها.
عامان مضيا، طرقت فيهما كل بابٍ ظننت أن خلفه خلاص، لا جلسات علاجية رمّمت ما انكسر، ولا رفقة استطاعت أن تخترق هذا الصمت، ولا حتى إخوتي...
كل محاولة كانت تصطدم بتلك الغمامة المعلّقة في رأسي، تلك التي لا تمطر ولا تنقشع، بل تبقيني في ظلّها كجسد مؤجل عن الحياة.
حتى هذا الصباح، حين غادرت قاعة المؤتمر في جامعة سياتل على وابل من التصفيق، كنت المتحدثة الرئيسية في مؤتمر أمراض الدم، ومع ذلك... لم تتحرك داخلي شعرة واحدة.
كل ما رغبتُ به هو الخروج، الفرار إلى هذا المكان المنعزل، كوخي الخشبي في حضن غابة أولومبيك، كأنني أخلع جلدي المهنيّ وأدخل إلى صمتي بملء إرادتي.
ابتعدتُ عن العمل، عن التكنولوجيا، عن مواقع التواصل، عن البشر... محاولة أخيرة لأن أبدأ من جديد، من نقطة الصفر، منّي أنا... بلا تدخلات.
كان الكوخ مشيّدًا بالكامل من خشب الدوغلاس، بخشونته الصلبة ولونه المائل إلى الاحمرار، كأنه قطعة من الغابة صيغت على هيئة مأوى.
أعمدته السميكة ترتفع بثقة، تصطاد ضوء النار وتحبسه في عروق الخشب، بينما الأرضية تنقل الخطوات كما تنقل الغابة أنين الريح بين الأغصان.
هنا، لا شيء مصطنع... حتى الصمت يبدو منسوجًا بين ألياف الخشب، كأن الغابة تنفست داخله وتركت أثرها في كل زاوية
لا أبراج هنا...
لا شاشات تُضيء الوجوه الخاوية، ولا إشعارات تتسلّل كالمتطفلين إلى الروح.
لا ضوضاء سيارات، ولا صراخ أطفال، ولا خطوات مهرولة على الإسفلت.
فقط هذا الكوخ، وهذا الخشب الذي تنفّس الغابة قبلي، وصوت الطبيعة الأم وهو ينساب من كل جهة...
همس الريح بين أغصان القيقب، ارتجافة ورقة تسقط على أرض مبللة، صدى نقيقٍ بعيد، وخرير جدولٍ لا يُرى لكنه يُسمع وكأنه في الوريد.
هنا، يُمكن للذاكرة أن تتمدّد بهدوء، دون أن يركض خلفها زمن.
أخذت حماماً دافئاً، كأنني أغسل اليوم من جلدي، أو أطرد البرد من عظامي.
ارتديت بيجامتي القطنية، مطوية كما تركتها على طرف السرير، واستلقيت أتهيأ للنوم... لكنه لم يأتِ.
كعادته، تأخر، أو تراجع، أو ربما لم يعُد يعرف الطريق إليّ.
لقد نجحت في استئصال ضجيج العالم من حولي — لا أصوات، لا شاشات، لا أحد.
لكنني فشلت في استئصاله من داخلي...
ذلك الضجيج الناعم، الخفي، الذي لا يحتاج إلى ضوءٍ ولا صوت، يكفيه أن يتنفس عبر الشقوق الصغيرة في رأسي...
الأسئلة المؤجلة، الوجوه التي رحلت دون وداع، الأجوبة التي لم تُقال... كلها كانت تملأ الغرفة رغم خلوّها.
ما أقساه هذا السكون... حين لا يُطفئ الضجيج، بل يُضخّمه
وبينما كانت عيناي معلّقتين بين النوم واليقظة، لا هنا ولا هناك،
تسلّل المشهد إليه كما ينسلّ الدخان من نافذة مواربة...
رأيته...
YOU ARE READING
فريسة ظلامه || +١٨
Romanceكانت تحاول أن تتمالك نفسها، لكن كل شيء فيه كان مصممًا لإذلال السيطرة التي اعتادت التظاهر بها. يداه لم ترفقا بها، ولم تكن قاسية تمامًا... بل مدروسة، تعرف أين تضغط، كيف تُربك حدود الألم والمتعة، وكيف يجعلها تنسى أن تقول "توقف". "لا زلتِ في البداية"، ق...
